مِن أبلَغِ ما عُرِّفَ به "المَقامُ" و"مُقْتَضى الحال" في البلاغة
أ.د. عبد الرحمن بودرع
مِن أبلَغِ ما عُرِّفَ به "المَقامُ" و"مُقْتَضى الحال" في البلاغة، تعريفُ السّكّاكي:
"مقامات الكلام متفاوتةٌ":
التّشكُّر يُبايِنُ مَقامَ الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقامَ التعزية، ومقام المَدح يباين مقام الذم، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجد في جميع ذلكَ يُباينُ مقامَ الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداءً يغاير مقامَ الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار جميع ذلك معلوم لكل لبيب، وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مُقتضىً غير مقتضى الآخر.
ثم إذا شرعتَ في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقامٌ ولكل حَدٍّ ينتهي إليه الكلامُ مقامٌ، وارتفاع شأن الكلام في باب الحُسن والقَبول وانحطاطُه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به وهو الذي نسميه "مقتضى الحال"، فإن كان مقتضى الحال وإطلاق الحكم فحسنُ الكلام تجريدُه عن مؤكدات الحكم. وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحُسنُ الكلام تَحَلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوة.
وإن كان مقتضى الحال طَيَّ ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباتَه على وجه من الوجوه المذكورة فحسنُ الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضى تركَ المسند فحسن الكلام ورودُه عاريا عن ذكره وإن كان المقتضى إثباتَه مخصَّصاً بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدم ذكرها وكذا إن كان المقتضى عند انتظامِ الجملة مع أخرى فَصْلَها أو وَصْلَها والإيجازَ معها أو الإطنابَ أعني طَيَّ جُملٍ عن البين ولا طَيّها فَحُسنُ الكلام تأليفُه مطابقا لذلكَ"، المقام ههنا بمعنى الغرض.
المصدر