تتعالى صيحات التحديث والتجديد في تناول العلوم الشرعية واللسانية، بين الحين والآخر .. وهي في مجموعها دعوات تحمل في طياتها أحياناً خدمة الإسلام وتسهيل علوم المسلمين لدارسيها، بينا تحمل في أحايين كثيرة تشكيكاً في الإسلام وحطاً من كيانه وسعياً لتدمير علومه وتراثه وابتعاداً بهما – من ثم – عن نصوص وحيه ..
وإنما تكون الدعوات بنَّاءةً عندما تصدر صيحاتها عن قلوب مؤمنة خيِّرة مخلصة، حريصة على أن ينتفع بعلوم الدين من أرادها وجاهد نفسه في تعلمها وتعليمها ممن أسلم أو اعتزم – من غير المسلمين – إسلام الوجه لله، في حين تكون هدَّامة عندما تصدر عن قلوب ليست كذلك .. ولكل وجهة هو موليها وإنما الأعمال بالنيات.
ومهما يكن من أمر فإنا نستطيع القول بأن المناداة بالتجديد في شتى علو م المسلمين النظرية وما تعلق منها بالعلوم العربية على جهة أخص، إنما أتت على خلفية ما سُدِّد إلى الفصحى ومقررات تدريسها من طِعان تقضي بأنها قاصرة وعقيمة ولم تعد صالحة للتداول ولا مواكِبة للعصر ولا وافية بمتطلباته .. ومن أنها تحتاج من حيث مادتها إلى تغيير ولو أدى ذلك – بشطط المشتطين – إلى استبدال العامية بها، ومن حيث طريقة عرضها وأدائها الأسلوبي إلى تبسيط وإفهام لدارسيها، ولو أدى ذلك – برأيهم – إلى تغيير مناهجها وخروجها وتخليها عن كل ثوابتها وما درجت عليه أو اندرج تحتها .. هكذا قرر دعاة الشعوبية والاستشراق ودعاة التبشير والتغريب من العرب والعجم، وتلك هي القصة من بدايتها.
ومن لطف الله ومن دلائل حفظه لدينه أن تنبه للكارهين للغة القرآن والمرجفين لهم في المدينة، غيرُ واحد، وأذكر من تيك الأصوات، صوت الكاتب الداعية الأستاذ أنور الجندي – رحمه الله – الذي سخر قلمه ومن قبلُ حياتَه لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين، وذلك من خلال موسوعته الحاوية على عشرة أجزاء وجاء مسماها تحت عنوان: (محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل).
فقد رصد في كتابه السالف الذكر، محاولات وجهود الحركات المعادية للإسلام وخص منها بالاهتمام تلك التي تريد أن تجتث – بزعمها – الإسلام من جذوره بتغييب لغته وعلومه التي قامت على خدمته، متخفية تحت شعار التحديث، ومحتمية براية التنصير والتبشير تارة وبراية الاستشراق أخرى وبراية التغريب ثالثة وبراية الشعوبية رابعة وبراية الحداثة خامسة، وفي كل ذلك (يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون).
وفي إطلالة على أولئك المجترئين والمتولين كِبَر التهجم على لغة الضاد، يذكر – عليه رحمة الله – أن ثمة حملة ضخمة للتبشير بدأت في نهايات القرن الثامن عشر كانت قد توصلت إلى حقيقة “أن القضاء على القرآن مصدر الإسلام وقانونه الإسلامي، يتطلب القضاء على اللغة الفصحى، ولما كان التبشير والنفوذ الاستعماري لا يستطيعان أن يكشفا هذه الحقيقة صراحة، فإنه قد أخفاها وراء كل خطوة اتخذها بشأن الدعوة إلى العامية أو مهاجمة العربية واقتناصها أو الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية” .. وممن شَغلوا أنفسهم من الأجانب بتحقيق الغرض ذاته (كارل فولرس) و(سلدن ولمور) و(ويلكوكس)، وقد بدأ ذلك منذ 1880 واستمر حتى عام 1926 تقريباً، وفي خلال ذلك كان (لطفي السيد) و(قاسم أمين) و(سلامة موسى) قد حملوا هذه الدعوة، ثم اتصل ذلك بالدعوة التي دعاها (عبد العزيز فهمي) عام 1941 عندما نادى بالكتابة بالحروف اللاتينية! كان هذا في مصر، وأما في المغرب فقد تولى (كولان) ومن بعده (ماسينون) لواء هذه الدعوة، وفي لبنان ظهر كثير من الدعاة إليها وإلى العامية اللبنانية.
ومن الواضح – هكذا يقرر أ. الجندي – أن هؤلاء الأجانب من المبشرين – الذين كان معظمهم يتولى مكانة اجتماعية تتعلق بالتثقيف والتوجيه ودور النشر والعلم في بلاد المسلمين – هم الذين وضعوا الخطط لتحقيق أهدافهم، وهم الذين روَّجوا للادعاءات المبررة لها، من نحو ما يصفونه بـ (صعوبة اللغة العربية) و(صعوبة حروفها)، وما يتهمونها به من أنها لا تستطيع مجاراة العلوم الحديثة بدعوى وجود فروق واضحة بين لغة الحديث ولغة الكتابة، ومن أنها لغة ميتة ولغة دينية وغير وافية بحاجات العصر .
وكان المبشر الأكبر (زويمر) قد أشار “إلى خطورة اللغة العربية حين قال: (إن اللغة العربية هي الرباط الوثيق الذي يجمع ملايين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم)، وكان هذا إشارة إلى ضرورة العمل على هدم العربية الفصحى التي هي لغة القرآن، وهذا هو المعنى الذي تلفت إليه المرحوم (مصطفى صادق رافعي) في حملته على (لطفي السيد) ودعاة التسوية بين العامية والفصحى، فقد كان الرافعي يعرف أن الهدف من ذلك هو إحلال لغة وسطى بسيطة قريبة من العامية لتكون لغة الكتابة وبذلك يبتعد المسلمون عن لغة القرآن البليغة ويصبحون عاجزين عن فهم القرآن أو التعامل معه وهذا هو ما يهدف إليه الاستعمار” .
وجاء دور المستشرقين!! فكانت حملة الاستشراق على اللغة العربية مرتبطة – كذلك ولنفس الأهداف التي سعى إليها المبشرون – بحملته على القرآن، كما كان “الاستشراق – والكلام هنا للشيخ محمود شاكر في رسالته (في الطريق إلى ثقافتنا) – هو عين الاستعمار التي بها يبصر ويُحَدِّق، ويده التي بها يُحِسُّ ويبطِش، ورجله التي بها يمشي ويتوغل، وعقله الذي به يفكر ويستبين، ولولاه لظل في عميائه يتخبط، ومن جهل هذا فهو ببدائة العقول ومسلماتها أجهل” .. وفي إطار خلق الفجوة بين بيان القرآن ولغة الكتابة “قام (لويس ماسينون) المستشرق الفرنسي بخلق الفجوة تلك في المغرب وسوريا، وقام بها (مرجليوث) المستشرق البريطاني اليهودي في البلاد العربية .. وكان الهدف أنه إذا حُلت اللغة واستُعجمت الألسنة انقطع الطريق إلى الإسلام وتمزقت الأواصر .. ومما كان يدعو إليه (ماسينون): (إهمال الإعراب)، على اعتبار أنه ييسر تعليم اللغة العربية على الأجانب، وقد دعا (ماسينون) رجال المجمع العلمي في دمشق إلى اتخاذه وسيلة للتجديد، وكرر دعوته في أندية الشباب العربي في باريس” .
لقد “تعددت محاولات المستشرقين – إذاً – وتنوعت حيلهم للوصول إلى أغراضهم المتمثلة في تمزيق العرب وتغييبهم عن لغتهم التي هي مصدر عزهم، خاصة عن طريق مجامع اللغة العربية التي اشتركوا فيها ومنها جاءت دعوتهم إلى كتابة القرآن بلغة العصر .. كما حاول الاستشراق الغمز لعلوم النحو والصرف والبلاغة والادعاء بأنها من عوامل صعوبة اللغة العربية، وهذه أيضاً من مؤامرات الاستشراق، ذلك أن حماية اللغة العربية تتطلب المحافظة الكاملة على ما هو مقرر ومنقول من الأصول والقواعد السليمة في علمي النحو والصرف وعلى ما هو محرر مقبول في علوم البلاغة التي هي المعاني والبيان والبديع دون السماح بما يؤدي إلى اللحن أو مسخ الأسلوب العربي المبين والديباجة الرائعة والجمل والأساليب التي تمتاز بها اللغة العربية” .
وأعقب حركتا التبشير والاستشراق في الظهور على الساحتين العربية والإسلامية ما سمي بـ (حركة الشعوبية) التي كانت تستهدف انتزاع الأدب العربي من قيمه والتنكر لماضيه وقطعه عن خيطه الممتد وتراثه الطويل ووصله بمفاهيم الغربة والتمزق، وذلك بمحاولة تغليب أجناس أدبية وافدة وباتهام العقلية العربية وتدميرها عن طريق خمريات أبي نواس وبشار وغيرهما وعن طريق الشعر الحر الذي يستهدف إفساد اللغــة والنفس معاً .. وكان وراء دعاة هذه الحركة مجموعة من الكتَّاب الذين يحملون أسماء عربية وهم في حقيقتهم من أصحاب التبعية للفكر الغربي والولاء لثقافتـه والإيمان بوجوب نقل ثقافته وحضارتـه ككل بزعم أنه لا انفصال بين الثقافة والحضارة.
وشر من مثَّل هؤلاء وأولئك، المسيحي (سلامة موسى) الذي دعا إلى كل ما يُخرج المثقف العربي المسلم من قيمه، وحاول أن يتخذ من العلمانية والإلحاد والإباحية والمنهج المادي في تفسير التاريخ والعالمية أدواته، والذي أورد عنه الجندي قوله: “يجب أن يكون الناس أحراراً في تبديل قوانين الحكم والزواج والطلاق والتربية والأخلاق وسائر ما يؤثر في حياة الفرد والسلالة”، وقوله: “إن هذه المفاهيم لا تَخرج عن أن تكون آراء قديمة لأحد الناس أو لجماعة منهم وليس شيء جدير بالتقديس”، وقوله: “ليس علينا للعرب أي ولاء، إننا أرقى من العرب، إن العربية ليست لغتنا ولا نستفيد منها وإن لنا من العرب ألفاظهم فقط لا لغتهم والأصلح لمصر أن تعود إلى وطنية فرعونية”، وقوله: “نحن أوربيون في الدم والمزاج والثقافة واللغة، فليس من الصواب أن يقال إننا شرقيون، ومن مصلحتنا أن نغرس في أذهان جميع العرب أنهم أوربيون سلالة وثقافة وحضارة”، ومن جهوده في هذا الشر المستطير، إصداره كتاب يحمل عنوان (البلاغـة العصرية واللغة العربية) .. ولا ندري أي بلاغة عصرية تلك التي تجتنى من وراء رجل يتخلى عن عروبته ولغته ومبادئه وقيمه على هذا النحو المزري.
والمستهجن في الأمر أن كل ما سردناه من محاولات لطمس معالم اللغة وعلومها كان يصب في خدمة الغرب وحملته على العرب والإسلام كما كان يمهد لما أُطلق عليه (حركة تغريب الشرق)، وهي الحركة الكبرى الأساسية التي كانت دعوة التبشير وعمل الاستشراق وحركة الشعوبية وسائل لها والتي كانت تهدف في الأساس إلى تثبيت قواعد النفوذ الأجنبي والاستعمار وإلى فرض ثقافة معينة على الفكر العربي الإسلامي، حتى يخضع العالم الإسلامي عن طريق الفكر للغرب ويكون تابعاً بحيث تكون العلاقة بينهما علاقة ولاء وترابط لا علاقة صراع وخصومة، فقد كان الغرب يؤمن ولا يزال بأن فكره ومدنيته وحضارته يجب أن تسود العالم كله وأن تختفي كل مقومات فكر الأمم التابعة له أو تنصهر في ثقافته وبذا يخضع العالم كله للفكر والحضارة الغربية .. وهذا يعني أن دعوة التغريب التي كان التبشير بعض طلائعها كانت تصدر في مخططها عن هدفين كبيرين:
1- توقيف اللغة العربية عن النمو أو الانتشار في أي مكان حل فيه الاستعمار وذلك بتجميدها وإقصائها عن مجال التعليم، تمهيداً لتوقيف انتشار الإسلام نفسه وللفصل بين العرب والمسلمين وبين العروبة والإسلام وللحيلولة دون أن تصير لغة القرآن مصدراً أساسياً للثقافة العربية الإسلامية.
2- القضاء على اللغة العربية في العالم العربي وإحلال اللغات الأجنبية واللهجات العامية والحروف اللاتينية مكانها، تمهيداً لتعميق الثقافة الغربية ولفرض المفاهيم الغربية على القيم الأصلية والأساسية في فكرنا العربي والإسلامي .. يعضد ذلك كله ما ذكره المبشر (زويمر) سنة 1900 في كتابه (جزيرة العرب مهد الإسلام) حيث كتب يقول: “يوجد لسانان لهما النصيب الأوفر في ميدان الاستعمار المادي ومجال الدعوة إلى الله، وهما الإنجليزي والعربي، وهما الآن في مسابقة وعناد لا نهاية لهما لفتح القارة السوداء مستودع النفوذ والمال، يريد أن يلتهم كل منهما الآخر، وهما العضدان للقوتين المتنافستين في طلب السيادة على العالم البشري، أعني الغرب والإسلام” .
وإنما وددت بهذا أن أوطئ لأمور ثلاثة لا يقل أحدها أهمية عن الآخرَين:
الأول: أن الدعوة إلى تمزيق أواصر اللغة وتشويه جمالها والتنقيص من خصوصياتها، إنما يتبعها – حتماً – اتِّباع كل الوسائل الممكنة من قِبَل هذه الجهات المعادية للإسلام وللغة القرآن ويأتي على رأس هذه الوسائل التركيز على مجال التدريس في جميع مراحله حسب خطة محكمة، وتغيير مناهج التعليم ومقررات التدريس الخاصة بالعلوم العربية في شتى ميادينها وفق هذه الخطة بدعوى التجديد ومواكبة العصر .. وهذا ما جرى بالفعل وعلى حساب استظهار كتاب الله تعالى وتعلم الفصحى وما تسلم به العقيد ة وتصح به العبادة، حتى طال ذلك التعليم الأزهري في مصر والديني في شتى بلاد المسلمين منذ بدايته وحتى نهايته.
الثاني: أن بلاغة القرآن التي أعيت خصوم الإسلام في الحاضر عن أن ينالوا منها على نحو ما أعيتهم فيما مضى، يرجع جانب كبير منها إلى ما تضمنته من وجود ظواهر في تراكيب جمل التنزيل وسياقات آياته يتم بموجبها مراعاة مقتضى الأحوال على أكمل وجه، كما تستوجب – في عالم البشر – وجود ملكة لا تتحقق إلا إذا كان المعبِّر عن المقصود بلفظ فصيح فصيحاً، وهذا أمر يعجز عنه دعاة التغريب بل وجعلهم ييئسون من أن ينالوا من عظمة اللغة التي نزل بها هذا الكتاب الخالد، وبالتالي قصرت جهودهم في تجديد العلوم العربية على مجال الدراسات والأجناس الأدبية، وهذا يجعلنا نؤكد أن ملامح التجديد في ميدان الدراسات البلاغية كانت متواضعة إلى حد كبير إذا ما قورنت مثلاُ بغيرها في ميدان الدراسات الأدبية أو سواها.
ومصداقاً لذلك فقد “ظهر من دعاة التغريب وأذنابهم من يقول – فيما يدل على عجزه ومن وراءه عن استيعاب علوم المسلمين وهو د/ محمد كامل حسين –: (أدعو إلى قتل الفصاحة وإلى تجاهل البلاغة فقد أصابنا منها شر كثير)، وهي صيحة علت حين أخذت الشعوبية تَقرع طبولها في الستينات ولكنها لم تلبث أن خفتت وعجزت عن المتابعة لأن تيار البيان العربي كان أكبر منها، وقد غاب عن هؤلاء حقيقة أصيلة هي أن الإفصاح منهج واضح من مناهج اللغة العربية في أدبها الذي يعرف لها من العصر الجاهلي حتى هذا العصر، وأن الشيء الذي لا يمكن أن يمتد إليه جموح المجددين هو تلكم الميزة التي لا تفارق اللغة وبيانها، وهي الإفصاح الكاشف لكل ما يختبئ في الفكرة من دقيق المعاني وخفيها، إذ لا سبيل أن يتولى أدب الغموض الذي برعوا في تحديثه شيئاً من ذلك، لأنه يعتمد غالباً على الإحالة في البيان على أشياء مجهولة تحتاج هي نفسها إلى شرح وإفصاح، والدقيق الخفي – كما هو معلوم – لا يفسره غموض أو إخفاء، واللغة العربية من أدق اللغات وأبرعها في استخدام كل ما يحرك النفس ويهيج الخاطر، ولها في الإيحاء المفصح مسالك يدركها من درس أسلوبها البلاغي .. الأمر الذي يجعلنا نقرر أن الإفصاح روح اللغة وجوهرها مهما دق المعنى أو بعُد” .
الثالث: أن التجديد في ميدان الدراسات البلاغية – مع مراعاة ما ذكر في الأمرين السالفي الذكر– إنما كان رد فعلٍ للصيحات التي تعالت لتنادي – إثر الحملات المعادية للإسلام – بضرورة التحديث في أسلوب تناول علوم البلاغة التي يأتي على الرأس منها علم المعاني .. وقد اتخذ هذا التحديث منحيين، جنح أحدهما إلى تلقيح البلاغة العربية بالبلاغات الأوربية، وهذا بدا واضحاً في بيئات التعليم العام وأعني به كليات الآداب في جامعاتنا، كما نجد صداه فيما ألف (الشايب) في كتابه (الأسلوب) وفيما ألف (أمين الخولي) في كتابه (فن القول) وفيما ألف (طه حسين) من كتب موجزة لمدارس التربية والتعليم .. بينا اكتفى الثاني منهما بتصفية البلاغة من الشوائب ومن الآراء المعقدة التي اتُخمت بها وبدا فيها النظر، وهذا نراه ماثلاً فيما يقرر في بيئة الأزهر وكلياته ومعاهده.
وإنا إذ نختار – لرصد معالم التجديد في هاتين البيئتين وتقديم دراسة تشملهما وتتكفل بعقد موازنة فيما بينهما وتقييم شامل لتجربة تحديث البلاغة فيهما يسمح به الوقت والجهد – إذ نختار لتحقيق ذلك، الحديث عن (علم المعاني) باعتباره عمود البلاغة القائمة على مراعاة مقتضى الحال، لَنؤكد أن الأمر بهذا يحتاج إلى مزيد بيان لنرقُب هذه الفروق ونحكم على ما يصلح أن يكون نواة لخدمة بلاغة وفن القول وما لا يصلح .. ولذا فقد اقتضت خطة البحث لأن تأتي في هذه المقدمة ثلاثة مباحث:
أولها: وعنوانه (مظاهر التجديد في ميدان الدراسات البلاغية منذ النشأة وحتى اللحظة)، ويتناول فيما يتناول: مدخلاً في مفهوم التجديد واتجاهاته، يتبعه حديثاً عن ملامح التجديد فيما خلفه لنا السابقون من الموروث البلاغي، ومنازع التجديد لديهم لبيان ما لها وما عليها، وطرائق التجديد المعاصرة في ميدان الدرس البلاغي واتجاهاتها، ثم تقييم شامل لهذه الأطروحات المعاصرة بعد وضعها في ميزان النقد العلمي.
ثانيها: ويحمل عنوان (التجديد في علم المعاني في ضوء الأسلوبية الحديثة) ويتناول: مدخلاً في سبب اختيار هذا الموضوع ليكون مجالاً لهذا البحث، ثم تبع ذلك حديثاً عن مظاهر تجديد علم المعاني في ضوء صياغته التقليدية، ثم عن ملامح هذا التجديد في ضوء الأسلوبية الحديثة مما يمكن عده من الإيجابيات وما يمكن عده من السلبيات، لنعطي الحق أولاً لعلم الأسلوب في مطالبته بعدم مزج البلاغة بالدراسة الفلسفية المستعجمة، ونسلبه ذات الحق في حديثه عن مكونات اللفظ العربي في علم المعاني، وفي رجوعه بعلم المعاني إلى الوراء حيث الحديث مرة أخرى عن قضية اللفظ والمعنى، وفي إبحاره بعلم المعاني في تيه الحديث عن الوجدان وخلجات النفس ومظاهر الشعور الأخرى.
ثالثها: وقد جاء بعنوان (الأسلوبية الحديثة واتخاذ علم المعاني تكأة للتآمر على الدرس البلاغي وغايته)، وقد خصصته بالحديث عن تشويه الأسلوبية لعلم المعاني بإعادة تقسيمه – مع سائر علوم البلاغة الأخرى – من جديد لأقسام بعيدة عن النظرة العلمية، وعن نقضها لهذه العلوم بخروج الدرس البلاغي عن وظيفته، وتحويله – على خلفية المطالبة بتوسعته ليشمل أغراض الأدب ومعانيه – إلى درس في الأدب وفنونه، وتبع ذلك حديثاً عن ابتعاد الأسلوبية الحديثة وتخليها عن الهدف الذي لأجله كانت البلاغة والتأليف في علومها، وبسببه كان اتصالها بالحياة الأدبية وجعل درسها ذا جدوى، ثم خاتمة عن البلاغة العربية بين الأصالة والمعاصرة ودور الإصلاحيين المعاصرين في تجديد الخطاب البلاغي وتقريب التراث البلاغي لدارسيه والمناداة بوصل قديمه بجديدة في رباط حميم.
والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
موروثنا البلاغي
والأسلوبيـــــــــــة الحديثـــــــــة
دراسة..وموازنة
إعداد
د. محمد محمد عبد العليم دسوقي
أستاذ البلاغة والنقد المساعد بكلية اللغة العربية
جامعة الأزهر بالقاهرة

