سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الحادية والخمسون: الأستاذة الدكتورة وفاء كامل – أستاذ اللغويات بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورأيها في الأسباب التي ساعدت على انتشار ظاهرة التغريب في الشارع العربي.
حين نتأمل الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة، نجد أنها يمكن أن تُعزى إلى الأسباب التالية:
1- قصور الوعي اللغوي لدى عامة الشعوب العربية، وعدم اعتزازهم بلغتهم القومية.
2- ميل معظم أفراد الطبقة المتوسطة والعليا إلى تعليم أبنائهم بمدارس اللغات والمدارس الأجنبية من سن الحضانة إلى نهاية المرحلة الثانوية، وقد أدى ذلك إلى أن يتعلم الطفل اللغة الأجنبية منذ طفولته، فتسيطر هذه اللغة على لسانه، ويصير نطقها أيسر وأقرب إليه من لغته الأم.
3- النظرة الفوقية لكل ما هو أجنبي ، والتطلع إلى التعامل معه أو الحرص على امتلاكه.
4- أدت سياسة العولمة، وما ترتب عليها وحرص بعض الدول العربية على تشجيع السياحة إلى:
أ- افتتاح فروع للفنادق العالمية الشهيرة في مناطق مختلفة، وكتابتها بأسمائها العالمية بالحروف الأجنبية والعربية، مع تحديد موقعها مع الاسم مثل: كويت كونتننتال- لو فاندوم إنتركونتننتال بيروت- فندق شيراتون البحرين- سونستا منتجع الشاطئ بلازا.
ب- ازدياد عدد الشركات السياحية، واتخاذ معظمها أسماء أجنبية، وكتابتها باللغات الأجنبية إلى جانب الحروف العربية على لافتاتها.
جـ- إنشاء البنوك الأجنبية المشتركة التي تحمل أسماء أجنبية إلى جانب العربية، واستثمار رأس المال الأجنبي- إلى جانب الوطني- مما شجع المستثمر الوطني على إبراز الهوية الأجنبية لشركته؛ لكى يوحي بأن منتجاتها ذات مستوى متميز.
د- حرية استيراد السلع الاستهلاكية والكماليات، إلى جانب ارتفاع دخول شريحة عريضة من المجتمع، بسبب ازدياد الدخل القومى من البترول، مما ضاعف من قدرتها الشرائية، ودفع التاجر إلى محاولة إظهار تميز سلعته الأجنبية عن طريق لافتته.
المشكلة إذن اجتماعية تحتاج الى تشريع؛ فنسيان الذات خطر كبير يحدق بنا، وتعميق الانتماء والولاء الوطني واجب قومي. إن الوعي بالهوية القومية والعربية هو طوق النجاة الذي يعصمنا من الانجراف في مهاوي التبعية، ويحمينا من الانقياد الذليل وراء العولمة ؛ فالعولمة واقع حي ، وتأثيرها على النشاط الإنساني والبشري بعيد المدى، ومن هنا يجب ألا ندخر جهداً في التخلص من سلبيات العولمة التي تؤثر في الوطنية والهوية، وأن نعمل على إذكاء الشعور الوطني ، وأن نحافظ على لغتنا بكل الوسائل والسبل؛ حتى نحتفظ بكياننا أمام هذا التيار، ونحافظ على ثقافاتنا المحلية إزاءه؛ لكي لا نذوب فيه، وتضيع مقومات شخصيتنا، ونصبح صورا باهتة ممسوخة لا حياة فيها.
والعولمة ليست موجهة نحو المال والاستهلاك فحسب؛ إذ هي غزو ثقافي متكامل، لأنها موجهة إلى فكر الإنسان ولغته وثقافته، بفضل حيازتها معرفة منظمة، ووسائل فاعلة لنشر هذه المعرفة.
ولا ننسى أن الوعي بالهوية والقومية دفع فرنسا إلى تنقية لغتها مما أصابها من مفردات الانجليزية: فقانون حماية اللغة الفرنسية الذي أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1994م نص على "حظر انعقاد المؤتمرات العلمية التي تتخذ الإنجليزية لغة للتداول". كما تدخَّل برلمانها لحماية اللغة حين وضع قائمة سوداء من الكلمات التي يحظر استخدامها في الإعلانات والمدارس والحكومة والمؤسسات، كما رسمت فرنسا سياسة لغوية لجأت فيها إلى سن القوانين بما يحفظ للأمة مظهر حياتها العقلية؛ فاستطاعت الحفاظ على اللغة الفرنسية. ونلحظ أن الانجليزية البريطانية تحرص على تنقية نفسها مما يصيبها من الانجليزية الأمريكية. كما أن اللغة العبرية الحديثة لم تحقق ما حققته من مكانة لتصبح اللغة الوطنية لدولة إسرائيل إلا نتيجة لتنامي الشعور الوطني والإرادة الجماعية لليهود.
المصدر: لافتات الشارع التجاري في المشرق العربي بين العربية والتغريب، بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته التاسعة والسبعين.
إعداد: مصطفى يوسف