لطيفة لغوية قرآنية:
الفرق الدلالي بين(الريح)و(الرياح):
وُحِّدَ لفظ(الريح)في القرآن مع العذاب نحو قوله تعالى:{ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}[الأحقاف:6]، وجاء(الرياح) بصيغة الجمع في آيات الرحمة نحو قوله سبحانه:{ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } [الروم : 46]، وعلة ذلك أن ((ريح العذاب شديدةٌ ملتئمةُ الأجزاءِ كأنها جسمٌ واحدٌ ، وريح الرحمة ليِّنةٌ مُتقطِّعةٌ فلذلك هي رياحٌ))[تفسير القرطبي:2/204] فمجيء ريح العذاب بصيغة الإفراد؛ لأنها تأتي من وجهٍ واحدٍ ، لا يقوم لها شيءٌ ، ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أُمِرتْ ، فلا يردُّها رادٌّ ، ولا يصدُّها صادٌّ حتى يشاء الله لها أن تنتهي فتنتهي ؛ أما رياح الرحمة فجُمعت ؛لأنها مختلفة الصفات والمهاب والمنافع ، فإذا هاجت منها ريحٌ أُنشِئَ لها ما يقابلها فيَكسِر شِدَّتَها وحِدَّتَها ، فينشأ من بينهما ريحٌ طيبةٌ لطيفةٌ نافعةٌ. وقد أُفردت مع دلالتها على الرحمة ، في قوله سبحانه :{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا}[يونس:22] ، فكان التوحيد هاهنا مع دلالة الرحمة؛ ((لأن تمام الرحمة هنا إنما تحصل بوحدة الريح ، لا اختلافها؛ فإن السفينة لا تسير إلا بريحٍ واحدةٍ من وجهٍ واحدٍ سَيْرُها ، فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك ، فالمطلوب هنا ريحٌ واحدةٌ لا رياحٌ ؛ وأكَّد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعاً لتوهُّم أن تكون ريحًا عاصفةً ، بل هي مما يُفرَح بها لطيبها))[بدائع الفوائد:1/94] .