أشركتني موزة الريامية تلميذتي الإعلامية العمانية النجيبة، في حوارات مجلة وسم https://pbs.twimg.com/profile_images…/H5zT8mis.jpg، المرصودة للناشئة بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، ثم وجدت لي منفذا إليها باقتراح الكتابة لهم في موسيقى الشعر، ما لا يتجاوز ٣٠٠ كلمة؛ فكتبت:
للإنسان في تعبيره عن حاجاته طريقتان: عرفية أي عادية اتفق على استعمالها أفراد مجتمعه، وفنية أي غير عادية لم يتفقوا على استعمالها. في العرفية يشير بيديه ويضرب برجليه ويتكلم وربما صرخ…، وربما فعل غير ذلك مما يشبهه. وفي الفنية يرسم ويرقص ويغني وربما رنَّم ببعض المعازف، وربما فعل غير ذلك مما يشبهه.
إن الغناء هو أصل الشعر وأصل الترنيم كليهما؛ فقدد كان المغني الأول هو الشاعر، وكان غناؤه هو الشعر؛ ومن أجل ذلك كان يرتب كلامه ترتيبا مؤثرا، ينم عن مشاعره، وينقلها إلى غيره، فيرتاح بهذا وذاك. وما حديثنا عن موسيقى الشعر إلا حديث عن هذه الترتيبات التي يعملها الشاعر بشعره، ليحدث ذلك الأثر الغنائي السابق.
لقد كان الشاعر ينسق المقاطع الصوتية في كتل مركبة، ويكررها، ويوفق بين أواخرها حتى ينبه عليها، متقيدًا في ذلك كله بما يستوعبه الناس ويرتاحون إليه. وربما أهملهم، واستقل بعمله غير عابئ بهم؛ فخرج عمله إلى المجهول، فنجح، أو أخفق، وربما كان أسبق من عصره؛ فتأخر نجاحه. ولكن لا غنى له عن الإخلاص في تمثيل مشاعره، والإتقان في تجويد أدوات تعبيره.
ولكل لغة موسيقاها النابعة من خصائصها، ومن ينبوع موسيقى كل لغة ينبع شعرها، ولا يجوز أن ننتظر من شاعر لغة أن ينظم مثل شعر لغة أخرى؛ فما أشبه هذا بانتظار أن يكلم صينيٌّ أهله بالعربية، أو أن يكلم عربيٌّ أهله بالصينية.
ينبغي للشاعر أن يتمكن من لغته أتم التمكن، حتى يستطيع توظيف موسيقاها في نظم شعره. ولا يعني ذلك ألا يطلع على أشعار الأمم الأخرى، ويستفيد منها، بل لا غنى به عن ذلك، ولكن بعد أن يخرج من العدم إلى الوجود الذي يريد أن يتوسع فيه ويتأنق، ووجوده من وجود لغته!
