• تَغْييرُ الْوَزْنِ وَتَعْويضُه
انْطِباعُ الْوَزْنِ وَالِاحْتِكامُ إِلَيْهِ
[32] بعدما ذكر المرزوقي سبعة الأبواب التي هي عمود الشعر ، وثانيها جزالة اللفظ واستقامته ، وخامسها التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن - ذكر لكل باب من السبعة معيارا أي ميزانا أو مقياسا ، فكان معيار ذلك الباب الثاني " الطبع والرواية والاستعمال ؛ فما سلم مما يُهَجِّنُه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم " ، وكان معيار ذلك الباب الخامس " الطبع واللسان ؛ فما لم يتعثر الطبع بأَبْنِيَتِه وعُقودِه ، ولم يَتَحَبَّسِ اللسان في فُصوله ووُصوله ، بل استمرا فيه واستسهلاه ، بلا ملال ولا كلال - فذاك يوشك أن يكون القصيد منه كالبيت ، والبيت كالكلمة ، تسالما لأجزائه وتقارنا " .
إنه في حين نجد الوزن العروضي يدخل عمود الشعر من الباب الخامس ، نجد الوزن الصرفي يدخله من الباب الثاني ، ثم نجد ( الطبع ) معيارهما المكرر ، فما ( الطبع)؟
إن للفارابي فيما يمكن أن نسميه ( فن السماع ) ، كلمة جليلة النفع في بيان معيار الطبع ؛ إذ قال : " أما ارتياض السمع ، وهو الهيئة التي بها يميز بين الألحان المتفاضلة في الجودة والرداءة ، والمتلائمات ، فليست تسمى صناعة أصلا ، وقلما إنسان يعدم هذا ، إما بالفطرة وإما بالعادة " .
إن الهيئة التي هي معيار الألحان عند الفارابي ، لا تكاد تخالف الطبع الذي هو معيار الأوزان عند المرزوقي ، ولا سيما أن الأوزان من وادي الألحان . يولد الطفل بصفحة عقله بيضاء إلا من حروف فطرة استعداده الربانية ، بين أسرة ومجتمع وشعب وأمة ، لهم جميعا طريقة في تمييز الأصوات إلقاء وتلقيا ، خاصة بهم ، فيسمعهم ويراهم ويحس بهم ويعي عنهم ، فتتركب بذلك في صفحة عقله البيضاء ، كلمات قدرته ثم مهارته ، ولا يملك إلا أن يخضع لها في بيان ما يقول ويسمع ، فقد صارت له معيارا .
ولقد كان اعتماد العربي على معيار الطبع شديدا ، حتى إنني ما أزال أَعْجَبُ وَأُعَجِّبُ غيري مما أحفظه عن الطائيِّ الذي " نَزَلَ بِه امْرُؤُ الْقَيِسْ بْنُ حُجْرٍ ، فَهَمَّ بِأَنْ يَغْدِرَ بِه ، فَأَتى الْجَبَلَ ، فَقالَ : أَلا إِنَّ فُلانًا غَدَرَ ، فَأَجابَه الصَّدى بِمِثْلِ ما قالَ ؛ فَقالَ : ما أَقْبَحَ تا ! ثُمَّ قالَ : أَلا إِنَّ فُلانًا وَفى ، فَأَجابَه بِمِثْلِ ذلِكَ ؛ فَقالَ : ما أَحْسَنَ تا ! ثُمَّ وَفى لِامْرِئِ الْقَيْسِ ، وَلَمْ يَغْدِرْ بِه " .
إنه إذا كان قد خضع صغيرا لطريقة قومه في تمييز الأصوات ، فقد تَرَقّى كَبيرًا في مَدارِجِ ذَوْقِها والكَلَفِ بها ، حتى لَيَتَدَيَّنُ بها !
حِمايَةُ الطَّبْعِ بِالتَّمْرينِ
[33] ولقد اصطنع علماء العروض والصرف جميعا ، لحماية طبع تلامذتهم ، وسيلة التمرين بصياغة ما لم يكن ، على وفق ما كان ليتفقهوا في الوزن وتترسخ في عقولهم طبيعته ، في مجتمع غير مُؤْتَمَنٍ !
أما علماء العروض فقد بثوا ذلك في أثناء كتبهم ، ففهمه عنهم المحدثون ، وحرص بعضهم على استعماله في مطلع بيانه لكل بحر ، فنجده يمرن المتلقي على شطر الطويل مثلا بصياغة عابثة أولا ، قائلا : " أكثر ما يجيء الطويل الأول على هذا الوزن :
دَجاجٌ دَجاجاتٌ دَجاجٌ دَجاجَةٌ دَجاجٌ دَجاجـاتٌ دَجاجٌ دَجاجـات
كِلابٌ كَثـيراتٌ كِلابٌ كَثيرَةٌ كِلابٌ كَثيراتٌ كِلابٌ كَــثيرات
أُســودٌ وَأَفْيالٌ أُسودٌ وَأَنْمُرٌ أُسودٌ وَأَفْيالٌ أُسودٌ وَأَفيــــال "
ثم يمثل بعد ذلك بمثال من " النظم " ، يقصد الشعر غير العبث ، ولا الكلمات المصفوفة .
وأما علماء الصرف فقد خصوه بباب سموه ( مسائل التمرين ) : " فإذا قيل لك ( ابْنِ مِنْ كَذا مِثْلَ كَذا ) ، فإنما معناه : فُكَّ صيغة هذه الكلمة ، وصُغْ من حروفها الأمثلة التي قد سئلت أن تبني مثلها ، بأن تضع الأصل في مقابلة الأصل ، والزائد في مقابلة الزائد إن كان في الكلمة التي تبني مثلها زوائد ، والمتحرك في مقابلة المتحرك ، والساكن في مقابلة الساكن ، وتجعل حركات المبنيّ على حسب حركات المبنيّ مثله " ، فتجد ابن عصفور يمرن المتلقي على وزن ( فَعْلَلول ) ، بصياغة عابثة من ( سَفَرْجَل ) ، على ( سَفْرَجول ) التي لا معنى لها ، تَوَسُّلا إلى الوعي بمثل ( عَضْرَفوط ) ، غير أن أهل علم الصرف في هذا الزمان ، معلميهم ومتعلميهم ، يستقبحون مسائل التمرين ، وربما كانوا هم أنفسهم يستحسنون قرينتها في علم العروض ، على رغم اتفاق الغايتين ، لما يكون من صعوبة مسائله حين يدخل موادها الإعلال والإبدال والإدغام وما إليها .
صُعوبَةُ تَغْييرِ الْوَزْنِ
[34] ليس سهلا إذن على الناطق والسامع العربيَّيْن المَطْبوعَيْن ( الْمَفْطورينَ المُدَرَّبَيْن المُمَرَّنَيْن ) ، تغيير الوزن عروضيا كان أو صرفيا . أما إذا دعت إليه دواعي التنويع والاسترسال في الوزن العروضي ، والتخفف في الوزن الصرفي ، أو غير ذلك ، كان بشرطين متداخلين :
1 وضوح الوزن على رغم التغيير ؛ فإنه إذا تَشَوَّه أو التبس بغيره ، غمض واستغلق على متلقيه .
2 تعويض الوزن عما لحقه من تغيير ؛ فإنه إذا صاحب التغيير ما يَرْأَبُ صَدْعَه على وجه ما ، صار الوزن المغير كالسالم من التغيير ، وضوحا .
امْتِناعُ تَغْييرِ الْوَزْنِ أَوْ قُبْحُه
[35] لقد كان علماء العروض والصرف جميعا ، يمنعون أو يستقبحون كل تغيير للوزن يغمضه فلا يسعفه تعويض .
أما علماء العروض فقد ميزوا أولا العلة التي هي تغيير شديد يصيب من التفاعيل أسبابها وأوتادها جميعا ، عن الزحاف الذي لا يصيب غير الأسباب ، ثم ميزوا الزحاف المزدوج عن الزحاف المفرد ؛ إذ الأول لتركبه أشد من الآخر .
لقد منعوا العلة أن تقع في حشو البيت ، حتى لقد أبعدها عنه مُعَنْوِنُها قائلا : " عِلَلُ الْأَعاريضِ والضُّروب " ، لأنها لو وقعت فيه لشوهت الوزن فأغمضته ، واستقبحوا الزحاف المزدوج ، لأنه يعطل إدراك الوزن وربما شَوَّهَه . وإذا نظرنا في بعض ما أرادوا إخراجه من الشعر لاختلال وزنه ، كقول أمية بن أبي الصلت :
" عَيْنِيَ بَكّي بِالْمُسْبَلاتِ أَبا الْحارِثِ لا تَذْخَري عَلى زَمَعَهْ
ابْكي عَقيلَ بْنَ الَاسْـوَدِ أَسَـدَ الْبَأْسِ لِيَوْمِ الْهِياجِ وَالدَّفَعَهْ
تِلْكَ بَنو أَسَـــدٍ إِخْوَةُ الْجَـوْزاءِ لا خانَةٌ وَلا خَدَعَـهْ "
لم نجده اختل وزنه إلا بإعلال حشوه الذي أكل أكثر التفعيلة الثانية من البيت الثالث ، والزحاف المزدوج الذي قرن بين خمسة متحركات في آخر صدر البيت الثاني ؛ فلولاهما لاستقام هذان البيتان من المنسرح ، كما استقام البيت الأول .
إذا كان ذلك كذلك ، فاجتماع العلة والزحاف المزدوج أو ما أشبهه ، على التفعيلة ، إجحاف بها ، منعه شيخنا الخليل حين كتب على الضرب المقطوع - والقطع علة - في بحر الكامل : " ممنوع إلا من سلامة الثاني أو إضماره " ، والإضمار زحاف مُفْرَد . لقد غير القطع ( مُتَفاعلن ) إلى ( مُتَفاعِلْ ) ، ثم يغيرها الإضمار إلى ( مُتْفاعِلْ ) ، ولو دخلها حذف هذه التاء الساكنة لصارت ( مَفاعلْ ) ، فشوهت فغمضت على الإدراك ، وهو ما عبر عنه الدماميني بقوله : " وما سوى ذلك ( ما سوى الإضمار ) ، لا يُحتمل مع ما دخله من القطع " .
أما علماء الصرف فقد منعوا الإعلال الذي يؤدي إلى الإلباس بكلمة أخرى ذات وزن آخر غير مراد ، ومنعوا الإدغام الذي يهدم الأوزان المرادة بعينها . لقد كان ابن عصفور يورد نماذج منثورة لما يمتنع فيه الإعلال ، ثم أقبل يضبط الأمر بقوله : " إلا أن يؤدي الإعلال إلى الإلباس ، فإنك تُصَحِّح ، وذلك نحو ( قَطَوان ) ، و( نَزَوان ) ؛ فإنك تُصَحِّح الواو ، لأنك لو أعللتها فقلبتها ألفا لالتقى ساكنان - الألف المبدلة من حرف العلة ، والألف التي من فَعَلان - فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين ، فتقول ( نَزان ) ، و( قَطان ) ؛ فيلتبس ( فَعَلان ) بـ( فَعال ) . ومثل ذلك ( رَحَيان ) ، و( عَصَوان ) ، صَحَّحْتَ لأنك لو أَعْلَلْتَ لَحَذَفْتَ لالتقاء الساكنين ؛ فكان يلتبس تثنية المقصور بتثنية المنقوص ، فيصير ( رَحان ) ، و( عَصان ) ، كـ( يَدَيْنِ ) ، و( دَمَيْنِ ) " . وكان سيبويه يعرض تضعيف اللام في غير ما عينه ولامه من موضع واحد ، فيمنع الإدغام عندئذ متى كان الوزن ملحقا ، قائلا : " إذا ضاعفت اللام وأردت بناء الأربعة لم تسكن الأولى فتدغم . وذلك قولك : قَرْدَد ، لأنك أردت أن تلحقه بـ( جَعْفَر ) ، و( سَلْهَب ) " ، لأن الإدغام - لو كان - يُغَيِّرُ ( قَرْدَدا ) إلى ( قَرَدّ ) ، وهو هدم للوزن ، فـ" لو أدغمت (...) لكنت قد حَرَّكْتَ ما في مُقابلته من بناء المُلْحَق به ساكنٌ ، وسَكَّنْتَ ما في مُقابلته مُتَحَرِّك " .
بل قد بلغ علماؤنا القدماء من ذلك أن منعوا استعمال الإدغام إذا كان يفقد الأصوات أظهر صفاتها ؛ " فلا يدغم شيء من هذه الصفيريّات ( أي الزاي والسين والصاد ) ، في شيء مما يقاربها من الحروف ، لأن في ذلك إخلالا بها ، لأنها لو أدغمت لقلبت إلى جنس ما تدغم فيه فيذهب الصفير ، وهو فَضْل صوت في الحرف " ، وكذلك أصوات التَّفَشّي والغُنَّة واللين .
جَوازُ تَغْييرِ الْوَزْنِ أَوْ حُسْنُه
[36] ولقد كان علماء العروض والصرف جميعا ، يستحسنون أو يبيحون كل تغيير للوزن يُسْعِفُه التَّعْويض على أي وجه كان .
أما علماء العروض فإن كثيرا من أنواع الزحاف المفرد حسن لديهم ، كَكَفِّ ( مَفاعيلُنْ ) في الهزج ، إلى ( مَفاعيلُ ) ، هذا الذي عَجِبَ منه الدكتور إبراهيم أنيس قائلا : " لسنا ندري لم استقبح أصحاب العروض تغير ( مَفاعيلُنْ ) إلى ( مفاعيلُ ) في مجزوء الوافر ، واستحسنوه في الهزج " . لقد وجد بين مجزوء الوافر والهزج من الصلة الوثيقة ، ما يغريه بجمعهما معا على طريقته في الاختصار والتسهيل ، غير أنه وجد العروضيين يجعلون القصيدة من الهزج متى صادفوا فيها تفعيلة واحدة أو أكثر على ( مفاعيلُ = ددن دن د ) وسائر تفاعيلها على ( مفاعيلن ) ، فصَدَّه عما أراد ، فاستنكره وهو مقبول غير مستنكر ؛ إذ ( مَفاعيلُ = ددن دن د ) ، إذا كانت من الهزج كانت مغيرة بزحاف الكف المفرد وحده كما سبق ، وهو سهل التعويض بنبر ما يوازي مقطع ( لُ ) من كلمة البيت ، وسواء أَأَنْشَأَ النبر في السمع مدًّا أم لا ، في حين أنها إذا كانت من مجزوء الوافر كانت مغيرة بزحاف النَّقْص المزدوِج ، من ( مُفاعَلَتُنْ ) إلى ( مفاعلْتن ) - وهذا عصْب - ثم من هذه إلى ( مفاعلْتُ ) - وهذا كف - وهو ما يُصَعِّب تعويض الوزن عنه .
ومن الجدير بالذكر هنا أن العروضيين يحكمون بأن القصيدة من مجزوء الوافر لا من الهزج ، متى صادفوا تفعيلة منه سالمة ، فلو كانت القصيدة الطويلة كُلُّ تفاعيلها على ( مفاعلْتن = مفاعيلن ) ، ثم نَدَّتْ واحدة فجاءت على ( مفاعلَتن ) ، لوجب عندهم أن يحكم على تلك القصيدة بأنها من مجزوء الوافر . إن هذا هو ما كان أولى بالعجب والاستنكار ؛ إذ المقبول المعقول أن يحكم عليها بأنها من الهزج ، وأن تلك التفعيلة النادَّة ، اشْتَبَهَتْ على الشاعر ؛ فما أكثر ما يكون مثل هذا من الشعراء صغارا وكبارا ، حديثا وقديما ، ثم إن دلالة السياق العروضي تقطع بكونها من الهزج لا مجزوء الوافر ؛ فعشرات التفاعيل المحيطة بتلك التفعيلة المفردة النادّة ، هي السياق لا العكس ! ومثل هذا ينبغي أن يقال ويعتقد في كثير مما أسميه الصور المترَدِّدة بين الأبحر .
وقد حصر علماء العروض العلة في أوائل الأشطر وأواخرها . أما ما يصيب أوائل الأشطر ، فالخَزْم - وهو علة زيادة - والخَرْم - وهو علة نقص - قال المبرد راويا عن سيدنا علي - رضي الله عنه ! - :
" اُشْـدُدْ حَيازيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لاقيـكا
وَلا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ إِذا حَلَّ بِواديكا "
والشعر إنما يصح بأن تحذف ( اشْدُدْ ) (...) ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ما عليه المعنى ، ولا يعتدون به في الوزن ، ويحذفون من الوزن ، علما بأن المخاطب يعلم ما يريدونه ، فهو إذا قال : ( حيازيمَكَ لِلْمَوْتِ ) ، فقد أضمر ( اشْدُدْ ) ، فَأَظْهَرَه ، ولم يعتد به . قال : وحدثني أبو عثمان المازني ، قال : فصحاء العرب ينشدون كثيرا :
لَسَعْدُ بْنُ الضِّبابِ إِذا غَدا أَحَبُّ إِلَيْنا مِنْكَ فا فَرَسٍ حَمِرْ
وإنما الشعر :
لَعَمْري لَسَعْدُ بْنُ الضِّبابِ إِذا غَدا " .
لقد جمع هذا النص تمثيل ما يصيب أوائل الأشطر من علة الزيادة ، ومما يمكن عده علة النقص . وإن قول المبرد : " لا يعتدون به في الوزن " ، ليهدينا إلى تفسير النقص ، كما يهدينا إلى تفسير الزيادة . إن المنشد يستطيع أن ينبِر ( لَسَعْدُ بْنُ الضْ ) بما يبين أنها ( مفاعيلن ) ، و( ضِبابِ ) بما يبين أنها ( فعولُ ) ، كما يستطيع أن يصمت قليلا بين ( اشْدُدْ ) وبين ( حَيازيمَكَ لِلْمَوْتِ ) ، ثم يمضي في هذا وذاك ، فعندئذ يتجلى الوزن .
وأما ما يصيب أواخر الأشطر ، فكثير كالترفيل وهو علة زيادة ، والحذف وهو علة نقص ، قال ابن عبد ربه :
" هَتَكَ الْحِجابَ عَنِ الضَّمائِرْ طَرْفٌ بِه تُبْلى السَّرائِرْ "
" أَيَقْتُلُني دائي وَأَنْتَ طَبيبي قَريبٌ وَهَلْ مَنْ لا يُرى بِقَريبِ "
ولا ريب في أن انحصارها في أواخر الأشطر ، راجع إلى أنها مواضع وقف وصمت ، يستفيد الشاعر فيها منهما إمكان التعويض ، ثم يعتمد المنشد بعدئذ عليهما . ولا تخفى علاقة ما يصيب أوائل الأشطر بما يصيب أواخرها ، في الاعتماد على الوقف والصمت ؛ فإنهما إن اجتمعا كان الصمت قبل أولهما ، صمتا بعد الآخر . ولكن هنا نمطا من التعويض مشهورا مضبوطا ، خاصا بالحذف من تفاعيل الضرب ، يستعمل فيه المد ، ويلتزم عوضا عن الحذف ، صار له باب عروضي يسمى : " باب ما يجوز في القافية من حروف اللين " ، قال فيه ابن عبد ربه : " اعلم أن القوافي التي يدخلها حروف المد وهي حروف اللين ، فهي كل قافية حذف منها حرف ساكن وحركة ، فتقوم المدة مقام ما حذف ، وهو من الطويل ( فعولن ) المحذوف (...) " ؛ ففي مثل البيت السابق " أيقتلني ... " غيرت تفعيلة الضرب بعلة الحذف ، من ( مفاعيلن ) إلى ( مفاعي = فعولن = قريبِ ) ، فعوضت عن هذا التغيير بإرداف القافية بالمد الذي يطيل النطق ، فكأن التزامه هنا يَرُدُّ شيئا مما حذف .
أما علماء الصرف فقد نبهوا أحيانا على أشكال من تغيير الوزن الصرفي ، قُبِلَتْ وعُوِّضَتْ . نجد ذلك منثورا في كتبهم ، كما في إلحاق تاء التأنيث المحركة ، آخر الكلمة عوضا عن المد المحذوف من حشوها ، على النحو التالي :
1 تَلاميذ تَلامِذَة
2 جَحاجيح جَحاجِحَة
3 تَذْكير تَذْكِرَة
وقد تعرض الأب هنري فليش لمثل هذا ، وأضاف نماذج من الكلمات المتفقة المعنى ، تقابل تاء التأنيث المتحركة في آخر بعضها ، المد في حشو بعضها الآخر ، كما في :
1 يَفاعٌ يَفَعَةٌ
2 ذُباحٌ ذُبَحَةٌ
3 رِجالٌ رِجَلَةٌ
ورأى في هذا التعويض تعادلا إيقاعيا " إذ وجد في مكان مقطع طويل مقطعان قصيران " . ولكنه يدل على فقهه الدقيق لما يخوض فيه ، فيشير إلى مثل ذلك مما يكون في عَروض الشعر ، قائلا : " يتجلى هذا التعادل الإيقاعي جيدا في قلب الاستعمال العروضي : ففي بعض الأوزان في بحور معينة من الشعر يجوز أن يحل محل مقطع طويل مقطعان قصيران ، يحدث هذا في بحر الكامل ، حيث تحل : ( مُسْتَفْعِلُنْ ) محل (مُتَفاعِلُنْ)، وكذلك في الوافر ، حيث تقوم ( مَفاعيلن ) مقام ( مُفاعَلَتُنْ ) " .
إن هذا الباحث لا يفتأ يستحضر الوزن العروضي في خلال بحثه في الوزن الصرفي ، فيدهشنا بفهمه لهذه العلاقة الوثيقة بينهما . ومما يزيد دهشتنا هنا أن يستحضر الوزن العروضي دليلا مقلوبا لفكرته ؛ فإنه إذا كان المقطعان القصيران في الوزن الصرفي ، يعادلان المقطع الطويل ، فإن المقطع الطويل في الوزن العروضي ، يعادل المقطعين القصيرين ، وهو دليل لما سبق !