مراجعات في التصحيح اللغوي
د. خالد بن إبراهيم النملة
المقدِّمة:
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبه وتابِعيه أجمعين إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإنَّ في واقعِ التَّصحيح اللغوي اليومَ أمورًا كثيرةً تدعو إلى إعادة النظر والتأمُّل فيه، ومراجعتِه من قِبَل أهل اللغة والمختصِّين بها، من أظهَر تلك الأمور أمران:
أحدهما: أنَّ ما يَصدُر ويُنشَر اليوم من كتبٍ أو مَقالاتٍ صحفيَّة في مجال التَّصحيح اللغويِّ يحوي بعضَ الفتاوى اللغويَّة التي تُخطِّئُ الصحيحَ، وتُغلِّط الفصيحَ، وتردُّ الصوابَ بتُهمة الخطأ، وهذا التغليط والردُّ للفصيح الصحيح يَعُود إلى أسبابٍ، من أبرزها وجودُ بعض الثغرات العلميَّة في منهج التغليط والتصويب في تلك الكتب أو المقالات.
والأمر الآخر: أنَّ مجالَ الفتوى في التَّصحيح اللغويِّ غدَا اليومَ كالحِمَى المُستَباح، فصار غيرُ المختصِّ في هذا المجال أجرأَ على الفتوى اللغويَّة أو على نقلها، وبالتحديد فتوى المنع والتغليط - من المختص؛ ممَّا أوجَد ظاهرةً هي أشبه بظاهرة الفوضى في الفتوى اللغويَّة.
من هنا جاءت فكرة هذه الدِّراسة المختَصَرة لمراجعةٍ سريعةٍ لواقع التَّصحيح اللغويِّ، ومحاولةِ الوقوف على أبرز الثَّغرات العلميَّة في منهج التَّصحيح، مع دراسةٍ تطبيقيَّةٍ لبعض المسائل المُغلَّطة في كتب التَّصحيح.
وقد اقتَضَى هدفُ الدراسة أنْ تكون بعد هذه المقدمة في قسمين يمهِّد أولهما لآخِرهما من خلال الحديث المُوجَز عن حركة التَّصحيح، وما صاحَبَها من حركة نقديَّة، ثم عرْض أبرز ما في حركة التَّصحيح من ملامِح المنْع والتغليظ العَجِل أو المتشدِّد، مع محاولةٍ للنظر في أسباب ذلك الاتِّجاه المتعجِّل أو المتشدِّد.
أمَّا القسم الآخَر فهو القسم التطبيقيُّ الذي أُعِيد فيه النظر في سبعِ مسائل مُغلَّطة في بعض كتب التَّصحيح اللغويِّ، وهي في الحقيقة وبعد البحث والمراجعة استعمالاتٌ صحيحةٌ فصيحةٌ، لها ما يعضِّد صحَّتَها من السَّماعِ أو من آراءِ النحويِّين ممَّا لم يقف عليه المانعون.
وقد جاءت هذه المسائل التطبيقيَّة متنوِّعة من حيث جهة النظر إلى وجه التغليظ فيها؛ فمنها ما وجه التغليظ فيه من جهة التركيب؛ مثل: دخول "قد" على المضارع المنفي في نحو: قد لا أحضر الاجتماع غدًا، ومنها ما هو من جهة التأنيث والتذكير، مثل: تأنيث "أي" الاستفهامية أو غيرها في نحو: على أيَّة راحلة سافرتَ؟ ومنها ما هو من جهة الدلالة الزمنية؛ مثل: استعمال "أبدًا" في تأكيد نفي الماضي في نحو: ما رأيته أبدًا، أو وقوع الفعل الماضي خبرًا للحرف الناسخ "لعل" في نحو: : لعلَّه أنهى قراءة الكتاب، ومنها ما هو من جهة نوع حرف النفي؛ مثل: نفي الفعل الماضي بالحرف "لا" أو "ما" في نحو: لا زالت أو ما زالت المشكلة قائمة، أو من جهة تعدية الفعل بنفسه أو بحرف الجر، مثل: تعدية الفعل "شكا" بحرف الجر "من" في نحو: شكوت من ضِيق الوقت.
وجاءَ هذا التنوُّع في المسائل المدروسة مقصودًا؛ لتكون كلُّ مسألة منها مثالاً لما يشبهُها من المسائل المغلَّطة المبثوثة في كتب التَّصحيح اللغويِّ الحديث أو المقالات الصحفيَّة فيه.
ويُشار هنا إلى أنَّ مُسَوَّدة هذه الدِّراسة حَوَتْ مسائل أخرى كثيرة ممَّا يُغلَّط هنا أو هناك غيرَ هذه المسائلِ المثبتةِ في الدراسة، ولكنَّ الرغبةَ في ضغط صفحات البحث واختصاره دفَعَت إلى تحويل جزءٍ من المسائل الباقِيَة إلى القسم الأوَّل من هذه الدراسة لتضاف إلى ما فيه من أمثلة تُذكَر في سياقها دون تفصيل، وإلى الاستِغناء عن الجزء الآخَر منها؛ لأنَّ المقصود هو إظهار فكرة المراجعة ثم التطبيق عليها، وليس حصر جميع المسائل المغلَّطَة في كتب التَّصحيح اللغوي.
وقد استُحسِن في هذه الدراسة استعمالُ: "غَلَّطَ" و"التغليط"، دون "خَطَّأ" و"التخطِئة" أو "التخطيء" التي تُرادِفها في المعنى العام؛ لأنَّ في بعض كتب اللغة[2] إشاراتٍ إلى أنَّ مصطلح "الغَلَط" يَمتاز عن غيره ببعض المعاني الدقيقة المُناسِبة لموضوع الدِّراسة؛ ومنها: أنَّ الغَلَط يقع من غير تعمُّد، وأنَّه يُستَعمل كثيرًا في الخطأ في المنطق والحديث، وأنَّه وضعُ الشيء في غير موضعه، ويجوز أن يكون صوابًا في نفسه.
ويجدر التنبيهُ هنا إلى أنَّ هذه الدراسةَ بقسمَيْها لا تتغيَّا انتقاصَ أصحاب الجهود العلميَّة في التَّصحيح اللغوي، ولا الحطَّ من قدرهم، أو وضعَ جميع جهودهم المباركة في دائرة من التُّهمة أو التَّشكيك، بل إنَّ جهودهم - بصدقٍ - مشكورةٌ، وآثارها - بحقٍّ - مذكورةٌ، ولكنَّه السعي نحو التكامُل المشترك، والدعوة إلى خدمة اللغة العربية على بصيرة.
كما أنَّها لا تقصد تسويغَ اللحن، أو المناداة بهجْر الفُصحَى أو بتَروِيح الغلط بإلباسه لبوس الصواب تكلُّفًا وتمسُّكًا بأيِّ وجه أو أيِّ شاهد؛ لأنَّ في هذا المسلك المندفع في التساهُل إضرارًا باللغة أكبر من إضرار المسلك المتشدِّد بها، ولأنَّ ذلك سيؤدِّي إلى تعميم الفوضى في الفتوى اللغويَّة، ولكنَّها دعوةٌ للمتعجِّلين في التغليظ من اللغويين وغيرهم أن يتمهَّلوا قليلاً، وأن يتأمَّلوا المسألة ويقلِّبوا النَّظَر فيها مستَفِيدين من أدوات البحث الحديثة في التحقُّق والنظر قبل إصدار الفتوى بمنع ما لا يصحُّ منعه، أو الحكم عليه بعدم سماع مثله، أو بندرة السماع.
أسأَل الله - تعالى - أنْ يَنفَع بهذه الكلمات، وألاَّ يحرمَ كاتبها الثواب إذا فاته الصواب.
القسم الأول: مُراجعات في منهج التَّصحيح اللغويِّ:
نشَأ النحو العربي قديمًا لتحقيق عددٍ من الغايات النبيلة، من أبرزها: محاربةُ اللحن ومحاصرةُ صُوَر الانحِراف اللغويِّ، والمحافظةُ على سلامة اللغة من التغيير.
ومنذ النشأة الأولى للنحو العربي وحركةُ التَّصحيح اللغويِّ تسيرُ معه جنبًا إلى جنب عبر امتداد الزمن، تتَّفِق معه في الهدف؛ وهو: معالجة داء اللحن، والتنبيه والتحذير من الانحِراف اللغوي، وتختَلِف عنه في المسلك؛ لأنها تتَّخذ من رصْد الخطأ وتسجيل المخالَفة سبيلاً لمعرفة الصواب، وتتوازَن معه في القوَّة والضَّعف، فتضعُف الحركة إذا قَوِيَ واقعُه، وتقوى إذا ضَعُفَ.
والمتأمِّل في كتُب التراث اللغوي يلحَظ هذه الصُّحْبَةَ القديمة بين الدرس النحوي وحركة التَّصحيح اللغويِّ، ويجد أنَّ "الكتاب"؛ لسيبويه صَحِبَه كتابُ "ما تلحن فيه العوام"؛ المنسوب إلى الكسائي، وأنَّ "المقتضب"؛ للمبرد سبقَتْه كتبُ: "لحن العامة"؛ للفرَّاء، ولأبي عبيدة، وللأصمعي، وللباهلي، وللمازني، ولأبي حاتم السجستاني، كما سبَقَه كتابُ "إصلاح المنطق"؛ لابن السِّكِّيت، وكتابُ "أدب الكاتب"؛ لابن قتيبة، و"الفصيحُ"؛ لثعلب[3].
بل إنَّ في تراثنا اللغويِّ التَّصحيحي كُتبًا تخصَّصت في التنبيه على أغلاطٍ لغويَّة خاصَّة بفئةٍ علميَّة واحدة؛ كالقُرَّاء والمحدِّثين، والفقهاء والشعراء، وغيرهم، ومثل ذلك التنبيهات الخاصَّة بكتاب محدَّد أو بكاتب معيَّن[4].
كما أنَّ المجالس العلميَّة للُّغويين الأوائِل حَوَتْ كثيرًا من مناقشات التَّصحيح والتغليط، ومدارسات الغلَط والصواب، والمطَّلع مثلاً على "مجالس العلماء"؛ لأبي القاسم الزجاجي يجدُ مَظاهِر حركة التَّصحيح واضحةً عندهم، منذ زمن أساتذة سيبويه، كما أنَّ المتصفِّح في كتُب المجالس يلحَظ الحرصَ الشديد على التَّصحيح عند العُلَماء الأوائل، والإنكار القوي على الغالط منها[5].
وما من ريبٍ في أنَّ لهذه الحركة التَّصحيحيَّة آثارًا طيِّبة وثمارًا نافعة في تحقيق الغاية المشتركة القديمة المتجدِّدة؛ وهي: المحافظةُ على سلامة اللغة، وتنقيتُها من شوائب الخطأ واللحن، وتبصيرُ العامَّة والخاصَّة بمواطن الخلَل، غيرَ أنَّ فئةً من أصحاب تلك الجهود في القديم والحديث تعجَّلت أو تشدَّدت فغلَّطَ بعضُ رجالها الاستعمالَ الفصيح؛ رغبةً في استعمال الأفصَح، وعابُوا القليل الصحيح لأجل فرض الكثير قسرًا، وردُّوا ما لا يصلُح ردُّه من الصِّيَغ أو التراكيب، وفي هذا يقول ابن هشامٍ اللخمي[6]: "وقد غَلَّط العامَّةَ جماعةٌ من اللغويين المتقدِّمين في استعمالهم الأضعف وتركهم الأقوى".
وفي هذا الاتِّجاه - أعني: الاتِّجاه المتعجِّل أو المتشدِّد في التَّصحيح اللغوي - بالرغم من حُسن مقاصده - فيه ضَرر على اللُّغة من جانبٍ آخر؛ وهو جانب تغليط الصحيح وتضييقِ الساحة اللغوية الواسعة سعةً تستَعصِي على الإحاطة الكاملة، وتتأبَّى على التقعيد الدقيق الكامل في أصواتها ومفرداتها، واشتقاقاتها وتراكيبها، وإعرابها ودلالات ألفاظها، مع ما يتركه من نفرةٍ في النُّفوس من اللغة الفصيحة، وإضعافٍ في السعي إلى تحويلها إلى واقعٍ عملي؛ ولهذا حذَّر العلماء المحقِّقون من هذا الاتِّجاه، فقال ابن جني مثلاً[7]: "ليس ينبَغِي أن يُطلَق على شيءٍ له وجهٌ من العربيَّة قائم وإن كان غيره أقوى منه - أنَّه غلط".
وليس هذا الاتِّجاه المتعجِّل أو المتشدِّد جديدًا على البيئة اللغويَّة، بل هو قديم قِدَمَ حركة التَّصحيح؛ ولذلك ظهرت الجهود العلميَّة المبكِّرة في الاتِّجاه المعتَدِل الذي يتغيَّا مراجعة الاتِّجاه المتعجِّل أو المتشدِّد، والتنبيه على أغلاط بعض المصحِّحين اللغويِّين، وتتابَعت الأعمال في مراجعة كتب التَّصحيح اللغوي، ونقد مناهجها في التَّصحيح، وفي ذلك يقول الطناحي[8]: "على أنَّ هذه الجهود التي بُذِلت في التنقية اللغويَّة وتصحيح اللسان العربي قد تعرَّضت في القديم والحديث لحركةٍ نقديَّة واسعة، تبعًا لمقياس الصواب اللغوي، وعلى أيِّ صورة يكون".
والأمثلة الثلاثة الآتية توضِّح جزءًا من العناية والتتابع التاريخي في مراجعة حركة التَّصحيح اللغوي:
المثال الأول: ما تضمَّنته تنبيهات علي بن حمزة البصري (ت 375هـ) في كتابه "التنبيهات على أغاليط الرُّواة في كتب اللغة المصنفات" من مراجعات لبعض آراءِ علماء لغويين كانوا من الروَّاد الأوائل لحركة التَّصحيح، كمراجعته الأصمعيَ وأبا عبيدٍ القاسمَ بن سلاَّم في ردِّهما قولَهم: زوجةُ الرجل (بالتاء)[9]، وكمراجعته ابنَ السكيت في منعِه قولَهم: ماء مالِح[10]، والمبرد في تخطيئه جمعَ الحاجة على حوائج[11].
والبصري في هذه المراجعات وغيرها يُورِد المسألة المُغلَّطة، ثمّ يُثبِت بالدليل صحَّتَها وصوابَها، مُصرِّحًا بأنَّ وجه الصواب فيها قد فات على مَن غلَّطَها.
وإذا كانت المراجعة لحركة التَّصحيح اللغوي شملت التنبيهَ على أغاليط هؤلاء العُلَماء الكِبار، فأَنْ تمتدَّ إلى أغاليط غيرهم من رجال حركة التَّصحيح اللغوي من العُلَماء القُدامَى والباحثين المحدَثين من أهل الاختصاص من باب أَوْلَى.
أمَّا غيرُ أهل الاختصاص ممَّن اجتَهَد في إصدار معجمٍ أو قائمةٍ بالأخطاء اللغويَّة الشائعة، أو في متابعة الناس بتصحيح ما يظهر له منهم أنَّه خطأ لُغوي، متعجِّلاً في النقل عن غيره، ومتأثِّرًا بتصويبٍ سَمِعَه من هنا أو هناك، فالأَوْلَى أنْ يكون أكثر تمهُّلاً، وأن يعلم أن التغليظ والتصويب لا يمكن الجزم بهما إلا بعد نظَر طويل، وتأمُّل عميق، وبحث دقيق، ربما لا يملك غير المختص (وإن كان حسن النيَّة شديد الغيرة على اللغة) من أدوات البحث اللغوي ما يبلغه الأهلية لذلك.
وقديمًا قال ابن جني[12]:
"إنَّ صاحب اللغة إنْ لم يكن له نَظَر أحالَ كثيرًا منها، وهو يرى أنَّه على صواب، ولم يُؤتَ من أمانته، وإنما أُتِي من معرفته، فحسن النيَّة وصدق الانتماء والولاء للغة مع الغيرة عليها والحرص الشديد على خدمتها وتنقيتها، كلُّ ذلك لا يَكفِي في منْح المرء الإذنَ بالفتوى اللغوية التَّصحيحية، بل الأمر يحتاج إلى معرفة ونظر ودراسة وتأمُّل.
والمثال الثاني: ما تضمَّنه كتاب "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان"؛ لابن هشام اللخمي (ت577هـ) من مراجعات في القسم الأوَّل من الكتاب لبعض المسائل المغلَّطة عند الزبيدي في كتابه "لحن العامة"، وفي القسم الثاني لبعض المسائل المغلَّطة عند ابن مكي الصقلي في كتابه "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان".
في مقدمة "المدخل" يقول ابن هشام[13]: "وألَّف الزبيدي - رحمه الله - في لحن عامَّة زمانِه، وما تكلَّمَتْ به في أوانه، فتعسَّف عليهم في بعض الألفاظ، وأنحى عليهم بالإغلاط، وخطَّأهم فيما استُعمِل فيه وجهان، وللعرب فيه لغتان، فأوردتُ في هذا الكتاب جميعَ ذلك، وما تعسف عليهم هنالك، وبيَّنت ما وقَع في كلامه من السهو والغلط، والتعنُّت والشطط. وأردَفتُه بذكر أوهام ابن مكي في كتابه المسمى بـ"تثقيف اللسان وتلقيح الجنان"، وابتَدَأت بالردِّ عليهما فيما أنكراه، وأضَفتُ إلى ذلك كثيرًا ممَّا لم يذكراه.
والمثال الثالث: أنَّ ابنَ الحنبلي (ت 971هـ) مؤلفَ أحدِ كتبِ التَّصحيح اللغوي، وهو كتاب "سَهْم الألحاظ في وَهْم الألفاظ" وضَع تأليفًا سمَّاه: "بحر العوام فيما أصاب به العوام" ذكر في مقدمته[14] أنَّه قد عَنَّ له أنْ يضع تأليفًا "مشتَمِلاً على ما يعتَقِد الجاهل أو الناسي أنَّه من أغلاط العوام، وليس في شيءٍ من الغَلَط، ولا هو في نفس الأمر من ذلك النَّمَط، وفي هذا الكتاب ذكَر ابن الحنبلي أبنية وتراكيب يستَعمِلها الناس في وقته في الشام، وبعض الغيورِين على العربيَّة من أصحاب حركة التَّصحيح اللغوي آنذاك يعدُّونها من الأغلاط واللحن، وهي صحيحة فصيحة.
وفي عصرنا الحديث تتجدَّد باتِّساعٍ حركةُ التَّصحيح اللغويِّ؛ نظرًا لاتِّساع دائرة الخطأ المُصاحِب للضعف، أو الاستِخفاف اللغويّ الشديد الذي فشا في البيئات العلميَّة والثقافيَّة، العالِيَة وما دونها، ويَكثُر مع هذه الحركة التَّصحيحيَّة الحديثة الإنتاجُ اللغوي التَّصحيحي الذي يُنشَر للناس باستمرار من خلال الكتب المطبوعة، أو سلاسل المقالات في الصحف اليوميَّة والمجلاَّت العلميَّة أو العامَّة، أو البرامج الإذاعيَّة أو المصوَّرة.
وقد ظهرت في أثناء غزارة هذا الإنتاجِ التَّصحيحي الحديثِ المبارَكِ بعضُ ملامحِ التغليط العَجِل أو المتشدِّد، بحيثُ غدَا بعضُ التَّصحيح في زماننا مشكلةً تتطلَّب حلاًّ، وغلطًا يحتاج إلى تصويبٍ وتعديل؛ وذلك لوجود ثَغرات علميَّة مكرورة في مناهج أولئك المصحِّحين في القديم وفي الحديث أدَّت إلى تغليط الصحيح، ومن أبرز تلك الثغرات: