السائل: مجرد إنسان
السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته..
كتبَ صُحُفي اليومَ في مقالٍ له بصحيفةٍ يحكي فيها الكُتابُ والصحفيونَ قصصاً عاشوها في أسفارهم وأيامهم عمومًا. يقول ذلك الصحفي: وكان الحرُ شديدًا جدًّا جدًّا جدًّا جدًّا.
السؤال: ما حكم تكرار الصحفي لـ(جدًّا) في العبارة السابقة؟
الفتوى (1544):
من وسائل توكيد الكلمة في اللغة العربية المحكية والمكتوبة تكرار لفظها، ولا حدّ لتكرار اللفظ في شكلها الملفوظ خاصة، فما فعله الصحفي غير مألوف في الكتابة؛ إذ هو زائد على الحاجة، ولكنه جائز لأنه لا يفسد قاعدة نحوية، ويعتمد قبول ذلك على ملابسات القول، فهو مقبول ما لم يفض إلى إملال.
تعليق أ.د.أحمد البحبح:
بارك الله في المجيب ونفع به وبعلمه، ويبدو لي أن هذا التكرار مبالغٌ به غير مستساغ؛ لأن العرب استعملت مُؤكِّداتٍ متعددةً لتقوية الكلام والمبالغة فيه، فالإخبار عن الحر بالشدة نوعٌ من توكيد المعنى وتقويته، ثم وصف الشدة بالجدة في قوله (شديدًا جدًّا) أو حمْل (جدًّا) على المفعولية المطلقة لفعل محذوف تقديره: يجدُّ جدًّا، زيادةٌ في التوكيد والمبالغة، ثم تكرار اللفظ الثاني توكيدًا لفظيًّا (جدًّا جدًّا) بلوغٌ للتوكيد غايةَ منتهاه، وما زاد عن ذلك إطناب لفظي خارج عن مألوف كلام العرب.
وللفائدة بعد مراجعة الفتوى والتعليق عليها وجدتُ بعض النحويين ينص على أن التكرار في التوكيد اللفظي لا يزيد على ثلاث مرات. ومن أقوالهم الآتي:
– قال الصبان في حاشيته على شرح الأشموني [ 3/ 116] في سياق تعليقه على تكرار التوكيد اللفظي:
“قوله:(مكررًا) أي: إلى ثلاث مرات فقط لاتفاق الأدباء على أنه لم يقع في لسان العرب أزيد منها كما نقله الدماميني عن العز بن عبد السلام”.
– “وأما التوكيد اللفظي فهو اللفظ المكرر به ما قبله” من لفظه، زاد في التسهيل 1: أو تقويته بموافقه معنى. وكل منهما يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة، ولا يزيد على ثلاث مرات”. [شرح التصريح للأزهري: 2/ 141].
– “وفي جميع صوَر التوكيد اللفظي وحالاته لا يصح تكرار اللفظ السابق وهو المؤكَّد، أكثر من ثلاث مرات؛ كقول الشاعر:
أَلاَ حَبّذّا حَبّذا، حَبّذا … صديق تحملْتُ منه الأَذى”. [النحو الوافي:3/ 526]
– قال ابن عثيمين في شرحه ألفية ابن مالك:
“فإن قيل: كم حد التكرار؟ نقول: لا تكرر أكثر من ثلاث مرات؛ فإنه شين عند الأدباء، وغير مسموع في اللغة العربية أيضًا “.
– قال الحازمي في شرحه ألفية ابن مالك:
” والتكرار هنا لا يزيد على ثلاث مرات، هذا يكاد أن يكون اتفاق بين النحاة والبيانيين، بل قيل: المكرر يكون مرتين، وقيل: ثلاثًا، ولا قائل بالزيادة، أمَّا مرتين أو ثلاثة، حينئذٍ يصح أن يُقال: قام زيدٌ زيدٌ، قام زيدٌ زيدٌ زيدٌ، إذا أردت التأكيد القوي فتعيد مرة ثالثة، مكررًا ثلاث مرات فقط لاتفاق على أنه لم يقع في لسان العرب أزيد منها”.
ومما استُدِلّ به على التقيد بالتكرار ثلاثًا قولُه عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «أيُّما امرأة نكحت بدون إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل»، بتكرار الجملة ثلاث مرات، وفي رواية بتكرار لفظ باطل ثلاث مرات: فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
أ.د. أبو أوس الشمسان
(عضو المجمع)
راجعه:
أ.د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة
العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)
