السائل (فهد العودة): هل الصواب أن يقال: توافرَ الشيءُ أم توفَّر ؟
الفتوى 8 : هذا السؤال أجاب عنه عددٌ من قُرَّح الكَتَبَةِ الضالعين في دراسات الأساليب، ومنهم أسعد داغر في كتابه >تذكرة الكاتب<، ومصطفى جواد في كتابه >في التراث اللغويّ<، وأبو تراب الظاهري في كتابه >كبوات اليراع<. وفي كلامهم شيءٌ من الاختلاف؛ فأسعد داغر يمنع أن يقال: >توفّر< إلا على معنى: رعى حُرُماته، وصرَف هِمَّته إلى الشيء، ولم يرضَ بذلك مصطفى جواد، وردّ على >داغر<، ورماه بالتسرُّعِ في حكمه هذا، وقال: إنّ من يقول: توفّر الشيء؛ أراد: تجمَّع، وتحصّل، ولكنهم -أي: الفصحاء- يستعملون >على< معه، وأيّده أبو تراب، وساق لذلك من كلام أهل العلم والأدب؛ كابن المعتز، وابن أبي الحديد، وزياد بن سميّة، وأبو تراب يوافق جوادًا في جمهور ما يقرّره .. والذي أحرّر لك في هذه المسألة موجزًا هو:
أولاً: يقِلّ ورود هذين الفعلين في كلام العرب شِعْره ونثره. وممّا يُنسب إلى عنترة قوله:
يـرون احتمـالي عـفّـةً فيريهمُ تـوفُّر حِلْمي أنني لستُ أغضبُ
ثانيًا: مادة هذا اللفظ الواو والفاء والرّاء، وهو أصلٌ يدلّ معناه على الكثرة، غير أنّ صيغة تفعّل في >توفّر< تفيد التجمّع، وصيغةُ >توافر< تفيد التكاثر.
ثالثًا: قال الخليل في >العين< عن العقيقة، وتبعه سائر المعاجم: >تُوفَّر أعضاؤها فتطبخ بماء<، ومعناه: >تُجمَع<. والكثرة فيه ملحوظة. وقال أبو عبيد: قال الكسائيّ: إعفاء اللحى: أن تُوفَّر، وتُكثَّر.
رابعًا: لم أجد في بحثي ومطالعتي >توافَر< في حُرّ كلام العرب، ولكنها صيغة صحيحة لأصل صحيح مستعمل في كلامهم.
خامسًا -وهو ثمرة البحث-: إذا قلتَ: توفّرت الأسباب، أو: توافرت. فالوجهان صحيحان، ويلحظ في الأوّل معنى الاجتماع، وفي الثاني الكثرة. والثاني لازمٌ للأوّل؛ ولو كان في شيء متصل. فلا تثريب على من نطق بهذا أو ذاك .. ولنا عودة أخرى مع غير (العودة).
د. عبدالعزيز بن علي الحربي
