غير أن هذا الذي قدّمتُه أعلاه، إنّما هو كلامٌ عامّ يتّصلُ بأصلِ المسألة قبل أن يوغِلَ فيها النّظرُ فيعقّدَها ويشعّبها ويُفرّعها تَفريعاتٍ لا حدودَ لها.
ولا بأسَ أن أضيفَ ههنا أنّ الذي ذكرتُه إنّما يتعلّق بالدّلالات اللغوية أو الدّلائل اللغوية في أوضاعها المختلفَة، ولو وسّعنا القولَ لاتّسع مجالُ تعداد ميادين السيمياء ولَدَخَلَت الأيقوناتُ ولافتاتُ الدّعاية وعلاماتُ المرورِ وأنماطُ اللباسِ والتّحيّة والعلاقاتِ الاجتماعيّةِ ورموز التواصُل الشبكي (الإلكتروني) بين المتحاورين… وكلّ الهيئات والمَشاهد التي تحملُ في ذاتها دلالةً يُقصَد بها المُخاطبُ بها أو الناظرُ إليها أو المُسترشدُ بها.. ولو تأمّلت وتفحّصتَ لوجدْتَ أنّ العلومَ أنفسَها أماراتٌ وعلاماتٌ على حَقائقَ أو مَبالغَ بلغَها العقلُ البشريّ في ميدانِ ذلك العلم.
وإذا مددتَ بصرَك وأطلقتَ عنانَ عقلك في الكون فستجدُه كلّه أدلةً على مدلولات وأمارات على معانٍ ومقالات في مقاماتٍ، إنها دلالات الأحوال النَّاطقة بغير اللّفظ، والمشِيرة بغير اليد، وذلك ظاهرٌ في الكون الواسع، في صامته وناطقه وجامده ومتحركه ومُقيمه وراحلِه ؛ فالصَّامتُ ناطق من جهة الدّلالة، وكذلك القائمُ الذي لا يسيرُ. فمَتى دلّ الشيءُ على معنىً فقد أعرَبَ عن نفسِه وإن لم ينطقْ.
قال خطيبٌ من الخطباء، حين قام على سَرير الإسكندر وهو ميّت: « الإسكندر كان أمْسِ أنطَقَ منه اليومَ، وهو اليومَ أوْعَظُ مِنْه أمس » [البيان والتّبيين]
ويُضافُ إلى الذي سبقَ أنّ الإنسانَ أفادَ من دلالات الكون، أفادَ من الأهلّةِ مواقيتَ ومَواعيدَ ومن الكواكب والأنجم طرُقاً واتّجاهاتٍ…
