تدريس اللغة العربية في البلدان غير الناطقة بها
أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة
عتبات الموضوع
لَقَدْ بدأ الاهتمامُ بتدريس اللغة العربية في البلدان الغربية زمن ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس ، حيث كانت فرنسا بمعية مجموعة من الدول الأوروبية الأخرى تسهر آنذاك على تعيين المعلمين المتميزين لتدريس علوم اللغة العربية وفنونها المشهورة ، كالفلسفة ، والفيزياء ، والرياضيات ، والموسيقى وغيرها ، وهو ما جعل عدة مدارس مشهورة كمدرسة قرطبة تستقبل أعدادا هائلة من الطلبة القادمين من الغرب والشرق .
لِذَلِكَ ، فإنَّ سكان عدة بقاع وأصقاع غربية قد أقبلوا على تعلم اللغة العربية ومعرفة خصائصها وأسرارها ، كما تم إنشاء جامعات ومعاهد وأقسام ومنظمات ومجالس متخصصة ، وتكوين أساتذة وباحثين ، فارتفع عدد الطلبة والمتخصصين والمهتمين بهذا اللسان القرآني المعجز .
تدريس اللغة العربية في فرنسا
شُرِعَ في تدريس اللغة العربية بفرنسا إبان ق16 م ؛ على عهد الملك ( فرنسوا الأول ) ، ثم تابع بعض المستشرقين هذا العمل مثل ( شارل بلا ) وغيره ، حيث اهتموا بكتاب كليلة ودمنة ، وكتب الجاحظ ورسائله ، وحكايات ألف ليلة وليلة وغيرها ...
اِرْتَبَطَ استقرار المسلمين في الغرب ، وولادة الجيل الثاني والثالث من أبنائهم ، ودخول الآلاف من الغربيين في الإسلام بتزايد عدد مدارس تعليم اللغة العربية ، فبدأ العالم الغربي يهتم بالحضارة العربية الإسلامية التي أصبحت أحد مكونات شخصية الآلاف من مواطنيه ...
لِذَلِكَ ، فإن وزارة التربية والتعليم في فرنسا قد قررت في هذا الصدد يوم الثلاثاء 31مايو إدماج مادة اللغة العربية في مناهجها انطلاقا من العام المقبل 2017 م ، وهو ما سيمكن التلاميذ الفرنسيين من اختيارها كلغة أجنبية ، وقد ذكرت وزيرة التعليم أن تدريس اللغة العربية سيدمجها داخل المنظومة التربوية والتعليمية الفرنسية ، كما سيتمّ تقويم عمل الأساتذة مثل زملائهم المتخصصين في اللغات الأخرى ، وسيشاركون في دورات تدريبية ، يطبق فيها برنامج تربوي محدد ، يسهر عليه متخصّصون محنكون .
يَقُومُ هذا البرنامج التربوي الفرنسي بتوفير كتب منهجية متخصصة ، وأجهزة رقمية علمية تساعد التلاميذ على تعلم اللغة العربية ، علاوة على تكوين المعلمين حسب الطرائق التربوية الأوروبية واستراتيجيات الدريس الحديثة .
يُشَكِّلُ هذ البرنامج خطوة فعالة جداً ، لأنها تمنح اللغة العربية مكانتها الحقيقية في فرنسا بعد إهمال طال أمده ، كما أنها تلبي رغبة أبناء الجاليات العربية وأبناء الفرنسيين في تعلم اللغة العربية . أكد ذلك تقرير المعهد الفرنسي للاندماج عام 2015 م في هذا الصدد أن نحو 57ألف تلميذ يدرسون اللغة العربية على يد 680 معلما ينتمون إلى الجزائر والمغرب وتونس ، وذلك ضمن برنامج تعلم لغات البلد _ الأصل لعام 2012 م .
يَهْتَمُّ معهد الدراسات الشرقية والعربية الموجود بأكبر الجامعات الفرنسية بتدريس اللغة العربية ، إذ نجد ما يقارب مائتي لغة شرقية . تنتشر أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات والكليات العريقة ، ككليات العلوم الإنسانية التابعة لجامعة ( باريس السربون ) ، و جامعات ( باريس الثامنة ، وليل ، وأكس أون بروفانس ) ، ومعهد العالم العربي ، والمدارس العربية التي أسستها بعض الدول العربية ، وألحقتها بسفارات بلدانها الموجودة فوق التراب الفرنسي ، كما تعددت المعاهد الخاصة والجمعيات والمساجد ، وهو ما يفسر شدة الإقبال على هذه اللغة من مختلف الأجيال العربية والمسلمة التي ولدت في البلدان الغربية ، بل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى الغربيين أنفسهم الذين أقبلوا على تعلم اللغة العربية التي أصبحت اللغة الثانية المتحدث بها في باريس وضواحيها.
تُشَكِّلُ اللغة العربية ظاهرة فريدة في المجتمعات الغربية ، خاصة على مستوى وسائل الإعلام ، ومراكز البحوث والدراسات ، والجامعات ، إذ تمَّ إنجاز أعمال جامعية متنوعة في هذا الميدان ، مثلما نجد في قسم علوم التربية التابع لجامعة ( باريس الثامنة ) .
يَذْكُرُ ( Hitti,P.K ) في كتابه القيم ( تاريخ العرب ) ، الصادر في لندن عام 1914 م أن اللغة العربية تعد أول تسع لغات تتفرد بطاقتها البيانية ، وقدرتها على اختراق مستويات الفهم والإدراك ، ونفادها إلى المشاعر والأحاسيس ، تاركة أعمق الأثر فيها ، وفي هذا الصدد فليس لهذه اللغة إلا أن تقارن بالموسيقى ...
لَقَدْ دفع هذا الاهتمام الغربي المتزايد باللغة العربية المخرج السينمائي الفرنسي ( ميشال أوسلو ) إلى استغلال مساحة كبيرة في فيلمه ( أزور وأسمر ) للحديث باللغة العربية ، ولم يعرض أية ترجمة للحديث العربي ، وكأنه يدعو الفرنسيين بطريقة غير مباشرة إلى فهم العربية وتعلمها لمعرفة حضارة وإسهامات أهلها في إثراء الحضارة الإنسانية... يظهر الاهتمام نفسه في الكتب المدرسية والعلمية المتنوعة التي وضعها مستشرقون غربيون عن اللغة العربية منذ القدم .
تدريس اللغة العربية في ألمانيا
يُؤَكِّدُ البروفيسور ( توماس شتروهوته ) أن تعميم تدريس اللغة العربية بالنسبة لجميع تلاميذ المدارس الألمانية قد أصبح إلزاميا من السنة الأولى حتى الثانوية العامة ، وأوضح من خلال مقال نشره بصحيفة ( دي تسايت ) الأسبوعية أنه يدعو المجتمع المحلي للاعتراف بالحقوق المتساوية بين العربية والألمانية باعتبارهما لغتين إلزاميتين للتدريس بالمدارس الألمانية . فالتلاميذ القادمون من الشرق الأوسط يتعلمون اللغة الألمانية ، ويتم تدريس العربية لكل التلاميذ الألمان .
يَرَى هذا الباحث الأكاديمي البارز في الإعلاميات أن تعليم اللغة العربية سيساعد التلاميذ اللاجئين بالإضافة إلى تخصصهم الرئيسي في الألمانية على اندماجهم في النظام التعليمي الألماني ، كما أنه سيمنح التلاميذ الألمان مدخلا مهما لمعرفة الثقافة العربية ، ويحقق الاعتراف بألمانيا دولة للهجرة ومجتمعا متعدد اللغات.
يَتِمُّ بلوغ هذا الهدف عن طريق المساواة بين اللغة العربية واللغة الألمانية ، وهو ما سيجعل التلاميذ الألمان يحيطون علما بالتغيرات والتطورات ، والثقافة الرائجة في العالم العربي .
يَذْكُرُ ( شتروهوته ) في نهاية مقاله أنَّ الألمان سيقدمون أنفسهم من خلال هذه الخطوة شريكا اقتصاديا وثقافيا وسياسيا يكون مؤهلا لمواكبة التحولات المستقبلية في البلدان العربية.
أَصَرَّ ( كريستيان فيسينهوتر) ؛ نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة الألمانية
عام 2013 م على ضرورة الاعتراف بأن العربية تمثل لغة عالمية ، نظرا لما تتطلبه دولة ألمانيا من مواكبة لواقع تنامي علاقاتها الاقتصادية مع العالم العربي ، والاهتمام بتعليم العربية في مدارسها .
يُوجَدُ في ألمانيا معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية ، التابع لجامعة فرانكفورت الذي سعت من خلاله العالمة زيجريد هونكه للتعريف بالحضارة العربية والإسلامية في مؤلفها المشهور (شمس الله تسطع على الغرب) ، كما قامت المستشرقة الكبيرة أنيماري شميل بتجسيد التقارب القائم بين الثقافتين الإسلامية والغربية.
لاَ تَقْتَصِرُ المناهج الموجودة في المؤسسات التربوية الألمانية على تدريس اللغة العربية وقواعدها ، لكنها تعالج أيضا أبواب الحضارة العربية والإسلامية لتقديم صورة متكاملة للطلاب عن الثقافة في العالم العربي ، سواء بعرض دروس تتعلّق بتاريخ المنطقة العربية وأعلامها في الثقافة والفكر والأدب ، أو إظهار تفاعل العرب مع باقي الحضارات العالمية ، كاستعراض نصوص عن تجربة العرب في الأندلس ، أو قصة صلاح الدين الأيوبي ، أو مواضيع أخرى تتعلق بالمهاجرين العرب الذين يعيشون حاليا في المجتمعات الأوروبية . إنها مناهج تربوية فعالة تقدم للطلبة صورة شاملة عن العالم العربي وثقافته ، متجاوزة حدود تعلم اللغة وقواعدها ...
لاَ يَتَوَقَّفُ أستاذ اللغة العربية في ألمانيا عند تدريس القواعد فقط ، وإنما يعالج أيضا مواضيع أخرى تتعلق بتاريخ الحضارة العربية والإسلامية ، حيث يعرض المعلومات من منظور علماني بعيد عن التعصّب ، أو دعوة للتديّن ، أو الحض على تمييز الديانة الإسلامية عن الديانات الأخرى ، وهو ما يجعل دارس العربية يتعلم أن جذوره تنتمي حضارة وقيم ، وإنجازات لا يستهان بها . وهذا ما يساعد أبناء المهاجرين على تشكيل هويتهم المزدوجة ، والفخر بثرائها .
لَقَدْ تمَّ في هذا الصدد عرض إحصائية رسمية عام 2010 م قدرت عدد المتحدثين بالعربية في ألمانيا من العرب والألمان بأكثر من مليون شخص .
تدريس اللغة العربية في بولندا
تُوجَدُ في بولندا ثلاث جامعات كبرى متخصصة في الدراسات العربية و الإسلامية ، كجامعة وارسو ، وجامعة كراكوف التي تضم معهد للدراسات الشرقية ، وجامعة آدم ميتسكيفيتش الموجودة في مدينة بوزان ، وتضم مركزا للبحث العلمي في شؤون اللغة العربية .
تَذْكُرُ الدكتورة ماجدالينا كوباريك أستاذة الأدب العربي في جامعة تورون أن الهدف الأساسي للقسم هو تأهيل المتخصصين في مجال علم الأدب و اللسانيات نظرا للاهتمام المتزايد بقضايا فقه اللغة العربية philology ، وقضايا ثقافة شمال أفريقيا ، والشرق الأوسط , وهذا ما جعلهم يطلعون على موضوعات وسمات الثقافة والحضارة ، والتاريخ ، والفلسفة ، والسياسة ، والدين الإسلامي .
تُضِيفُ الدكتورة ماجدالينا كوباريك أن القسم يقوم بالبحوث العلمية في مجال الدراسات العربية و الاسلامية ، وأهم الاتجاهات الدراسية هي : تاريخ الأدب العربي ، الأدب العربي المعاصر ، الثقافة و الحضارة في العالم العربي والإسلامي ، اللسانيات ، استراتيجيات تدريس اللغات ، تاريخ الإسلام البولندي الأوروبي والعالمي , الإسلام والثقافة ، والدين ، والسياسة ، تاريخ الفكر الاجتماعي والسياسي الاسلامي ، المسيحية في الشرق ...
يُنَظِّمُ قسم اللغة و الثقافة العربية مؤتمرات دولية تعالج محاورها قضايا الحوار بين الدين المسيحي والدين الإسلامي . تمَّ عقد آخر دورة في 28 أكتوبر ، إذ تمَّ إصدار بيان عن علاقة الكنيسة المسيحية بالديانات الأخرى . إن الهدف من وراء عقد هذه المؤتمرات هو نشر فكرة الحوار بين الأديان ، وعرض نشأته بين المسيحية والاسلام ، وتحليل أسسه البناءة بين الديانتين ، وشرح المخاطر والتحديات التي تعترضه هذا الحوار في القرن الواحد والعشرين.
يَقُومُ القسم العربي في جامعة تورون بتنظيم مؤتمرات دولية تتعلق مواضيعها بمسائل الأدب . يتم عقد هذه المؤتمرات سنويا تحت عنوان (( الشرق في الأدب – الأدب في الشرق )) . تطرح المحاور موضوعات متنوعة تتراوح بين مسائل نظرية متعلقة بالترجمة الأدبية ، وتقديم البحوث في مجال الدراسات العربية ، والتحاليل الأدبية وتأثيرها على فهم الأدب الشرقي في بولندا وأوروبا والعالم . ينظم قسم اللغة العربية أيضا ندوات تتعلق مواضيعها بتعلم اللغة العربية من الناحيتين النظرية والعملية ، والهدف هو تبادل الخبرات ونتائج البحوث العلمية المؤثرة في تطور الاتجاهات في عدة مجالات ، كاستراتيجيات تدريس اللغات المعاصرة بالنسبة للمستعربين و مدرسي اللغة العربية الذين ينتمون إلى مختلف المراكز العلمية البولندية .
لَقَدْ شرع قسم اللغة العربية بجامعة تورون منذ عام 2013 في تنظيم لقاءات تحت عنوان ( الثقافة العربية و الإسلامية ) ، ودورات خاصة في اللغة و الثقافة العربية ، ودراسات متخصصة في اللسانيات العربية التطبيقية بالمطابقة مع اللغة الفرنسية ، وهو تخصص لا يوجد في المراكز التعليمية البولندية الأخرى ، لأنه يمثل استراتيجية تعليمية رائدة في بولندا ، تسمح بالحصول على درجة البكالوريوس من خلال معرفة اللغة العربية الفصحى واللغة الفرنسية .
تَمَّ تطوير البرنامج الدراسي مع مراعاة تنقل الطلاب المقبل ضمن إطار التبادل الدولي بين الجامعات الشريكة .
يُعَدُّ هذا القسم أحد المراكز الحديثة العهد للدراسات العربية و الاسلامية في بولندا ، لكن نشاطه في مجال التدريس والعلم يجعله يحتل مكانا بارزا على الساحة العلمية البولندية ، ويساهم في بحوث ا المراكز الأكاديمية الأخرى.