شيء من اللغة..فرق ما بين الصوم والصيام (2)
د. هادي حسن حمودي
اللغة العربية لغة جميلة دقيقة لا يؤثر في جمالها ودقتها الجهلُ بها، ولا الإساءةُ إليها، برغم كل الانهيار الثقافي والحضاري الذي عانى منه العرب وما زالوا يعانون. نبدأ بأمثلة معروفة لدى جميع القراء، بمختلف مستوياتهم:
تقول: قاتل القوم قتالا شديدا. وتقول: تقاتلوا تقاتلا شديدا. ثم تعترف على نفسك بالقتل فتقول: قتلته قتلا شديدا أو ذريعا.
لكل واحدة من هذه الجمل دلالة تختلف عن غيرها وكلها من جذر واحد هو (ق. ت. ل). وكذلك اختلف الصوم عن الصيام بالرغم من أن جذر الكلمتين واحد هو (ص. و. م). وقد وردتا في التنزيل العزيز، فما الفرق بينهما؟
الجذر (ص. و. م) يدل على استواء الشّمس عند انتصاف النّهار، فيُحْدِث استواؤها من الحرارة ما يجعل الطّبيعة، بما فيها الإنسان، راكدة ركودا كأنه ركود الموت، ومن معانِي الصَّوم أيضا، ركود الرّيح. وما أدراك ما ركود الرّيح في القيظ.
نعود إلى التنزيل العزيز فنرى الصوم دالاّ على الانقطاع عن سلوك معيّن لمدة محددة. وقد ورد في آية واحدة في قصة مريم: (فكُلِي واشربي وقَرّي عينا فإمّا تَرَيِنَّ من البشَر أحدا فقولي إنِي نَذَرْتُ للرَّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا). فلها أن تأكل وتشرب وتقرّ عينُها، فلا صيام في الآية. وإنّما هو صوم عن مخاطبة النّاس، أي أن تمتنع عن جدالهم ومحاججتهم. فجاء اللّفظ دالاّ على الإمساك عن الكلام فقط. وكأنها ركدت عن الكلام.
هذا هو الصَّوم، الامتناع عن سلوك محدد لفترة محددة. أما الصِّيام فأوسع دلالة من الصَّوم، وكل زيادة في اللفظ تتبعها زيادة في المعنى، حسب كتاب الخصائص. هنا زيادة في التشديد بالتزام قواعد وشروط محددة. ومن الواضح أنّ النّاس، كانوا وما زالوا، يخلطون بين مفهومَي الصَّوم والصِّيام. وبسبب هذا الخلط وضع النّاس الصوم مكان الصيام، بل انّ اللغويين القدماء جعلوا هذا بمعنَى ذاك، وذاك بمعنَى هذا. وتابعهم مَنْ جاء بعدهم. ونرى أنّه نتيجة لذلك، وقع في رواية الحديث النّبويّ شيء منه.
ولو كانتا بمعنَى واحد لصارتا لفظا واحدا ولَما تحوّلتا إلى لفظتين. ولا شَكّ في أنّ الصّيام يتضمّن معنَى الإمساك، ولكنّه إمساكٌ عامّ شامل عن كل ما يندرج تحت لفظ الشّرّ والمنكر. فالصيامُ، في القرآن الكريم، تَرْكُ الشّرّ كلّه، والأخذ بالخير كلّه مع الالتزام بتجنب المفطرات المحددة في نهاراته. وأُبيح لك في لياليه ما منع عنك في نهاراته، على أن تكون تلك الليالي امتدادا للنهارات، فليس من المعقول أن تصوم نهارا، وحين يأتي الليل لا تتوانى عن ارتكاب الجرائم والعدوان مثلا.
وقد يقال إنّ الالتزام بالخير كلّه ليس من شروط الصيام، لأنّ المفروض أن يلتزم المرء بالخير كلّه في جميع الأيّام، لذا فانّ الصيام هو الإمساك عن المفطّرات المعروفة فقط!
فأقول: إنّ الإمساك عن المفطرات هو الصوم الذي هو، بدوره، جزء من الصيام بموجب الدلالة اللغوية القرآنية. وإذا كان من المفروض على المرء أن يتمسّك بصفات الخير والمعروف في جميع أشهر السّنة، فهو صائم عن الشّرّ حقّاً وحقيقة، فاذا ازدوج ذلك بالإمساك عن الطعام والشّراب وسائر ما مُنِعَه الإنسان في نهارات رمضان، تحقّق الصيام كاملا. ولكنّ الإمساك عن المفطّرات وحدها لا يكفي ليُضفي على لفظة الصوم معنَى لفظة الصيام. فغاية الصيام التقوى (يا أيّها الذين آمنوا كُتبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون) فلا تقوى إذا كنت تجوع وتعطش نهارا وترتكب الجرائم ليلا، أو بعد انتهاء شهر الصيام.
ومن البديهي أن لك أن تقول: صوم رمضان، وسنفهم عنك ما تقول. ولكن المستوى الأعلى من الفصاحة أن تقول: صيام رمضان لتلتفت إلى غايته، بحكم لغة التنزيل العزيز.
المصدر