ولكنها تفتح مغاليق القلوب … أقول هذا بعد أن أضحى كل متأمل أو متعامل مع طبقات المجتمع تصافح ناظريه الحوارات المتلفزة التي تتكئ على السلوكيات المنحرفة والمفردات الشائنة، ويقرأ طروحات وتغريدات لا تبقي مساحة لالتماس العذر، ويطرق مسمعه صراخ المتحاورين الذين يشحذون هممهم في التسلح بكل عبارات الشتم وقواميس الذم واستصغار الخصوم، فيكون هو ــ حينئذ ــ بين خيارين، خيار المشاركة والمزاحمة في هذه التجاذابات ولجج الأصوات عساه أن يغير في هذه الأساليب شيئا أو خيار الانزواء والانطواء، والأول مطلب وشجاعة والثاني هروب وجبن، ولكن إصلاح الخلل وتقويم الاعواج لا تكفي فيه الشجاعة المجردة من الأسلوب الواعي الرشيد، فلربما تحولت الغيرة إلى غارة، ومن هنا ينبغي للإنسان أن يعرف متى يطرق مغاليق النفس، ومن أي باب من أبوابها يلج، فالنقد المشفوع بالعبارات المخشوشنة تنفر منه النفوس ولو كان حقا، والانتقاد الذي يعبر جسور المدح والثناء تميل إليه ولو كان باطلا… فكم أحيا المنطق اللطيف من مجالس وكم صنع من مؤانس، حينما يكون عنوانا للحوار يرسم على الجلاس وجوها متهللة، وتدور بينهم كؤسا من سلاف الأحاديث تبعث المسرة وتخلق النشوة وتثمر التفاهم، وهنا لا أدعو إلى النفاق والرياء والمجاملة على حساب الحق؛ لأن ذلك إصلاح مذموم بمذموم ولكنني أدعو إلى الرفق والتلطيف في النقد وسوق العيوب وإهدائها في باقة من الود والحب والارتياح تصغي لها الاسماع وتقبلها النفوس وتلين أمامها المصاعب.
