(أما الأشهر الحرم) التي سنتحدث عنها فهي الواردة في قوله تعالى: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم”[1]، وعيّنها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع حين قال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنةُ اثنا عشر شهرًا منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثةٌ متواليات: ذو القعدة وذو الحِجة والمحرم ورجبُ مضرَ، الذي بين جمادى وشعبان [2]، لقد حفلت المعاجم اللغوية وكتبُ السيرة النبوية بمادة علمية كثيرة تخص هذه الأشهر، وإني دائم الذكر أن الألفاظ والتراكيب اللغوية الدينية لاسيما إذا كانت تتعلق بأماكن مقدسة تنال دائمًا عناية خاصة من قبل اللغويين والمفسرين لاعتقادهم –فيما أحسب – أن كثرة استعمالها لكونها مقدسة يؤدي ذلك إلى تميُّزِها عن غيرها.
ولقد بينت هذه المصادر اللغوية معنى (حُرُمٍ) أي حُرّم فيها ما كانت العرب تفعله في جاهليتها فيها، من نحو الاقتتال، قال الجوهري: ومن الشهور أربعةٌ أيضًا: وهي ذو القَعدة وذو الحِجة والمحرم ورجب، ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرد، وكانت العرب لاتستحلُّ فيها القتال إلا حيان خثعم وطيء، فإنهما كانا يستحلان الشهور”[3]، وشرح ابن منظور حالتهم قائلاً: “كانوا إذا توالت عليهم هذه الأشهرُ صَعُبَ عليهم، وأملقوا [4] فكان بنو فُقَيمٍ من كنانةَ أهلَ دين وتمسكٍ بشرعِ إبراهيم -عليه السلام-، فكان القلَمَّسُ وهو حذيفةُ بنُ عبدِ فُقيم، يقوم بعد صدورهم من منًى، فيقول: أنا الذي لا يُرَدُّ لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرًا أي أخَّر لنا حرمةَ المحرم واجعلها في صفر، فيُحلُّ لهم المحرمَ، فيُغيرون فيه، ويَعيشون ثم يلتزمون حرمةَ صفر، ليوافقوا عدةَ الأشهر الأربعة، وأضاف ابن عطية موضحًا سبب إضافة الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجب لمضر فذكر أن قبائل ربيعةَ كانت تجعلُ رجبَها رمضانَ، وتُحرّمُه ابتداعًا منها، وكانت قريشٌ ومَن تابعَها في ذلك من قبائلِ مضر على الحق، فقرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك ونسبه إلى مضر[5]، أي ليس رجب ربيعة، بل هو رجبُ مضرَ وقريشٍ، وقد ورد ما يؤكد ذلك في شعر العرب، ففي المُفضَّليات قال الشاعر الجاهلي عوفُ بنُ الأحوص-:
وشهرُ بني أميةَ والهدايا
إذا حُبستْ مُضرِّجَها الدماءُ
قال الأصمعي: يريد رجبًا [6] أي رجبُ قريش ومضر، لأن بني أمية منهم.
وبين الضحاك فيما ذكره السيوطي أنها سميت أشهرًا حرمًا لئلا يكون فيهن حربٌ” [7] أي مُحرَّمٌ فيها القتال.
وأكد أبو حيان ذلك وأضاف أنها حرم لتعظيمها أيضا قال: إنها سميت أشهرًا حرمًا “لتحريم القتال فيها أو لتعظيم انتهاك المحارم فيها، ويجوز تسكين راء حُرُمٍ، لغةٌ فيها.[8]
وثمة خلاف بين العلماء في ترتيبها أيضًا، قال أبو حيان مشيرًا إليه:
“وأولها عند كثير من العلماء رجبٌ، فيكون من سنتين، وقال قوم: أولها المحرم، فيكون من سنة واحدة، والصحيح أنها رجبٌ وذو القعدة وذو الحِجة والمحرم” [9]، ونقل الكوكباني عن النووي قولَه: إن النحاس في كتابه صناعة الكتاب، ذكر أن الكوفيين يبدؤون في عدهم هذه الشهورَ بالمحرم ثم رجبٍ ثم ذي القعدة ثم ذي الحجة، وأن أهلَ المدينة يقولون: ذو القعدة وذو الحِجة والمحرم ورجب، وقال: الأولى ما قاله أهلُ المدينة، لأن الأحاديثَ تضافرت به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،[10]
وقد ورد عن العرب في أسماء هذه الشهور دروسٌ لغويةٌ ماتعةٌ مفيدةٌ نتبينها من الآتي:
1- ذو القَعدة: بفتح القاف، وقد يكُسَرُ في لغة [11] والقُعود نقيضُ القيام، لذا سُمي الشهر بذلك لقعودهم في رحالهم عن الغزو، لا يطلُبون كلأ ولا مِيرةً [12] وأكد ابن منظور ذلك بقوله: وذو القعدة: اسمُ الشهر الذي يلي شوَّالًا، وهو اسمُ شهرٍ كانت العرب تقعُدُ فيه، وتحجُّ في ذي الحِجة [13] أي يقعدون فيه عن الأسفار [14].
وأطلقتِ العربُ على هذا الشهر اسمَ (هُواعٍ) – بضم الهاء كغراب – وثنَّوه على هُواعان وجمعوه على أهوعةٍ، وهُواعات [15]، قال الشاعر:
وقومي لدى الهيجاءِ أكرمُ موقفًا
إذا كان يومٌ من هُواعٍ عصيبُ [16]
وإنما سمَّوه هُواعًا، لأن الهُوَعَ في اللغة هو سوءُ الحِرص وشدتِه [17] فالظاهر أنهم حين كانوا يتوقفون عن القتال في هذا الشهر تقلُّ عندهم الموارد فيحرِصون على ما عندهم من قوتٍ[18]، ويقتّرون ليكفيَهم مدة انتهاء الأشهر الحرم.
وأطلقوا على هذا الشهر أيضًا اسمَ (وَرْنةَ)، [19]، وأنشدوا:
فأعددتُ مصقولاً لأيامِ وَرْنةٍ
إذا لم يكن للرمي والطعنِ مسلَكُ
وذكر ابنُ منظور عن ثعلب أنهم قالوا عنه (رُنّةَ) غير مصروف، لكن ابنَ الأعرابي قال: أخبرني أبي عن بعض شيوخه أن العرب تسمِّي جمادى الآخرة: رُنّى[20]، وذا القعدة (ورْنَةَ)، وذا الحِجة (بُرَك )[21] ونقل ابنُ منظور أيضًا عن الكلبي نسبةَ ذلك إلى عاد[22].
وبعد أن عددوا أسماء ذي القعدة، أبرزوا تثنيتَه وجمعَه، فنوَّعوا في ذلك أيضًا، قالوا في تثنيته: ذوا القعدة، وذواتا القعدة وجمعوه على: ذوات القعدة [23] ولم يقفوا عند هذا الاستعمال بل راحوا فثنَّوا الاسمين وجمعوهما معًا، فقالوا: ذواتا القعدتين، وذوات القعدات، وهو كما قال الفيومي: استعمال عزيز، لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية ولا جمع [24] والظاهر أن استشعارهم بطول الشهر أو لأن هذا الشهر مخالف لما اعتادوه من الغزو والإغارة دعاهم إلى مخالفة ما اعتادوه في أمر تثنية هذا النوع من الأسماء التي لها خصائص وميزات خاصة عندهم كما نبهما إليه، فثنَّوا الاسمين وجمعوهما، على غير ما ألِفوه من حياتهم في بقية الشهور، أي خالفوا ما اطرد في التثنية والجمع لأنه يتفق مع واقع هذا الشهرالذي خالف حياتهم الطبيعية فكأن ذلك كان سببا إلى مخالفة ما عهدوه في التثنية والجمع، وفي هذا دليل على أن العربي كان في لغته يصور الواقعَ الاجتماعيَّ الذي يحيا فيه.
أما الشهر الثاني فهو – ذو الحِجة: سُمي بذلك “لأنهم يحجُّون فيه كما قال الفراء [25] وأشار الفيومي إلى أن كسر الحاء هو اسم المرة منه على غير قياس، وبعضهم كما قال يفتح الحاء إذا سبق بلفظة الشهر [26].
وأطلق بعض العرب عليه اسم “بُرَكَ” قال الفراء: ومن العرب من يسمي ذا الحجة بـ”بُرَكَ” محرك الراء، قال الشاعر:
أعُلُّ على الهندي مُهلاً وكُرَّةً
لدى بُرَكٍ حتى تدورَ الدوائر [27]
ونقل ابن سيده عن أبي علي أن (بُركَ) غير مصروف للعلمية والعدل [28] وقالوا في تثنيته: بُرَكان، والجمع بُرَكات [29].
والظاهر أنهم سمَّوه ببركَ لأنهم يَبرُكُون فيه عن القتال، فمعنى بروكُ الإبل، قعودُها، قال صاحب اللسان: برك البعير يبرُك بروكًا أي استناخ، وكل شيء ثبت وأقام فقد بركَ، وهو من برك البعير إذا أناخ في موضع ولزمه [30]، ولعلهم نظروا إليه على أنه شهر الخير والبركة، لأنهم يحجون فيه، والبركة: الكثرة والزيادة في كل خير[31]، فالظاهر أن برك إما هو مشتق من البركة أو من بروك الإبل، وكلا المعنيين يتفق مع حقيقة الشهر وواقع العرب فيه.
(يتبع)
___________________
[1] – التوبة 36
[2] – انظر تخريج ذلك في هامش الدر المنثور 6/482- 7/339وانظر اللسان ،حرم
[3] – الصحاح ،حرم
[4] – أي صاروا فقراء جداً
[5] – المحرر الوجيز ،6/482-483بتصرف وانظرالدر المنثور 7/339
[6] – انظر المحرر الوجيز /6483 مع الهامش بتصرف ومضرجها اسم فاعل وها فيه عائدة على الهدايا ،والدماء فاعل لاسم الفاعل
[7] – الدر المنثور 7/341
[8] -البحر المحيط 5/38
[9] – البحر 5/39
[10] – نزهة الطرف ،222
[11] – القاموس المحيط ،والمصباح المنير ،قعد
[12] – الأيام والليالي ،للفراء ،46، والميرة الطعام الذي يدخره الإنسان
[13] – اللسان ،قعد
[14] – القاموس المحيط ،قعد
[15] – نزهة الطرف ،222
[16] – الأيام والليالي ،53،والقاموس المحيط ،هوع
[17] – القاموس المحيط ،هوع
[18] – وعلى هذا التفسير يكون الجوع أخف من الهوه .
[19] – التلبية ،لقطرب ،129وا اللسان ،أمروا لقاموس المحيط ،ورن
[20] – وفي اللسان عن ابن الكلبي رَّبى ،والظاهر أنه تحريف
[21] – اللسان،ورن ، كذا في الأصل والصواب بركا بالنصب
[22] – اللسان ،أمر
[23] – الأيام والليالي ،الفراء ،49
[24] – المصباح المنير ،قعد
[25] – الأيام والليالي ،26والأزمنة وتلبية الجاهلية 115واللسان ،حجج
[26] – المصباح المنير ،حجج بتصرف
[27] – انظر الأيام والليالي ،53والتلبية لقطرب ،129-131و واللسان برك ،والهندي سيف منسوب إلى الهند ، والمهل حًثالة الزيت ،والكرة :البعر ،أخبر أنه يصقل بذلك سيفه حتى يذهب صدؤه ودرنه ،الأيام والليالي ، 23
[28] – المخصص،9/43 معدول عن بارك
[29] – الأيام و والليالي ،53
[30] – اللسان،والمصباح المنير ،برك
[31] – انظر اللسان ، والمصباح المنير ،برك
