في عرس مجمعي جديد استقبل مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أول امرأة وعالمة مصرية عضو منذ إنشائه، الدكتورة وفاء كامل فايد أستاذة اللغويات بكلية الآداب، جامعة القاهرة التي فازت بمقعد العضوية، والتي شاركت في العمل المجمعي من قبل حيث عملت خبيرة بلجنة اللهجات والبحوث اللغوية بالمجمع.
وعُقدت الجلسة العلنية لحفل الاستقبال ظهر الاثنين الموافق 5 يناير 2015م بمقر المجمع بالزمالك. وقد جرى العرف المجمعي أنه يتم استقبال العضو- بعد انتخابه في مجلس المجمع وصدور القرار بذلك- في حفل رسمي يفتتحه رئيس المجمع، ويديره الأمين العام للمجمع، ويقوم أحد الأعضاء- نيابة عن المجمع- بإلقاء كلمة في استقبال العضو الجديد، ثم يقوم العضو المنتخب بالحديث عن العضو الذي شغل مكانه، وأهم مقترحاته وطموحاته للنهوض بالعمل المجمعي.
وحضر الحفل أعضاء المجمع وخبراؤه ومحرروه، من داخل مصر، وصفوة من العلماء الأعلام في اللغة والأدب ومختلف الفنون في مصر، وشرف الحفل بحضور الدكتور حسين نصار صناجة العرب في العصر الحديث، كما شهد الحفل حضور العديد من وسائل الإعلام والصحافة من مصر وخارجها.
وفي كلمته الافتتاحية قام الدكتور حسن الشافعي رئيس المجمع بتهنئة العضو والترحيب بها، ثم لام على أعضاء المجمع السابقين تلك النزعة الذكورية التي حرمت عالمات جليلات من شرف عضوية المجمع، وأن المجمع ذاته لم يفرق في مرسوم إنشائه بين أحد، سواء بسبب اللغة أو الجنس أو الدين؛ فقد ضمَّ المجمع في عضويته حاخامًا يهوديًّا “حايم أفندي ناحوم” والذي تخصص في دراسة الأديان وبحوث اللغة بالسوربون، واهتم باللغات الشرقية الحية. كما ضم في عضويته مستشرقين من الدول الأوربية وعلماء مسيحيين في مختلف التخصصات.
كما أشار الشافعي في كلمته إلى المكانة العريقة التي ثبتت بها الدكتورة وفاء كامل أقدامها لتصبح أول سيدة تفوز بمقعد العضوية، ذاكرًا مسيرتها العلمية، ودورها الرائد في لجنة اللهجات والبحوث اللغوية بالمجمع منذ ثماني سنوات، وحرصها الدءوب أن تشارك- كل عام – في المؤتمر السنوي للمجمع ببحث تلقيه على منصة المجمع.
وفي ختام كلمته دعا الشافعي الدكتورة وفاء كامل قائلاً: خذي موقعك جندية مخلصة في كتيبة الخالدين التي تعمل ليل نهار للدفاع عن العربية والرقي بها، والعمل على تطويعها لمقتضيات العصر وتقنياته.
وبدوره أكد الشاعر فاروق شوشة، الأمين العام للمجمع ، أن هذا اليوم ليس كسائر الأيام، ومناسبة ليست كسابق المناسبات؛ في هذا اليوم ينعطف تاريخ المجمع ليأخذ ضربًا جديدًا، وتتسع سماء المجمع لتُظِلَّ عالَمًا جديدًا في سياق المعرفة، وعالم المعرفة هو موضوع مؤتمرنا لهذا العام. ونحن اليوم نشهد لأول مرة وجود عضو من النساء جالسة معنا على المنصة، لتَشْهَدَ وتُشْهِدَ الآخرين على أن المجمع منفتح وجاد ورحب وغني بكل ما يُضاف إليه من طاقات جديدة إبداعية.
ويؤكد شوشة أنه في غاية السعادة أن يكون الدكتور الرئيس الشيخ – وأنا أقصد الشيخ – حسن الشافعي رئيس المجمع؛ الأزهري الدرعمي اللندني هو الرئيس الحالي للمجمع الذي يستقبل مع أعضاء المجمع الدكتورة وفاء كامل؛ أول سيدة عضو بمجمع الخالدين.
وفي تصريح خاص “لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” قال الدكتور محمود فهمي حجازي، عضو المجمع : إن اختيار المجمع للدكتورة وفاء كامل يمثل احترامًا كبيرًا للمرأة المصرية في مجال علمي محايد؛ لأن انتخابات المجمع لا ترتبط بتصنيف ولا محاصصة ولا بأي تمييز. يُنتخَب فيها من يُنتخَب، من علماء اللغة، رجال العلم، رجال الفكر؛ لذا يُعد انتخاب الدكتورة وفاء الحر- كما تم – يُعد تأكيدًا لمكانة المرأة في العلم؛ وبالتحديد في تخصصها في علوم اللغة، وفي الوقت نفسه فإنها على صلة قوية وقديمة بالمجمع ومجمع اللغة العربية في دمشق، فهي خبيرة في لجنة اللهجات والبحوث اللغوية منذ ثماني سنوات.
ويؤكد د. حجازي إلى أن أعضاء المجمع عرفوا الدكتورة وفاء كامل على مدى عدة سنوات من خلال تقديمها للبحوث، وعُرضت هذه البحوث في مؤتمرات المجمع الذي يمثل كل الدول العربية، وقد نالت الاحترام والتقدير؛ لأنها شخصية جادة؛ ولذلك فهذا احترام لمن يقوم بعمل جاد، واحترام للغة، واحترام للمرأة، واحترام أيضًا لمكانة مصر؛ فهي قد اختيرت عضوًا بمجمع دمشق قبل عدة سنوات، واليوم هي عضو في بلدها مصر؛ لتكون بذلك أو سيدة تفوز بهذه العضوية.
وفي كلمة الدكتورة وفاء كامل- والتي استهلتها بالآية الكريمة “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”- قالت: إن لكل نفس في الحياة هوى تستلذه وتميل إليه، فسبحان الذي جعل هوى نفوسنا حب لغتنا العربية، حبًّا بلغ فينا مبلغ الشغف بها، والترويح عن أنفسنا باللجوء إليها. وسبحان الذي ما أنزل في قلوبنا هذا الضرب من الهوى إلا بعد أن أبدلنا بالتعب فيه راحة، وبالجهد لذة، وبالسأم غبطة ورضا.
وتقول الدكتورة وفاء: الحمد لله الذي بوأني هذه المنزلة، وانتخاب المرأة عضوًا بمجمع القاهرة إنما هو تصحيح لوضع كان مستريحًا إلى فكر جامد. وهنا أقتبس نصًّا للأستاذ فاروق شوشة أمين عام المجمع، قال فيه: “المرأة المجمعية قادمة بلا شك، ولن يستغرق الأمر طويلاً، خصوصًا أننا نريد أن نصحِّح وضعًا قديمًا حكمته عقول رجالية متسلِّطة، رفضت دخول بنت الشاطئ وسهير القلماوي، مع أن أستاذهما طه حسين كان رئيسًا للمجمع، وكان يعرف أنهما أفضل من بعض الأعضاء الرجال الذين انتُخبوا”.
وتؤكد وفاء كامل أن اقتران شرف انتمائها للمجمع بشرف آخر وهو شغل مكان الراحل العظيم، أستاذ الأجيال الدكتور محمود حافظ رئيس المجمع السابق – رحمه الله – أستاذ علوم الحشرات بكلية العلوم، جامعة القاهرة ورئيس المجمَعَيْنِ: مجمع اللغة العربية والمجمع العلمي المصري، ورئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية، فالراحل ظاهرة بارزة في مسيرة مصر العلمية واللغوية، والثقافية والتنويرية، تستوقف المرء مسيرته العلمية في أصالة علمه وعبقرية فكره، وأن إنجازات الدكتور حافظ تؤكد مثابرة رائعة، على مدى أكثر من سبعين عامًا، من أجل إعلاء شأن البحث العلمي، ولا ننسى أنه كان وديع القلب، حلو المعشر، محبًّا للخير، حباه الله بعقل منظَّم، وذاكرة لاقطة، وقريحة وقّادة؛ كانت تمكِّنه من تلخيص البحوث، وتحديد أهم عناصرها وأبرز نقاطها فور الانتهاء من إلقائها. تغمَّده الله بواسع رحمته، وعظَّم أجره، جزاء ما قدَّم من علم للوطن وللإنسانية.
وفي ختام كلمتها قدَّمت الدكتورة وفاء الشكر والعرفان لأعضاء المجمع، سدنة الفصحى، الذين توَّجوها بثقتهم، وشرَّفوها بانتخابهم لها زميلة في هذا الصرح الشامخ من صروح العربية، سائلة الله العونَ على استحقاق هذه الثقة، والمؤازرة في الاضطلاع بتكاليف هذا الشرف العظيم.
والجدير بالذكر أن الدكتورة وفاء من أولى المجمعيات انضمامًا لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، والذي بادر بدوره أ.د./ عبد العزيز بن علي الحربي رئيس المجمع بتهنئتها على الفوز بعضوية بمجمع الخالدين بوطنها مصر؛ فهي تنضم لأكبر جبهة من العلماء العاملين على خدمة العربية، داعيًا الله لها بمزيد من التقدم، وأن يتم الله عليها فضله ونعمته.
الدكتورة وفاء كامل مع الأمين العام للمجمع الشاعر فاروق شوشة



