من فساد النظر
د. محمد مصطفى الكنز
هل تذكرون ذاك الأعرابي القديم الذي قال يومًا ما: “هذه الأقدامُ بعضها من بعض”، وكان مؤدَّى نظره الفطري هذا سبرَ الأنساب، وإلحاقَ هذا بذاك، ونفيَ هذا عن ذاك، ونشأ من مجموع هذه النظرات علم القيافة؟!
هل يمكن أن نخضع قيافة ذاك الأعرابي القديم للمنهج العلمي، رغم أن مؤدَّى هذه النظرات في عاقبة أمرها يُفضي إلى العلم؟
بالطبع لا.
إن ذاك الأعرابي القديم الذي صفتْ روحه، ونظُف ذهنه مما يكدره، وسمتْ قريحته عما يشنؤها، حين أطال النظر، وأنعم التأمل في آثار الناس، ومدبّ أقدامهم، استطاع ببداوته التي لم تُلوَّث، وفطرته التي لم تأسن أن يوقفنا على باب عظيم من إدراك الحقائق، لا يستطيع المنهج العلمي قياسها، ولا ينهض بوضع قواعد تحدد مسارها، وتضبط النظر فيها.
وأيضًا هذه الفراسة التي يرى بها صاحبها ما وراء الأشياء، وهذا معروفٌ مجرَّبٌ لا يُنكره التاريخ ولا الواقع، هل يمكن أن نخضع تفرُّسه هذا للمنهج العلمي؟!
بالطبع لا.
وحين يعكف الباحث في محراب نص ما، أو مجموعة نصوص ما، مخلصًا لها روحه، متوسِّمًا ما وراءها، مُنقِّبًا عن المخبوء فيها، مُقلِّبًا لوجوهها، مُنعِمًا التفرُّس فيها، مُديمًا الفتش والحفر بين سطورها، رابطًا أواخرها بأوائلها، واجدًا الحلقات المفقودة بينها، باحثًا من خلال ألفاظها عن ملامح شخصية مؤلِّفها وروحه وعقله، حين يفعل ذلك، ويصله بعد طول مكث، واستدامة مثول وميض من قبسة نور، أو التماعة خاطفة من بين أمواج الغسق في لحظة متأبّدة، هل يحق لنا أن نخضع هذا الفتش الفريد للمنهج العلمي الجاف؟
بالطبع لا.
هل نستطيع أن نقبض بأكفنا على هذه القبسة المتوحشة، أو أن تمسك أناملنا بهذه الالتماعة الأبيّة؟
بالطبع لا.
لا يحق لنا أن ننازعه – بعد طول فرادته بما هو فيه – فيما لان له بعد يبوسة، وسهل بعد حزونة!!
الإنصاف يقتضي أن نسلِّم له هذا الذي خلص له، من غير تثريب عليه، قصارى الأمر أنه يلزمه وحده، ولا يلزم غيره.
ولماذا نذهب بعيدًا؟
انظروا؛ هل الموهبة علم؟
بالطبع لا.
الموهبة موهبة، والعلم علم.
بدليل أن موهبة الشاعر لا تخضع للقياس العلمي الصارم، وإنما هي نفحة قُسِمتْ له، وهبة اُصطُفي بها؟
ولو كانت المواهب من جنس ما يُكتسَب بالتعلم والمران، لكان كل البشر موهوبين!!
وليس هذا فحسب، بل إن اللحظة التي يتجلَّى فيها الإبداع لسنا قادرين على وصفها وصفًا علميًّا دقيقًا.
وهذه الشذرة التي لفحت المبدع، فكشفتْ له الحجب، ليس القارئ الجيد عنها ببعيد.
إن الإبداع الجيد موهبة، كما أن القراءة الجيدة للنص الأدبي موهبة، والمواهب ليستْ علمًا.
إن إدراك الحقائق لها أبواب شتى؛ منها: الملاحظة والاستنباط والاستقراء والتحليل والتجربة، وما أشبهها .
ومن أبوابها أيضًا: الذوق والحدس والإحساس والتفرُّس والعرفان القلبي، وما أشبهها.
إن من يريد أن يُخضِع الذوق والحدس والإحساس والتفرُّس والعرفان القلبي وما أشبهه – للمنهج العلمي الصارم – هو عندي كمن يريد أن يُخضِع الإيمان بالملائكة للمنهج العلمي!
هناك أشياء يدركها النظر العقلي المجرد، وهناك أشياء تُدرك بالملاحظة العابرة، هناك أشياء تأتي بالتأمل والعكوف الطويل، والمثول المطمئن، وهناك أشياء تدركها الروح الشفّافة ، والتي منها ما يأتلف، ومنها ما يختلف.
ومدركات الروح لا يمكن وضع قواعد صارمة لها، بل لا يمكن وصفها أصلاً؛ فقد ترى إنسانًا عند المرَّة الأولى، ويقع في قلبك حبُّه، أو كُرهه، ولا تجد تفسيرًا علميًّا لذلك.
وهذه الأمور على وجه التقريب أشبه بإحساس المرء باللذائذ والآلام وطعوم المأكولات والمشروبات، لا تُنقَل ولا تُوصَف، ولا تُدرَك الا بالتجربة والمعاينة، وقديمًا قالوا: "مَن ذاقَ عرف"، ودلَّ ذلك على أن المعرفة من نتائج الذوق، وبالطبع مَن لم يَذُقْ لم يعرفْ، وقالوا أيضًا: "فاقد الشيء لا يُعطِيه".
أما أنه لا يعطيه؛ فلأنه لم يتصوره، فلم يفهمه، ولم يستوعبه؛ ومعروف أن إدراك الشيء فرع عن تصوره.
وبالطبع: واجد الشيء يُعطِيه.
ولو كانت الحقائقُ تُدرَكُ كلها بمنهج العقل فحسب، ما كان لوجود الروح معنى، ولا كان لوجود الحواسّ منفعة، ولا كان في الحياة ظاهر وباطن، وشاهد وغائب.
إن الذي يُخضِع تحليل الأدب للنظر العقلي الجاف فحسب، أو المنهج العلمي الصارم فحسب، مجرِّدًا الناظر فيه من ذاتيته، وما يتحصّل على هذه الذاتية من نظر، ونافيًا عنه خصوصية ذائقته، وما يترتب على هذه الذائقة من نتائج، الذي يفعل ذلك قد شطَّ به النظر، ونأتْ به النّجعة، وفسد طريق النظر عنده.
.