احتفل مجمع اللغة العربية بالقاهرة ظهر الإثنين الموافق 15 ديسمبر/ كانون الأول بدار المجمع بالزمالك باليوم العالمي للغة العربية، ويأتي هذا اليوم تزامنًا مع احتفال الناطقين بالعربية في كل بقاع الأرض تكريمًا للغة القرآن الكريم، وهو 18 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، وهو التاريخ الذي أقرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغة العمل في الأمم المتحدة. ففي 18 ديسمبر أيضًا من ذلك العام، أقر المجلس التنفيذي لليونسكو اعتماد العربية لتكون لغة رسمية سادسة تتحدث بها الوفود العربية، وتصدر بها وثائق الأمم المتحدة، وأصبحت لغة رسمية في الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات الفرعية التابعة لها.
وفي كلمته الافتتاحية والتي جاءت تحت عنوان “يوم العربية في مصر” قال أ.د. حسن الشافعي، رئيس المجمع : فلست أقصد هذا اليوم الذي سخر الله ــ تعالى ـــ هيئة الأمم المتحدة عام 1973م، لتختاره يومًا عالميًّا، يحتفي العالم كله، كل عام بهذه اللغة الشريفة وفتوحاتها الإنسانية في عالم الفكر علمًا وفلسفةً و تشريعًا، وفى عالم القلب فنًّا وتصوفًا وإبداعًا ، وفى عالم الأشياء تقنيةً وتنميةً وتذوقًا للحياة.
وقد سخرها من قبلُ لتقرها لغةً عالمية رسمية في المحافل الدولية إقرارًا واعترافًا لما هو واقع مشهود في عالم اليوم، الذي تصدح فيه بالعربية أفواه نصف مليار من البشر في العالم العربي من آسيا وإفريقيا، سواء اعترفت بذلك الأوضاع السياسية بالانضمام إلى الجامعة العربية أم لم يتم ذلك ، كإريتريا وتشاد والسنغال وجامبيا ومالي، فالعربية فيها لسان ما بين 40% إلى70%، هذا في القارة العذراء، أما الواقع الآسيوي فإن في شرق الخليج قومًا يتكلمون العربية، وفى جزر المالديف من يتخذها لسانًا وثقافةً.
وأضاف د. الشافعي: أنه من غرائب هذه اللغة الشريفة أيضًا ما سمعته أخيرًا من الدكتور عبدالله محارب رئيس الألسكو أن هناك قرى بأكملها فيما وراء النهر حول طشقند، وبخارى ما تزال تتكلم العربية حتى اليوم.
ولست أقصد هذا اليوم الذي قررته منظمة اليونسكو يومًا عالميًّا لهذه اللغة، وهو الآن بحمد الله مهرجان يملأ مصر التي فرطت شيئًا ما، أو فرطت كثيرًا في واقع الأمر، كغيرها من البلاد العربية في حق هذه اللغة الشريفة، فهي مثلهم تشعر بالحنين، وتحس بالذنب، وتعود إلى ذاتها الحضارية والثقافية. فتمتلئ مصر هذه الأيام بالأحفال والملتقيات ومظاهر الحفاوة التي تنبض بمشاعر الإعزاز والتحية في هذا اليوم. وتحاول أن تغتسل من آثام الماضي والحاضر في الاستهانة بحق هذه اللغة، وهوانها في عقر دارها على ألسنة الشبيبة الناشئة من أهلها بل الكثير من رجال هذا الجيل الذي خلف جيل القومية العربية بشعاراتها وضجيجها الذي لم يبلغ الضمائر والعقول، لقد تلقيت العديد من الدعوات للمشاركة في هذه الأحفال في مصر والعالم العربي من أقصى الخليج عند بحر العرب إلى أحياء القاهرة المتعددة، وسافر أحد زملائنا إلى أووربا ليمثل المجمع كما حدث في العام الماضي في الاحتفال بهذا اليوم في روما.
ويستكمل د. الشافعي: ولكنى أقصد باليوم، الدور التاريخي لهذه اللغة في هذا الوطن الحبيب الذي انشق فجره قبل ظهور الإسلام، ومر بمراحل من التحول البطيء الذي مرت به العقول والأفواه المصرية، مستعينًا في ذلك بالفكرة التي اتخذها منوالاً المؤرخ العقلي المصري أحمد أمين في عمله الكبير فجر الإسلام وضحاه وظهره، حتى أنهاه بيوم الإسلام.
” لقد كان فجر العربية بمصر موغلاً في القِدم؛ إذ سكنت القبائل العربية سيناء العزيزة، والصحراء الشرقية على يمين الوادي وضفاف النهر بل كما يروى هيرودوت [ ت 425 ق.م] أن بعض المدن في صميم الوادي تعربت أو كادت، فيقول هذا المؤرخ الإغريقي: “إن مدينة قفط مدينة نصف عربية”.
ثم جاءت الصحوة العربية، بظهور الإسلام، ونزول القرآن الكريم أكبر الأحداث الحضارية في تاريخ العربية، والذي انتقل به العالم من العصور القديمة إلى العصور الوسيطة، وجاءت في ركابه قبائل جديدة إلى مصر، وأعقبها اختمار طويل أيضًا، إذ لم يتم تحول مصر اللغوي، وقبولها اللسان العربي إلا في القرن الثالث الهجري حينما تبنت الكنيسة القبطية اللغة العربية في أداء الشعائر والترانيم، وصيغ الدعاء والعبادة.
ويوضح د. الشافعي: إنه الاختمار الطويل البطيء الثابت، الذي ملأ عقل مصر وقلبها وفمها في تحول حضاري لا دخل للسلطة فيه، وتلك قمة هذا التحول الحضاري الذي استمر حتى اليوم … وغدا من الطبيعي أن يقول بعض كبار الرجال من إخواننا الأقباط، كمكرم عبيد وهو يخطب في عشرينيات القرن الماضي في الشام قائلاً: “أنا مسيحيُّ العقيدة، مسلمُ الثقافة.
ثم عاشت مصر مع غيرها من الأمصار العربية ظهر هذه اللغة وعصو رازدهارها حين صار العلم بمختلف فروعه، والفكر والفن بمختلف صوره وأشكاله يتكلم العربية في ما بين القرن الرابع والسابع الهجريين الذي شهد اكتشاف الدورة الدموية في مستشفيات مصر، وأقام الأزهر الشريف جامعة إسلامية عربية، بعد أن كان عند إنشائه مدرسةً مذهبيةً.
وتوالت التطورات في ما بين القرن التاسع حتى الثاني عشر وهى الفترة التي شهدت الحكم التركي والاحتلال الفرنسي إلى أن أسلمها ذلك إلى مرحلة النهضة الحديثة في منتصف القرن الثاني عشر، على يد الزبيدى، فالجبرتي والعطار اللذَيْنِ أسلماها إلى الطهطاوي وعلى مبارك، ومن بعدهما محمد عبده ومدرسته ومريديه من ساسة وعلماء.
ويختتم الشافعي: إنه اختمار طويل يفسر لماذا تكون اللغة التي تصدر عن إذاعة القاهرة، ويستعملها علماؤها ومثقفوها عنوانًا على العربية الفصيحة المعاصرة ، تمامًا كما تُعد مدينة كمبردج ودائرتها الجغرافية والثقافية عنوانًا للفصحى الإنجليزية.
لماذا كان ذلك ؟ سأختم بالإجابة عن هذا التساؤل: إنها أمور ثلاثة: الاختمار الطويل، والمؤسسات الراسخة، والميراث الحضاري.
وفي كلمة فاروق شوشة الأمين العام للمجمع: أكد أن اللغة العربية هي لحن كل منا، فهي جزء من كياننا؛ فاللغة العربية ليست شيئا يضاف إلى صاحبه، وإنما هي صاحب هذا الشيء، فعندما أتعلم، وعندما أتكلم، وعندما أصف… هذه هي العربية على ألسنتنا جميعًا، تحيا بنا كما نحيا بها، والحياة بيننا متبادلة وموصولة.
واللغة عشق من نوع خاص، وهذا العشق لا يتطلب ثالث بين العاشق والمعشوق؛ وإنما هو يتركز في فكرة حية متبادلة، تعني أنني كلما ارتقيتُ ارتقت بي لغتي، وكلما نطقت بها وأوصلتها إلى الآخرين فأنا أدعوهم إلى أن يشاركوني حياة الوجود؛ حياة العلم؛ حياة سليمة خالية من الشوائب، ومن كل هُجّنة ومن كل ما يعوق العروبة الحقيقية.
وأشار شوشة: إلى أن لغتنا حية لأننا أحياء، ولغتنا متقدمة لأننا نتقدم، ولغتنا محظوظة لأن هناك الملايين من القلوب والعقول التي تجتمع في يوم واحد على محبة هذه اللغة والمشاركة في الاحتفال بها، فحقيقي أننا نقضي العام كله – في الدور المجمعية – في الاهتمام باللغة العربية، لكن بوصلتنا مع الآخرين في مثل هذا اليوم هي دليل على أن عيد اللغة العربية أصبح عيدًا قوميًّا من أعيادنا المقدسة، نُهْرَع إليه ونشارك فيه ونحييه.
وفي تصريح خاص “لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” أشار أ.د. محمود فهمي حجازي: أستاذ اللغويات بكلية الآداب جامعة القاهرة، وعضو المجمع: إلى أن اللغة العربية دخلت اليونسكو بعد معركة خاضتها الوفود العربية هناك، وفي صيف 1969م كُلِّفت وزارة التعليم العالي المصرية ببيان بعد الصعوبات في اللغة العربية وبيان الردود عليها، وقد كلفت الوزارة جامعة القاهرة، وكلفتني جامعة القاهرة بذلك، فكتبت التقرير الخاص بذلك الذي أفادت منه الوفود العربية في اليونسكو. وفي ديسمبر من ذلك العام تقرر الاستخدام الرسمي للغة العربية منذ ذلك الوقت.
والعربية هي اللغة السادسة، وهي الإضافة الوحيدة التي تمت بعد إنشاء منظمة اليونسكو إلى جانب اللغات الخمس التي اعتُمدت مع إنشاء المنظمة وهي منظمة مرتبطة بظروف الحرب العالمية الثانية، وهي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية، وبدون معركة كبيرة تم إدخالها بعد ذلك في الأمم المتحدة، إلى جانب استخدامها في منظمات استخدامها في منظمات إقليمية وعالمية أخرى.
كما يوضح د. فهمي حجازي أن اللغة العربية لها أهمية تاريخية لعل من أبرزها: أنها مرتبطة بانتشار العربية في الأقاليم الواسعة، فالتراث العربي لم يُؤلف في بغداد وما حولها؛ بل هناك تراث عربي في الهند وإيران وآسيا الوسطى، ثم إن هناك تراث عربيًّا قويًّا في غرب إفريقيا امتدادًا في الشمال الأفريقي، فضلاً عن مرحلة طويلة جدًا في الأندلس، ومرحلة أكثر في صقلية. هذا التراث الفكري القديم الممتد له أهمية لا تقتصر فقط على علوم الدين بل يمتد إلى العلوم الطبيعية كالطب والهندسة والفيزياء والصيدلة وغير ذلك.
وفي تصريح خاص “لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” يقول أ.د. حافظ شمس الدين أستاذ الجيولوجيا وعضو المجمع: هذا يوم أغر من أيام لغتنا العربية الشريفة؛ الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للغة العربية، بعد أن أصدرت منظمة الأمم المتحدة في دورتها العشرين عام 1973م قرارًا باعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المقررة في لجانها المختلفة، وتبع ذلك أن أصدر المكتب التنفيذي لليونسكو من مقره في باريس، قرارا بأن يكون يوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يومًا عالميًّا للغة العربية… وكم كان يملؤني الفخر والاعتزاز بلساني العربي وأنا أحضر لجان اليونسكو في باريس، حيث موقعي خبيرًا للسياسات الثقافية والتنوع الثقافي بالمنظمة العالمية، حيث أجد لغتنا العربية الشريفة ترصع قائمة اللغات الرسمية للمنظمة باعتبارها اللغة السادسة للمنظمة. وهذا شعور ليس يوصف؛ لأنني لا أجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه.
ويشير د. حافظ إلى أنه لو استعرضنا الأعمال العلمية التي تدل على قدرة العلماء العرب والمسلمين في وقتهم، نجد أن منهم كواكب كثيرة من العلماء النابهين، وكانت إنجازاتهم تمثل العلم الأصيل السامق الخفاق. ومن الجدير بالذكر أن العلماء العرب ألفوا كتبهم وإنجازاتهم بلغتهم العربية، التي ترجمها الغرب، فأضاءت لهم جنبات كثيرة من تفكيرهم وزادت من محصولهم العلمي وفتحت لهم سبلاً للتطور واكتساب المعرفة، الأمر الذي أدار لهم عجلة التطور، حتى وصلوا إلى ما هم عليه الآن.
وفي تصريح خاص“لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” يقول أ.د. محمد حماد: أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والخبير بالمجمع:
تُعد اللغة العربية من أقدم اللغات ظهورًا واستعمالاً، كما تُعد من أغنى اللغات أصواتًا وبناء كلمات وبناء جمل. وتكاد أن تفوق لغات العالم بأكثر من النصف من الناحية التنظيمية، فعلى مستوى الأصوات تكاد تنفرد بثلاثة أحياز من المخارج الصوتية، كما تكاد تنفرد بمجموعة أصوات لا تتحقق إلا فيها كالضاد والراء والثاء، وعلى المستوى الصرفي تتميز العربية ببساطة بناء الكلمات التي يعود معظمها إلى أصول ثلاثية؛ وذلك عن طريق الاشتقاق بحسب القياس، الأمر الذي منح هذه الكلمات غنىً وثراءً وعذوبة موسيقا، مما ساعد في تحقيق ما يُسَمَّى بهندسة بناء الجمل وتحقيق اطِّراد الأوزان الشعرية التي حدث فيها انسجام واضح بين تفعيلات البحور وأوزان المشتقات، هذا على المستوى الصرفي. وهناك جوانب كثيرة في هذا المستوى يمكن ملاحظتها في سهولة صوغ المصطلحات العلمية وفي الربط بين البناء الصرفي للفصحى وعامياتها. وأما على المستوى النحوي فتمتاز العربية بنوعين من الجمل هنا الجمل الفعلية والجمل الاسمية، وكأنها تستقل بنصف النظام النحوي كله وحدها.
ويشير إلى أن جميع اللغات تستعمل الجمل الاسمية فقط في الأسلوب الخبري. أما العربية فتستعمل الجمل الفعلية والاسمية، هذا إلى الاحتفاظ بنظام الإعراب كاملاً؛ ذلك النظام الذي يمنح عناصر الجملة كثيرًا من الحيوية والحركة ودقة التعبير عن المعنى، تلك إمكانات أنظمة اللغة العربية، يضاف إليها أنها لغة عالمية، وتنفرد عالميتها بعدة ميزات، منها: أن عالميتها مقدسة تستند إلى دين سماوي صحيح وخالد، وتمتاز كذلك بأنها عالمية مستمرة، حتى مع ضعف أصحابها أو خفوت حضارتهم.
جانب من الحضور
المنصة




التعليقات 2
2 pings
مصطفى
ديسمبر 18, 2014 في 4:19 م[0] رابط التعليق
ما أجمل أن يتفاعل مجمع اللغة العربية بالقاهرة مع هذا الحدث التاريخي، وهو الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، ويقيم احتفالا علميًّا، والأجمل منه متابعة مجمع اللغة العربية على تغطية الحدث، فشكرا للمجمعين؛ القديم والوليد، وشكرا للأستاذة من ثابت التي قامت بالتغطية… وأشد على أيدي القائمين على المجمع الوليد وأطالبهم بمزيد من التغطيات للمؤتمرات والندوات ذات الشأن باللغة العربية.
مصطفى
ديسمبر 18, 2014 في 4:22 م[0] رابط التعليق
ما أجمل أن يتفاعل مجمع اللغة العربية بالقاهرة مع هذا الحدث التاريخي، وهو الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، ويقيم احتفالا علميًّا، والأجمل منه متابعة مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية على تغطية الحدث، فشكرا للمجمعين؛ القديم والوليد، وشكرا للأستاذة منى ثابت التي قامت بالتغطية… وأشد على أيدي القائمين على المجمع الوليد وأطالبهم بمزيد من التغطيات للمؤتمرات والندوات ذات الشأن باللغة العربية.