قضية الإشكالية في البحوث العلمية
(بحث إرشادي للباحثين)
د. رياض عميراوي
مقدمة:
كثيرًا ما نرى قلق وحيرة الطالب الباحث أو المقبل على إنجاز مذكرة أو رسالة جامعية؛ سواء في مرحلة الليسانس أو الماجيستير أو الماستر أو الدكتوراه، تصل به الى مستوى الاضطراب والفزع، وذلك من خلال استفسارات الطلبة وكثرة تساؤلهم وطرح أسئلتهم على أكثر من أستاذ لمساعدتهم في وضع خطة بحثهم ومناقشاتهم في طرح الإشكالية العلمية لذلك العمل، ولهذا بات حري بنا أن نبين للطلبة الكرام أنه لكتابة البحوث العلميّة قواعد وأسس علينا أن نتبعها حتّى نستطيع أن نخرج بحثاً كاملاً وشاملاً، ومراعياً لكل أسس البحث العلمي وضوابطه، ومنهجية وطريقة الوصول الى المعلومات الضرورية للبحث، وذلك بوضع خطة بحثية بطريقة فنية متعارف عليها ومتفق على أغلب تفاصيلها وتفاريعها، من مقدمة نعرِّفُ من خلالها محتوى البحث المرجو تقديمه في نقاط محددة ومضبوطة، الى فصول ومباحث ومطالب وفروع، ثم إلى خاتمة نبرز فيها أهم النتائج والتوصيات، مع تذييلها بفهارس وثبت لأهم مراجع ومصادر البحث، حيث يعتبر كل جزء مكمل للجزء الذي يليه، ولا يمكن أن نستغني عن نقطة من هذه النقاط ولا محطة من محطاته وإلا اختل البحث واختلت المنهجية وبالتالي الوقوع في الخطأ والزلل، ولا شك أن أهم محطة من محطات البحث العلمي مسألة المقدمة وما تحتويه من نقاط تبين كُنْهَ ومحتوى البحث وحدوده، ولا سيما قضية طرح الاشكال، والذي أصبح هاجسًا لذى الطلبة المقبلين على كتابة مذكراتهم ورسائلهم العلمية سواء في مرحلة الليسانس أو الماستر أو الماجيستير أو الدكتوراه، خاصة عن السؤال الكلاسيكي الذي عهدناه من الأساتذة في لجنة المناقشة: ما علاقة الإشكال بالموضوع المدروس، أو أن الإشكال غير واضح، أو أنه لا يصلح لهذا الموضوع وغيرها من الأسئلة المتعلقة بالموضوع، ولهذا أردنا في مقالنا هذا أن نتحدّث عن أهم عنصر في مقدمة البحث وطريقة صياغتها ألا وهي طرح الإشكالية؟؟ عسى أن نشرح به قلوب قوم من الطلبة الذين احتاروا في هذا الأمر ونساعدهم على ضبط هذه المسألة علميًّا وفنيًّا.
تمهيد:
أولا: عناصر المقدمة
ثانيا: تعريف الإشكال في اللغة والاصطلاح
ثالثا: معنى ومضمون الإشكالية العلمية
رابعا: أنواع المشكلات العلمية.
خامسا: انسجام الإشكالية مع الموضوع والعنوان:
أولا: – علاقة الإشكالية بالموضوع.
ثانيا: – علاقة الإشكالية بالعنوان.
سادسا: شروط الإشكالية في البحث العلمي .
أولا: عناصر المقدمة:
تعتبر المقدمة أول مكونات البحث العلمي أو الرسالة العلمية وهي تتصدر أي عمل فني وأي تأليف أو كتاب فلا يكاد ينفك عنها أي جهد إنساني باعتبار أنها المفتاح والدليل (le catalogue (، لفهم منحى الموضوع المطروق وفحوى العمل المدروس، حيث يعطي الرؤية العامة الواضحة للبحث، والتي من خلالها نحكم على ذلك العمل بالسلب أو الايجاب.
وتعد المقدمة من أهم عناصر خطة الدراسة، حيث يتم فيها إلقاء الضوء على الميدان الذي تقع فيه الدراسة، وكيفية شعور الباحث بالمشكلة، وتبدأ المقدمة الجيدة بالحديث عن الأمور العامة، فالأقل عمومية، فالأشد تحديداً وتخصيصا، بحيث توصلنا في النهاية إلى الشعور بوجود مشكلة حقيقية جديرة بالبحث والدراسة.
ويقول عنها علي مراح في كتابه الوجيز: “طالما أن مقدمة البحث تعد من أهم عناصر ومشتملات موضوع البحث، وحيث ان خطة البحث ذاتها تتبلور وتتجسد في نهاية مقدمة البحث كعنصر تتويجي لها وكمدخل لمعالجة الموضوع محل البحث” .
وللمقدمة العلمية عناصر محددة تقوم عليها، مرتبة متناسقة لا ينفك عنصر عن أخيه لتشكل في الأخير مخططا استراتيجيا يولّد في نفسية القارئ شعورًا بفهم ما يريده الكاتب أو الباحث أو المؤلف بهذه الدراسة، فيحاول أن يتتبع مدى انسجام هذا الأخير مع الخطة العامة والعناصر الهامة التي ينتهجها الباحث للوصول إلى نتائج علمية صحيحة منضبطة.
– فالمقدمة هي مدخل يمهد للموضوع المعالج وتشمل عادة التعريف بالموضوع محل البحث، أهميته، الغرض منه وأسباب اختياره، فضلاً عن الهدف العام لكل البحوث وهو الهدف العلمي، كما يشترط في مقدمة البحث العلمي الإيجاز والوضوح والدقة والدلالة في عناصرها ومضمونها ثم طرح الإشكالية او المشكلات التي يثيرها الموضوع من خلال أسئلة أو تساؤلات لكي تتم الاجابة عنها ضمن البحث.
وتشتمل المقدمة على العناصر التالية :
فبعد ضبط بداية الرسالة ضبطًا شكليًّا متبعًا في ذلك الخطوات التالية:
1-الغلاف الخارجي للرسالة 2-البسملة 3-الإهداء 4-الشكر، تأتي المقدمة بعد ذلك والتي تتشكل هي الأخرى من عناصر معينة هي:
1- تمهيد لموضوع البحث:
هو عرض شامل لطبيعة الموضوع أو المشكلة، مع بيان صلة موضوع البحث بالموضوع العام للعلم الذي يجري البحث في محيطه، وكذلك صلته بالموضوع الخاص الذي يجري البحث في محيطه، وإذا كانت هناك نظريات أو نتائج علمية قد قُدِّمت في هذه المشكلة، فينبغي الربط بينها وبين المشكلة موضع البحث.
2- إشكالية البحث:
يوضح الباحث الفكرة الرئيسة التي ينطلق منها في دراسته، والإشكالية هي سؤال مطروح يطلب حلًّا أو مسألة علمية أو نظرية لا يوجد لها حلٌّ، تكون الإشكالية أولية حينما يضعها الباحث ويبنى عليها فرضياته أو خطة بحثه، وعندما يجمع الباحث المادة العلمية، ويبدأ في دراستها وتمحيصها ثم تنقيحها أو تعديلها وإضافة إليها ما يلزم تصبح نهائية.
3-أسباب اختيار البحث وأهميته:
تتباين المبررات والأسباب الذاتية والموضوعية التي دفعت الباحث إلى اختيار موضوع بحثه، وعلى الباحث أن يبين هذه المبررات والأسباب في المقدمة، ومبرزًا في نفس الوقت أهمية البحث على المستوى النظري والتطبيقي على النحو التالي:
-الأهمية النظرية أو العلمية للدراسة: وهي توضح ما ستضيفه الدراسة من معلومات وتعميمات جديدة،لم يتم التوصل إليها من قبل، مع الأخذ في الاعتبار أن تكون التعميمات الجديدة إضافة إلى مجال التخصص بشكل عام، من تلك التي لم يتم التوصل إليها من خلال البحوث السابقة في السابقة.
– الأهمية التطبيقية أو العملية للدراسة: وهي تبين مدى مساهمة الدراسة في تقديم حلول علمية للمشكلة المطروحة، سواء على مستوى مؤسسة ما أو المجتمع. على أن يكون ذلك بصيغة واضحة ودقيقة ووجيزة.
4- حدود البحث:
يوضح الباحث الحدود الموضوعية للبحث وهي ما ستقتصر عليه أسئلته، والحدود المكانية، وهى المكان الذى سوف يجرى فيه بحثه، وسيعمم النتائج عليه، والحدود الزمانية وهي الفترة الزمنية المقررة للبحث.
5- الدراسات السابقة:
يشير الباحث في المقدمة إلى البحوث والدراسات السابقة التي تناولت الموضوع في كلياته أو في جزئياته، مع الإشارة إلى الجوانب والنقاط التي لم تركز عليها هذه البحوث أو تلك الدراسات، وذلك لبيان أن البحث يرمى إلى ابتكار جديد، أو تصحيح أخطاء سابقة أو استكمال جوانب قصور لم تدرس بعد بصورة شاملة ومستوفية مع ذكر المراجع والمصادر التي تتضمن تلك البحوث.
6- التساؤلات أو الفرضيات:
يضع الباحث التساؤلات أو الفرضيات العلمية التي يراها حلا لإشكالية البحث أو المشكلة العلمية محل البحث.
7- منهج البحث وأدواته:
يشير الباحث إلى المنهج الذى اتبعه في بحثه، والعينة التي استخدمها وأدوات البحث التي استعان بها ومدى تلاؤم ذلك مع طبيعة البحث.
8- خطة البحث:
على الباحث أن يعرض في المقدمة خطة البحث، وتقسيماته من أبواب وفصول ومباحث، مع ذكر الفكرة التي تناولها كل باب أو فصل أو مبحث.
9- المعوقات والصعوبات:
على الباحث أن يشير إلى المعوقات والصعوبات التي اعترضت بحثه سواء في الحصول على المصادر أو المراجع المتعلقة بتمويل البحث أو تلك المتعلقة بالوصول إلى مصادر المعلومات وغيرها من العراقيل والمثبطات، وما هي الطريقة التي استعملها الباحث لتجاوز تلك الصعوبات مما يظهر حجم الجهد الذى بذله.
ويمكن تلخيصها بشكل آخر :
أولا: – وصف وبيان كامل لماهية الموضوع أو المشكلة العلمية محل الدراسة والبحث العلمي .
ثانيا: – حصر ووصف لأهم الفرضيات العلمية النهائية التي تحتوي على الحلول العلمية للموضوع أو المشكلة العلمية محل الدراسة والبحث العلمي، فلابد من إشعار القارئ والإيحاء اليه بالحلول العلمية للمشكلة محل الدراسة، وذلك في المقدمة وهدم حجب وتأجيل الحلول والفرضيات العلمية النهائية عليه إلى نهاية البحث العلمي كما تفعل القصص والروايات والمقالات الادبية.
ثالثا: -حصر وبيان الأسباب الموضوعية والذاتية المختلفة لاختيار موضوع البحث العلمي، وتوضيح أهداف وأهمية الدراسة والبحث حول المشكلة محل الدراسة وذلك بدقة وموضوعية وتركيز مفيدين .
رابعا:- الإشارة بإيجاز مركز ومفيد إلى أهم المحاولات والجهود أو البحوث العلمية السابقة على دراسة والبحث العلمي حول الموضوع و المشكلة محل الدراسة والبحث العلمي .
خامسا: – وصف وبيان وتوضيح منهج وطرق وأساليب القيام بعملية اعدد البحث العلمي وكيفيات وإجراءات العمل والالتزام بها عبر مراحل إعداد البحث العلمي.
سادسا:- إعداد وعرض وتقسيم الموضوع بصورة منطقية وموضوعية جيدة، وبيان العناوين الأساسية والفرعية التي تكون منها موضوع البحث.
أو باختصار أكثر:
• موضوع البحث: بحيث يبدأ الباحث بعرض المشكلة بوضوح ودقة، محددًا أسئلتها، وحدودها، وفرضياتها.
• أهمية البحث: يبرز الباحث الفوائد المتوقعة من الدراسة.
• أهداف البحث: يبين الباحث الغايات التي يهدف إلى تحقيقها من بحثه وبوضوح.
• الدراسات السابقة: يستعرض الباحث الدراسات السابقة المتميزة وفق تصنيف مناسب.
• فرضيات الدراسة: يقدم الباحث الفروض التي سيتحقق منها، وذلك بجمع الأدلة التي تؤيدها أو تعارضها.
• عينة الدراسة: يوضح خصائص المجتمع الأصلي للدراسة، والعينة التي أجريت عليها الدراسة.
• حدود الدراسة.
• تعريف المصطلحات مما يساعد على وَضْع إطار مرجعي يعتمده الباحث في التعامل مع مشكلة البحث
ملاحظات تتعلق بالشكل العام للمقدمة :
على الباحث مراعاة الآتي عند كتابة مقدمة البحث:
1- البدء بالبسملة: والحمد لله، والثناء عليه متبوعة بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- ألا تكون المقدمة طويلة، ومن المفضل أن تتراوح من أربع إلى ثماني صفحات.
3- أن يكون ترقيمها بالأحرف الهجائية وفق الأبجدية التالية (أبجد-هوز- حطي- كلمن – سعفص – ……..).
4- تكتب المقدمة عندما ينتهي الباحث من كتابة البحث.
ولعل أهم وأبرز نقطة وأصعب محطة في المقدمة هي: طرح الإشكالية العلمية باعتبار أنها الدافع والمحرك الرئيسي للبحث العلمي.
ثانيا: تعريف الإشكالية في البحث العلمي:
لفهم معنى الإشكالية لا بد من فهم مدلول لفظة “إشكال” في اللغة، ثم تعريفها في الاصطلاح، ثم نحاول ربط المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي حتى يتسنى لنا الخروج بمعنى محدد ومفهوم معين للفظة “الإشكال” ولنبدأ بالتعريف اللغوي.