الشمقمقية : شرح مختصر من شرح الشيخ الحسني ( 12)
نواصل اختصارنا لشرح الشيخ عبد الله كنون الحسني - رحم الله والديّ ورحمه - لأرجوزة (الشمقمقية) يقول الناظم مواصلا نصحه :
124 – واعدُ على رجلي سليك هاربا *** من قرب كل خُنْبُق وسَهْوَق
( العدو : الجري. وقوله على رجلي سليك أي على مثلهما،أي اجر جري سليك هربا من قرب الخنبق : وهو البخيل. والسهوق : وهو الكذاب. سليك : هو ابن السلكة،أحد العدائين العرب.)
125 – وكن نديم الفرقدين تنجُ من *** مُنغص ومن طُروّ الرّنق
(أي كن مثل نديم الفرقدين في اعتزال الناس تنج من منغص : أي ممن يقع فيك ويثلبك . ومن طروّ أي من حدوث. الرنق : أي الكدر،من رنِق الماء بالكسر ككدر وزنا ومعنى. ونديم الفرقدين : هو جذيمة بن الأبرش،وكان قد اتخذ عدي بن نصر اللخمي نديما،وهو شاب جميل من أبناء ملوك الحيرة اللخميين،فرأته أخت جذيمة فأحبته فسألته أن يخطبها من أخيها،فتحين وقت شرابه فطلبها منه فزوجه إياها،فاشهد الحضور ومضى فدخل بها،فلما أصبح غدا عليه وهو متضمخ بالخلوق،فسأله ما هذه الآثار؟ فقال آثار عرس،فغضب جذيمة،وهرب عدي،وحلف جذيمة أن لا ينادم أحدا إلا الفرقدين،فكان يشرب كأسا ويصب لهما كأسين. والفرقدان : كوكبان يدوران على القطب الشمالي قريبا منه،ويضرب بهما المثل في طول الصحبة.)
126 – وكن كعقرب وضب مع من *** عليك قلبه امتلا بالحنق
(امتلا : تخفيف امتلأ. والحنق : الغيظ،وقد حنق عليه من باب طرب : أي لا تصارح عدوك بالعداوة،وخاتله مخاتلة العقرب والضب،والعرب تزعم أن بين العقرب والضب ألفة فهو يؤويها في جحره ولا يأكل ولدها،وهي تحرسه وتلسع من يقتحم جحره).
127 – ثُمّةَ لا تعجل وكن أبطأ من *** غراب نوح أو كفند الموسِقي
128 – مضى لنار طالبا وبعد عا *** م جابِها يسب فرط القلق
( أي وإذا ظفرت به فلا تعجل بالانتقام منه،وتأن واصبر لئلا تندم ولات ساعة مندم،فإن التأني من الرحمة،والعجلة من الشيطان. وضرب المثل في البطء بغراب نوح وفند الموسيقي. أما الغراب فهو الذي أرسله سيدنا نوح عليه السلام لينظر هل زالت المياه عن الأرض،ويأتيه بالخبر فلم يرجع،قيل أنه أبصر جيفة فوقع عليها. وأما فند فهو مولى لعائشة بن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه،كان مغنيا،وأرسلته مولاته ليأتي لها بنار فلقي عيرا خارجة إلى مصر،فخرج معها ثم رجع بعد سنة فأخذ نارا ودخل عليها وهو يعدو،فعثر بمرأى منها،وبدد الجمر،فقال : تعست العجلة. فهذا معنى قوله : مضى لنار ..إلخ. وحذف التنوين من فند الموسقي لالتقاء الساكنين،والموسقي : نسبة إلى الموسيقى بالياء وحذفها،وقصرها ضرورة. وفرط القلق : كثرته.)
129 – وخذ بثارك وكن كمن أتى *** بالجيش خلف شجر ذي ورق
( الثار : الدم المطالب به،وليس هذا مخالفا لما قبله،فغاية ما سبق الحث على التروي،ومعالجة الأمور بالرفق. وأشار الناظم إلى قصة طسم وجديس وهما من القبائل البائدة،وكان عليهما ملك من طسم ظالم غشوم،فاستذل جديسا،واستباح حرمها فثاروا به وقتلوه،واستأصلوا رجال قبيلته إلا قليلا،فهرب منهم واحد يقال له رباح بن مرة،ولجأ إلى حسان بن تبع أحد ملوك اليمن فاستنصره عليهم،فنصره ومضى بجيشه حتى إذا كان على مسافة ثلاثة أيام من منازلهم،قال أبيت اللعن،إن فهم امرأة ليس على الأرض أبصر منها،تبصر الركب على مسيرة ثلاثة أيام وإني أخاف أن تنذر القوم بك،والرأي أن تأمر رجالك فيقتلعوا أشجار الأرض فيسيروا تحتها،ففعلوا وساروا،ورأت المرأة الأشجار مقبلة فأنذرت قومها وقالت : أخاف أن يكون من ورائها بشر. فضحكوا منها،حتى صبحهم حسان وهو غارّون فأفناهم،وهذه المرأة هي زرقاء اليمامة التي تقدم ذكرها.)
130 – وانتهز الفرصة مثل بيهس *** وبالمُدى لحم العداة شرّق
(الفرصة : النوبة .. وهي اسم من تفارص القوم البئر. يقال : جاءت فرصتك من السقي : أي نوبتك. وانتهاز الفرصة : اغتنامها والمبادرة إليها. وبيهس هذا كان رجلا مغفلا مستهانا به فأغار على إخوته وكانوا ستة أناس من أشجع،فقتلوهم وتركوه لقلة غنائه،فبقي مدة ولا طمع لأمه في أخذه بثار إخوته،حتى إذا سمع مرة أن ناسا من أشجع في غار يشربون فيه،فانطلق بخال له يقال له أبو حنش حتى أقامه على فم الغار ثم دفعه فيه،فقال ضربا أبا حنش،فقال بعضهم : إن أبا حنش لبطل،فقال : مكره أخاك لا بطل،فصارت مثلا. وضرب بيهس وخاله القوم فقتلاهم ورجعا بأسلابهم. فضربت العرب المثل ببيهس في النجدة والصرامة. وقوله : وبالمدى لحم العداة شرق. المدى : جمع مدية وهي الشفرة. ولحم العداة : مفعول شرق مقدم عليه،وشرق من شرق اللحم: أي قطعه،ومنه سميت أيام التشريق الثلاثة التي بعد النحر،لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها.)
131 – وكابن قيس بهم كُن مولما *** وليمة شهيرة كالفلق
132 - يوم ملاكه بأم فروة *** عرقب كل ذات أربع لقي
( ابن قيس : هو الأشعث بن قيس الكندي،سيد كندة ورئيسها المطاع في الجاهلية والإسلام،كان ممن أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم،ثم ارتد بعد وفاته فاحتمل إلى أبي بكر،فقال : استبقني لحربك ورد عليّ زوجتي،وكان قد خطب أم فروة بنت أبي بكر في حياته صلى الله عليه وسلم،ثم تأخر العقد،فحقن أبو بكر دمه ورد عليه أهله،فخرج ودخل السوق فاخترط سيفه،ثم لم تلقه ذات أربع إلا عرقبها. ففزع الناس إلى أبي بكر فبعث إليه فقال : من كان له قبلي حق فليغد عليّ،إنا والله لو كنا ببلدنا لأولمنا،فلم تبق دار في المدينة إلا دخلها من ذلك اللحم،وضرب أهل المدينة المثل بوليمته. قوله : بهم كن مولما : الضمير يعود إلى العداة،والوليمة طعام العرس. والفلق : الصبح. والمِلاك : الزواج. وهذا من تمام ما قبله يقول : إذا أمكنتك الفرصة من أعدائك فلا تقصر في التنكيل بهم والانتقام منهم،وأولم على ذلك وليمة مثل وليمة ابن قيس.)
133 – ولا تدع وإن قدرت حيلة *** فهي أجل عسكر مُدَهْدِقِ
((المدهدق اسم فاعل من دهدقت الشيء : كسرته،وكذا دهقته : أي لا تدع الأخذ بوجوه الحيل،لا في حال عجزك فقط .. بل حتى في حال قدرتك،لأن في الحيلة بلوغ المراد مع تقريب الشقة وتقليل المشقة،وهذا من قولهم : رب حيلة أنفع من قبيلة.))
134 – إن كان في سفك دمِ العدا الشفا *** سفك دمِ البريء غير أليق
((سفك دم : إسالته. والعدا والعداة والأعداء واحد. والشفا : اسم كان مؤخر ومقصور ضرورة،وجملة سفك دم البريء جواب الشرط. وسفك : مبتدأ،وغير أليق خبره. والمراد لائق. وهذا البيت كالاستدراك على ما قبله: أي إذا أظفرك الدهر بمرادك من أعدائك،فلا يطوح بك الغرور إلى الاعتداد بقدرتك فتعتدي على البرآء وتصير إلى ما كنت تستنكره من غيرك.))
نكمل النصائح في الحلقة القادمة ... إذا أذن الله.
أبو أِشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني