في رحاب الخطّ العربي...الخط العربي من أدق الفنون وأحسن الأشكال الهندسية
يعدّ الخط العربي، من أهم مظاهر التقدم والعمران، ومن أدق الفنون الجميلة، وأحسن الأشكال الهندسية، تكتب بهذا الخط عدة لغات منها: الهندية والفارسية والأفغانية، ومن قبل كانت تكتب به اللغة التركية..
كانت اللغة قبل الإسلام، محصورة في شبه الجزيرة العربية، ولما جاء الإسلام وانتشر، جعل المسلمون اللغة العربية لغة الدين والدولة فانتشرت اللغة العربية في البلاد التي ساد بها العرب أو دخلها الإسلام، وأصبحت الكتابة بالخط العربي عامة بين المسلمين الذين يقرؤون القرآن الكريم.
وقد ساير الخط العربي، انتشار اللغة العربية وسار مع الإسلام في مشرق الأرض ومغربها، من بلاد الصين وأوقيانوسية، إلى سواحل المحيط الأطلسي وهذا الانتشار السريع للخط العربي بين الشعوب الأعجمية خاصة كان له في شيوع اللحن، فكان أن ابتكروا الشكل والإعجام.
وقد نحا الخطاطون نحواً خاصاً في وضع التشكيل والتنقيط، سعياً وراء جمال الخط وحسن منظره، وعلى هذا فإن الحركات فوق الحروف، قد تزيد أو تنقص، وقد تتكرر، بحسب الذوق والتفنن وقد اصطلح الخطاطون على تشكيل خط الثلث والنسخ والإجازة، وجليّ الديواني، أما النقط فإنهم لم يتعرضوا لها، في الزيادة، ولا في النقصان، لأنها من بنية الحرف، لكنهم كانوا يتصرفون بوضعها حسب ما تقتضيه قواعد الكتابة العربية.
الخط والزخرفة
أبدع الخطاط بزخرفة الكتابة العربية، غاية الإبداع حتى إنك لا تكاد في كثير من الأعمال تميز العنصر الكتابي الأصلي وسط تلك الأفانين الزخرفية وتجد نفسك مشدوهاً أمام تلك السمفونية من الخطوط والزخارف، والترابط الرشيق، ما ينم عن كره الفنان العربي، والخطاط وخاصة للفراغ المتمثل عند الغربيين بالأرابيسك.
ذلك أن غاية فن الزخرفة بالخط العربي يرقى إلى نوع من التجريد، غايته أن يبدِع التعبير عن أفكاره، بأسلوب يكره الفراغ، وينشد التوازن والتكامل، حتى لكأن هذا الخط جزء متمم للزخرفة، وليست الزخرفة متممة للخط، وساعد على ذلك ما للخط العربي من مرونة مطواعة للمد والمطّ والاستمداد والرجع بين أيدي فنان مبدع ممارس، يمتلك ذهناً متوقداً.
وقد جرى هذا التجويد للخط العربي على مراحل وفي مراكز متعددة، بدأ ذلك بالحجاز لضرورة تدوين القرآن الكريم بالحرف العربي ثم كانت الكوفة وإليها ينسب ما يعرف بالخط الكوفي، وما إن أصبحت دمشق عاصمة للخلافة الأموية، حتى كان لها الباع الأكبر في تطوير الخط العربي، وكان من أهم الخطاطين زمن الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي الخطاط قطبة، وهو الذي جعل الخط الكوفي بأربعة أنماط أو أنواع، وهي الجليّ والطومار، والثلث والثلثان.
أما هندسة الحروف وتجويدها، فتعود إلى زمن العباسيين وينسب ذلك إلى الخطاطين الدمشقيين: الضحاك بن إسحاق وإسحاق بن حماد.
وفي جميع الأحوال، فقد بقيت بلاد الشام، المعين الذي يرفد العالم الإسلامي بأجمل الخطوط بما أصاب هذا الخط من تطور جمالي يبهر الأبصار، يكتب الخط العربي بأقلام ستة أساسية هي الثلث والنسخي والإجازة (التوقيع) والرقعة والديواني (الهمايوني) والفارسي، على أن هنالك خطوطاً أخرى لعبت دوراً أساسياً في حياة اللغة والكتابة العربية، ومنها الخط الكوفي.. إضافة إلى الخط العربي الحديث الذي ابتدعه في عصرنا الخطاطون المحدثون إلى هذه الأقلام.
وكان لهذا الخط رجال عملوا على تجويده في العصر العباسي، وقد نافس الفاطميون العباسيين في تجويد الخط العربي، وكان زمن أولئك الفاطميين مدرسة سهرت على تحسين الخط العربي وترقيته.
الخط والقرآن
وقد زادت هذه المدرسة أنواعاً جديدة للخط العربي، واشتهرت الفسطاط بمصر بتجويد هذا الخط حتى زمن المماليك.
ومن جهة أخرى، فقد قُدر للخط العربي في سورية أن ينال نصيباً من التجويد بالقرن الخامس للهجرة، وخاصة خط النسخ، وقد نبغ في سورية خطاطون، تمثلت عبقريتهم بما خطته أقلامهم، من روائع جسّدت ما تضم جوانحهم من ذهن خصب بالابتكار والتجديد.
وكان من أولئك النوابغ في أوائل القرن العشرين، ممدوح الرثا وبدوي الديراني، وحلمي حباب، وغيرهم كثير.
وكان من الخطاطين من جعل غاية همّه إبداع فنه على حبة قمح يكتب عليها آيات من القرآن الكريم، أو بيضة يخط عليها سورة من القرآن الكريم، ومن جعل همه منصباً على تزيين الكتب.
كما كانت أعمال النحاس المطعم بالذهب والفضة، تتخذ على صدور من ذلك المعدن بآيات من القرآن الكريم، وحكم وأشعار، وأمثال عربية وكانت السيوف الدمشقية تزين بكتابات مماثلة.
ومن جهة أخرى يجدر بنا الإشارة إلى عدد من الفنانين التشكيليين والفنانين الشعبيين الذين أفادوا من جماليات الخط العربي فعمدوا إلى توظيفه في أعمالهم الفنية، ويبدو ذلك في لوحات الفنان غنوم وأعمال الفنان الشعبي أبو صبحي التيناوي.
كما كانت كسوة الكعبة المشرفة تعد بدمشق وتُرسل كل عام مع محمل الحج الشامي إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة، بموكب بهيج، حتى مشارف دمشق الجنوبية، يومها كان يشارك بهذا الموكب أفراد الشعب على تنوّع نحلهم بالمعاش، وشتى شرائحهم ومراتبهم الدينية والرسمية والاجتماعية.
ونظراً للاحترام الذي تتمتع به كسوة الكعبة، فقد كانت ولا تزال مصدر إلهام رئيسي لمختلف الفنون الإسلامية، فهي من الحرير الموشى بآيات من القرآن الكريم، وتنفذ بالخيوط الذهبية والفضية، ويعمل على إعدادها عدد غير قليل من الخطاطين والحيّاك، والمطرزين وآخرين كُثر.
أقلام الخط العربي
وإذا توقفنا عند أقلام الخط العربي قليلاً، فلابد من الإشارة إلى أن هذه الأقلام كانت نتيجة مقدرة هذا الخط على التطاوع في يد الخطاط أكان ذلك بالاستدارة والانحناء، وفقاً لأصول هندسية، وقواعد رياضية ثابتة، فحرف الألف الذي هو لا يعدو عن خط مستقيم جعل منه الخطاطون قطراً لدائرة، أما بقية الحروف فهي أجزاء من تلك الدائرة، ذلك أنه إذا أعيدت الحروف إلى التسطيح، وأزيل تقوّسها، لكان جميعها من الألف، بنسبة ثابتة.
ومن جهة أخرى، فإن من الممكن أن نقول إن الخط العربي بأقلام أساسية سبعة هي: الثلث والنسخي، والإجازة والرقعة والديواني فضلاً عن الخط الفارسي والكوفي.. ولكل من هذه الأقلام، قواعد وأسس ونسب لا يمكن الخروج عليها أو تجاوز أي منها وأهم ما يتميز به كل من هذه الخطوط:
فخط الثلث: أصل الخطوط العربية السبعة وهو من أجملها، كما أنه من أصعبها، والخطاط لا يكون خطاطاً ما لم يتقن خط الثلث، ولد هذا الخط في بلاد الشام زمن بني أمية، وقد وضع قواعده: ابن البواب، وأدخل ياقوت المستعصمي تعديدات في أوزانه، وقد برع به في دمشق الخطاط بدوي الديراني والخطاط ممدوح.
أما الخط النسخي: فقد عرف باسم البديع لجماله وحسنه وروعته: أما إطلاق اسم النسخ عليه فلأن الوراقين كانوا ينسخون به المصاحف وفي جميع الأحوال فإن هذا الخط إنما هو حصيلة تجويد الخط العربي في بلاد الشام، وقد أسهم ابن فضله بوضع قواعده ثم عمل الخطاطون فيما بعد على تحسينه وتعديل قواعده حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.
ويأتي خط الإجازة بين خطي الثلث والنسخي، وكان يعرف باسم الخط المدور الكبير وتعود قواعده إلى الخطاط يوسف الشجري، زمن الخليفة العباسي المأمون، وكانت تحرر به كتب الخلافة، ولذلك عُرف بالخط الرياسي.
وقد امتاز خط الرقعة بجماله وحُسن تركيبه، وتعود معرفته إلى أوائل عهد الدولة العثمانية، زمن السلطان محمد الفاتح، أما قواعده، فقد وضعها الخطاط ممتاز بك زمن السلطان عبد الحميد الثاني، بعد أن كان مزيجاً بين الخط الديواني وخط سياقت الذي كان يستخدم في مسك الدفاتر والبراءات: وقد انتشر خط الرقعة انتشاراً واسعاً أيام الدولة العثمانية، وحلّ مكان خط النسخ، الذي كان خطاً مقدساً لاختصاصه بكتابة المصاحف.
أما الخط الديواني، فهو خط يعتمد جماله على مرونة الحروف وانسيابها، وتعدّ كتابته من أحسن كتابة خط الرقعة، وقد ظهر هذا الخط زمن السلطان العثماني محمد الفاتح، وابنه بيازيد، أما إبداعه، فيعود إلى الخطاط إدريس البدليسي، وكان خطاطاً ماهراً، وكان رئيساً لمشيخة الخط بالدولة العثمانية لمعرفته بجميع الخطوط، وكانت تكتب بهذا الخط الغرامات «المراسيم» والإنعامات السلطانية، فأصبح الخط الخاص بالديوان السلطاني، لذلك عُرف بالخط الهمايوني، وللخط الديواني قسم يُعرف باسم الرقعة، وهو عديم الشكل والزخرفة، وسطوره مستقيمة بالأسفل كما أن لهذا الخط الديواني قسماً آخر يعرف باسم خط الديواني الجلي، وفي جميع الأحوال كان الخط الديواني خاصاً بكتابات القصور العثمانية، ثم انتشر بفضل مدرسة الخطوط العربية بمصر وكان لهذا الخط مكانة كبيرة في دمشق على يد الخطاط بدوي الديراني.
وعندما فتح المسلمون بلاد فارس حملوا معهم إلى بلاد الفرس الخط العربي، فأصبح هذا الخط خط الكتابة الفارسية وبالتالي خط الفرس الرسمي، وهذا الخط من ثلاثة أنواع، أكثرها انتشاراً وشيوعاً خط نستعليق، وأساسه من الخط النسخي والرقعة والثلث، وقد استنبطه الخطاط حسن ووضع قواعده الخطاط علي الشيرازي من أجزاء البط والطيور.
أما الخط الكوفي فهو من أقدم الخطوط، وقد كان سائداً لدى عرب الشمال، وقد اشتقه أهل الحيرة من الخط النبطي، ووصل إلى الحجاز في شكلين هما:
الكوفي المقوّر والكوفي المبسوط، وقد بلغ الخط الكوفي منزلة كبيرة في العصر العباسي.. وقد تفننوا في رسمه وشكله، وأدخلوا عليه كثيراً من فنون الزخرفة.
وقد تفرع عن الخط الكوفي الخط المغربي، وكانت الكتابة به على المصاحف وبعض الزخارف الخطية المزينة للعمارة في المساجد على وجه خاص.
جريدة الوطن:
https://www.google.com.sa/url?sa=t&r...OlmtymJGY7nVGg