✍ .. ضاقَ ذرْعاً؛ فأعظمَ النداءَ، وأكثرَ الحذفَ....!!
قالَ المتنبّيّ:
فَيَا شَوقِ مَا أَبْقَى وَيَا لِيْ مِنَ النَّوَى ** ويا دَمعِ ما أجْرَى ويا قلبِ ما أصْبَا
والمعنى: أيّها الـشَّـوْقُ الْـمُـبَـرِّحُ ، لم تُبقِ فيَّ شيئًا صحيحًا، ويا لخوفي من الفراقِ، فكمْ أجرى دمُوعي، وكمْ أمالَ قلبي إلى مَنْ أهوى .وممّا يُلحظُ فيه:
أولاً: يبدو أن الشاعرَ ضاقتْ به نفسُهُ ؛ فلم يسعِ المقامُ ذكرَ بعضِ الحروف؛ فأكثرَ فيه الحذفَ، حتّى بلغت سبعةَ محذوفات، وهي:
1- حذف الياءات من:( يا قلبي، يا دمعي، يا شوقي)، تخفيفا. وذكروا أن المنادي إذا أضاف النداءَ إلى نفسِه أسقطَ ياء الإضافة، وتركَ الكسرة دالةً عليها، في لغات أكثرِ العرب، ومنهم من يُثبتها، فاستعملَ أبو الطيبِ ما عليه الأكثرُ من إسقاطِها.
2- قوله: (ويا لي من الهوى )، ويا لي: استغاثة من الفراق، كأنه يقول: يا مَنْ لي يمنعني من ظلم الفراق! فيقول قائلهم: يا للعجب، يريد: يا قوم أدعوكم للعجب. فحذف المنادى.
3- وحذف الكاف المنصوبة، تخفيفا أيضاً، مُعجباً بشدة حاله:( مَا أَبْقَى، وما أجرى، وما أصبى،) كله على إرادة الكاف، كأنه أراد: ما أبقاك، وما أجراك، وما أصباك، وحذفَ ثقةً بفهم المخاطب، وبدلالة الكلام على ما قصده، والعربُ تفعلُ ذلك في الكلام، وتستعمله كثيراً في الشعر.
ثانياً: أكثرَ في البيتِ النداء والاستغاثة ، كما في :( يا قلب، يا دمع، يا شوق، ويا لي من الهوى)؛ فقد خرج النداء من معناه الأصلي إلى غرض تعظيم المنادى واحترامه، والتَّعجّب من حالاته، ولفتِ الأنظار إليه.
فضلا عن حسن التقسيم؛ فقد جاء المتنبي بهذا البيت مقسماً على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت.
تغريدات لغوية... د. أيّوب جرجيس العطيّة