من القاعدةِ اللُّغوية إلى فضاءِ المعنى والتأويل
في كتاب فَاعِليّةُ (التَّثْنِيةِ) في اللُّغةِ الشِّعريّةِ: للدكتور أيّوب جرجيس العطيّة.
إعداد الباحث: أبو بشير محمّد القيسيّ/العراق
إذا كانت التَّثنية مظهراً من مظاهرِ الجمالِ اللغة العربية، فهي ترتبطُ بجرْسِها الإيقاعي، وبدلالاتِها المتعدّد. لذا سعى المؤلفُ إلى أن يدرسَ فَاعِليّة (التَّثْنِيةِ) في اللُّغةِ الشِّعريّةِ العربيّةِ، التي تعنى بدلالاتها الوفيرة، وتفسيراتها الكثيرة، فالتثنية -بحسبِ رؤيته- تحملُ دلالاتٍ نفسيّةٍ واجتماعية ولغويّة وجماليّة وفلسفيّة.
وجاءت دراسته هذهِ من مقدمةٍ، وتمهيد، وخمسةِ فصول هي: الفصل الأول: (التَّثْنِية) ومظاهرُها الأسلوبيّة.، والفصل الثاني هو: (التَّثْنِية) والأنساق الوزنية، وكان الفصل الثالث بعنوان: (التَّثْنِية) والمُعادل الموضُوعيّ، وتلاه الفصل الرابع بعنوان: (التَّثنية) من التفسير النفسيّ إلى التفسير الوجوديّ، وأما الفصل الخامس فكان عن: هندسة (التَّثْنِية) وجَماليّة المشْهد.
من قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّاَلِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يا وَيْلَتَا ليتني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ) (27)الفرقان
(يعضّ الظالم على يديه) تكشف عن حالة الكافر الظالم النفسية المنفعلة في يوم القيامة حين يعاين عذابه ومصيره. وبين معنى هذه الكناية الذي تدلُّ عليه ظاهريا في حركتها المنفعلة (عضّ اليدين)، وبين المعنى المكنى عنه المراد وهو ندم الظالم وتحسره علاقة تلازم وارتباط.
والكناية هنا في هذا السياق الذي وردت فيه هي أنسب وأدق في تصوير حالة الظالم النفسية التي فيه، وموقفه العسير من أي كناية أخرى مما ذكرة الزمخشري كـ(عضّ الأنامل) مثلا التي تشترك في إيحائها عن الندم في حركتها وصورتها مع كناية ( عضّ اليدين )؛ وذلك لأن موقف الظالم هنا في مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهو موقف مروّع عصيب يعاين فيه الظالم عقابه ويستيقن ما كتب من قبل .. فالتعبير عن حالته النفسية وتجسيدها بكناية (عضّ اليدين) وليس (بواحدة) توحي بذلك الانفعال الشديد المضطرب، وهذا يناسبه الحركة الغليظة المصورة للمعنى النفسي المقصود، فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها. إنما هو يداول بين هذه وتلك، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين: ((فَإِنَّ مَنْ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)) ( )، وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيما.)) ( )، وهو معنی يصبح عميقا وشديدا بأسلوب التمني الذي يصاحبه :( يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) إذ تحس بهذه اللهفة المكروبة في هذا التمني، وكيف تتعلق نفس الظالم بما فات. (فاعلية التثنية ص35-36)
ومن ذلك حديثه عن الوزن والقافية والفاصلة المتوشّحة بالتّثنية:
فقال: إذا كانت القافية بؤرة الإيقاع الشعريّ، ونقطة التقاء بين محاور النصّ، فإنّ الفاصلة بؤرة الإيقاع النثريّ، وكلتاهما تمثّل وقفات استراحة للمتلقي يُعيد فيها قدرته على المتابعة والتدبر والتطريب، وهما يؤديان وظيفة إيقاعية وجمالية،وقد يأتي النص بنوعيه متكّئا على التثنية؛ فيمنحها إيقاعا وجمالا ومتعة كما في قول الأخطل الصغير المغنّى : ( )
يا عاقِدَ الحاجبيـنِ ** على الجبينِ اللّجَيْــنِ
إنْ كنتَ تقصِدُ قتلي ** قتلتَنــــي مرّتَيْـــنِ
مـاذا يـريبك مني ** ومـا هممت بـشْينِ
أصُـفرةٌ في جبيني ** أم رعشةٌ في اليدينِ
تبــدو كأنْ لا تَراني ** ومِلْءُ عينَيْكَ عيني
فهيمنت التثنية على بنى النص، وحققت إيقاعا سريعا خفيفا، مع كثرة حرفي الألف والنون، فضلا عن أنه جاء على البحر المجتث بشكله القصير المعروف: (مستفعلن فاعلاتن). (فاعلية التثنية ص96-97)
ووقف الروائيّ:(عامر موسى الشيخ/العراق) متسائلا : ما الذي سيقوله د أيوب عن المثنى، وهو من الأساليب والمباني اللغوية القارة والمستقرة والمعروفة في لغتنا العربية، وكنت أبحث عن الإضافة الجديدة، وسألت هل من جديد هناك ؟
قال : فكانت الإجابة في المقدمة مباشرة، إذ استطاع المؤلف وبخبرة العارف أن يخط منهجا خاصا به – بحسب علمي– وهو قيامه بمزج الدرس اللغوي بالدرس الأدبي، ويضع له ركيزة ينطلق منها من القاعدة اللغوية إلى فضاء المعنى والتأويل ..وهذه ميزة جديدة في الدرس الأدبي، وهي أن يقوم الباحث بمزج التفسير اللغوي بالتفسير الثقافي، والبحث عن الدلالة عن طريق المبنى اللغوي وليس عن طريق مبنى السياق، فكان بحثه رصينا، من خلال رصده صيغة المثنى، عبر إبحاره في تراث لغتنا وكتابها المقدس القرآن الكريم، وشعرها الغزير الغارق بمياه المعاني الجزلة، ليؤكد المؤلف أن النصوص التراثية العربية القديمة، هي نصوص حيّة قابلة للدرس والفحص بتطبيق مناهج النقد الحديث عبر الباب التي فتحه د.أيوب بالمزج بين اللغة والأدب كما أشرنا مسبقا .
سيكون هذا الكتاب -بحسب ظني- مفتاحاً لدراسات أخرى تدرس مثلا: صيغ المفرد والجموع والمباني الأخرى، وإمكانية تأويل معانيها، واستنطاق صوامت النصوص من خلال هذا الدرس
راجيا للدكتور وهو يحفر حقله الخاص في بساتين اللغة والأدب أن يتحفنا بمشاريع أخرى..
وصفت (د.فاطمة العيداني-العراق/البصرة) الكتاب بأنه ممتع يشدُّ القارئ، ويحمله على تصفح أوراقه الواحدة تلو الأخرى؛ فقد مزج ما بين تقديم المعلومة اللغوية في طبق ممزوج بحلاوة الطرح وايقاع الفائدة، وفيه من اللفتات اللغوية في تفسير النصوص بصورة بسيطة ومعمقة بالوقت نفسه، فالتثنية تجلّت في كتاب في أوسع دلالتها: اللغوية والنفسية والاجتماعية ولأن التثنية محور الكون والحياة والممات... وما بينها من مشاعر للأنس والتوجع.
وأثنت على تحليله: (ربما من الدوافع النفسية ارتباط الشاعر بغيره وهي طبيعة الإنسان الاجتماعية فعندما يبوح يحتاج من يسمعه ويخفف عنه. وعندما يصاب بمصاب يحتاج شخص معه يلجأ اليه. وفي تثنية الفعل قفا عند امرىء القيس انكسار الشاعر أحوجه لمن يستند إليه).. بقولها: هذا تحليل جميل ورائع .
وأضافت : ثمة التفاتة جميلة في قوله:( إن احتياج الشاعر للمشاركة في حالة الفرح والمسرة أقل من الحزن)؛ لأن انكسار الذات والشعور بالضعف في الألم يحتاج إلى التخفيف، أمّا الفرح فيمنح النفس الطمأنينة أكثر، فالمشاركة فيه من باب التسلية أقل ما يحتاجها المرء؛ لذا ترى الناس في وقتنا لا يبالي عندما لا يذهب إلى دعوة فرح ويحرص على الذهاب إلى لمأتم.
فقد تشظت الدلالات، واستطاع المؤلف أن يلم ذلك التشظي في دفتي كتابه.
ويشير ( د صالح الويس/ جامعة الموصل/العراق) بأن الكتاب فيه جهد واضح تمثّل في الجمع بين قديم الشعر وحديثه، بين ابن عبّاد والسياب، فضلا عن التثنية في القرآن الكريم، ومحاولة بيان جمالية التثنية في اتجاهات عدة: منها استجلاء مظاهرها الأسلوبية، والإيقاعية، ثم الانتقال من التفسير النفسي إلى الوجودي أو بوصفها معادلا موضوعيا، ثم مازجَ بين الفنون عندما انتقل إلى هندسة التثنية وجمالية المشهد..