* ومن لغويات الأشهر الأربعة أن العرب إذا أضافوا لفظة “شهر” إلى اسم شهر بعدها نوعوا في استعمالهم حينئذ على مذهبين:
1- الأول هو مذهب سيبويه وأكثر النحاة قالوا يجوز إضافة لفظة شهر إلى كل الشهور ،فيقال :صمت شهر رمضان ،وصمت شهر جمادى الأولى.
2- وقصر بعضهم [1]هذا الجواز على ذوات الراء فقط نحو: رمضان ورجب والربيعين ،فيقال :شهر رجب وشهر ربيع ،أما المحرم فلا يجيزون أن يقال فيه : شهر المحرم، قال الطيبي:
ولا تُضِفْ شهراً للفظِ شهر
إلا لما أولُه الرا فادرِ
واستثنى بعضهم منها رجبًا، قال بعضهم:
ولا تضف لفظةَ شهرٍ لاسمِ
إلا ربيعين ِوشهرَ الصوم
وأكد على ذلك البوريني فزاد شهرَ رجب على ما قاله الطيبي بقوله:
إلا الأصم َّ فهو فيه ممتنعْ
لأنه فيما رووَه ما سُمِع [2]
* ومن لغويات هذه الآيات أن الضمير في قوله تعالى “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم “عائد على “اثنا عشر “لأنه أقرب ،لاعلى الشهور ،[3] أما الضمير في قوله تعالى: “فلا تظلموا فيهن أنفسكم “فاختلف في مرجعه:
1- قال ابن عباس : إنه عائد على “الاثنا عشر ،والمعنى لا تجعلوا حلالاً حراماً ،ولا حراماً حلالاكفعل النسيء ،ويؤيده كما قال أبو حيان كونُ الظلم منهياً عنه في كل وقت ،فلايختص بالأربعة الحرم.
2- وذهب الفراء وقتادةُ إلى أن الضمير عائد على الأربعة الحرم قال الفراء :وجاء “فيهن” في الأشهر الحرم وهو أشبه بالصواب ليتبين بالنهي فيها عظم حرمتها كما قال: (حافظوا على الصلوات) ثم قال (والصلاة الوسطى) فعُظِّمتْ ولم يُرخص في غيرها بترك المحافظة “ثم ساق الدليل على ذلك فقال “ويدلك على أنه للأربعة – والله أعلم –قوله: (فيهن) ولم يقل فيها، وكذلك كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة، تقول :لثلاث ليال خلون وثلاثة أيام خلون إلى العشرة ،فإذا جزت قالوا :خلت ومضت ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة “هن” وهؤلاء فإذا جزت العشرة قالوا :هي وهذه إرادة أن تعرف سِمة القليل من الكثير [4] فعادت النون على القلة والهاء على الكثرة [5]، أي عاد الضمير “منها “إلى “اثنا عشر “لأنها أكثر من عشرة ،وأعاد الضمير “فيهن” على “أربعة أشهر “لقلتها.
وقد أشار ابن عطية إلى رأي قتادة والفراء أيضا بقوله: وقال قتادة: الضمير عائد على الأربعة الأشهر، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها بالتخصيص والذكرـ وإن كان منهياً عنه في كل الزمن [6] والظلم إما بالمعاصي أو بالنسيء في تحليل شهر محرم ،وتحريم شهرٍحلالٍ ، وقيل :لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ثم نُسِخَ بفرض القتال في كل زمن [7]، قال عطاء الخراساني أحلتِ القتالَ في الأشهر الحرم قولُه تعالى: “براءة من الله ورسوله” [8] وقيل معناه لا تأثَموا فيهن ـ بياناً لعِظَمِ حُرمتهنَّ كما عظَّمَ أشهرَ الحج بقوله تعالى “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج” وإن كان ذلك محرماً في سائر الشهور [9] وأيد أبو حيان هذا الرأي أيضاً، فقال “ويؤيد عودَ ه على الأربعة كونُها أقربَ مذكور ،وكونُ الضمير جاء بلفظ “فيهن “ـ ولم يجئ بلفظ “فيها”، كما جاء منها أربعة حرم، لأنه قد تقرر في علم العربية أن الهاء تكون لما زاد على العشرة تُعامَلُ في الضمير معاملةَ الواحدة المؤنثة ،فتقول :الجذوعُ انكسرت ،وأن النونَ ،والهاء والنون للعشرة فما دونها إلى الثلاثة تقول: الأجذاع انكسرْنَ، والأجذاع انكسرتْ، قال أبو حيان بعد ذلك :هذا هو الصحيح، وقد يعكس قليلاً فتقول :الجذوع انكسرن والأجذاع انكسرت [10]
(يتبع)
______
[1] – في فرائد الدر النظيم 146″أن زاعم ذلك هو ابن هشام وهو في شرح اللمحة 2/137
[2] انظر الكتاب 1/216-217وشرح الكافية 1/187والهمع 1/199 وحاشية الصبان ،2/127 ،وفرائد الدر النظيم ،لابن قاطن الصنعاني ،146 ، ونزهة الطرف ،للكوكباني ،222
[3] – البحر 5/38
[4] – معاني القرآن ،1/326 وانظر الأيام والليالي 91
[5] – الأيام والليالي 91
[6] – المحرر الوجيز ،6/485
[7] – المحرر الوجيز 6/485 والبحر 5/39
[8] – البحر 5/39
[9] – البحر 5/39
[10] – البحر 5/39
