السائل (حسام الدين): السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
في البداية أشكر القائمين علي هذا المجمع و جزى الله خيرا على من يقوم بالرد على أسئلتنا و إنشغالاتنا و سؤالي هو كيف يتم التعبير و ترجمة الأفعال في لغة أجنبية مثل اللغة الفرنسية بمختلف الازمنة و الصيغ إلي اللغة العربية مع ذكر الفروق الدقيقة بين هذه الاستعمالات
الإجابة:
الحَقيقةُ أنّ موضوعَ الزّمَن في اللغات الطّبيعيّة عامّةً وفي اللغة العربيّة على الخُصوص، ظاهرةٌ معقّدةٌ يدخلُ
في تشكيلها عَناصرُ متنوّعةٌ، منها العلاماتُ النّحويّةُ الصّرفيّةُ ومنها العلاماتُ المنطقيّةُ الطّبيعيّةُ .
* الزّمنُ في اللغاتِ الطّبيعيّةِ مفهومٌ نحويٌّ أولاً وقبل كلّ شيءٍ ،
* وله لفظٌ ذو مظهرٍ صرفيٍّ ؛ إذ يدلّ الفعلُ على زمنه بصيغتِه الصّرفيّةِ
* ولا يُفهَمُ المَعْنى الزّمنيّ الدّقيقُ إلاّ بتوضُّعِ اللفظِ الدّالّ على الزّمن، في سياقِ التّركيبِ
* تتكوّنُ دلالةُ الزّمن في سياقِ الكَلامِ من تداخُل الصيغ فتجد الصيغةَ الدّالّةَ على المُضيّ تدلّ على الاستمرارِ
ومعنى هذا أنّ مرجعَ فهم الزّمن ليسَ صيغة الفعل الصّرفيّة وحدها ، ولكنّها الصيغة مُركّبةً في سياق الجملةِ،
لم يخصّص النحاةُ القُدماءُ بابا لموضوع الزّمَن النّحويّ، ولكنّ ملاحظاتِهِم عنه جاءت متفرّقةً في أبوابٍ كثيرة،
لأنّه لم يكن باباً رئيساً من أبوابِ النّحو؛ فإنّك تجد مباحثَ الزّمن موزَّعةً على الأفعال والمشتقّات والنّواسخ
وظروفِ الزَّمانِ …
خُذْ تَعريفَ الفعلِ مثلاً : فهو لا ينفكّ عن محتواه الزّمنيّ؛ فقد عرّفَه سيبويهِ بقولِه: « وأمّا الفعلُ فأمثلةٌ أخِذتْ
من لفظِ أحداثِ الأسماء [أي أخِذت من المصادر] وبُنِيت لِما مَضى ولِما يكونُ ولم يَقَعْ وما هو كائنٌ لم ينقطعْ… »
وعرّفَه ابنُ يعيش في شرحِ المفصّل بأنّه: « ما دلّ على اقتِرانِ حدَثٍ بزمان»
أمّا عن ترجمة الزّمان من لغة أجنبيّة إلى اللّغة العربيّة فلا يَكادُ يختلفُ إشكالُ ترجمة المفاهيم والأفكارِ عن
إشكالِ التّرحمَة عامّةً؛ فالعبرَةُ في النقلِ والتّرجمَة إنّما تَكونُ بالمَعْنى المفهوم من عُموم التّركيب وليس بالصيغ
الصّرفيّة وحدَها؛ فلا يُعزى لصورة اللفظِ وصيغتِه فضيلةُ بمعزل عن سياق الكَلام وفَحْواه ومقاصد المتكلم منه. وفي
ذلكَ مُخالَفَةٌ صريحةٌ لما كانَ عليه منهجُ النحويّينَ العربِ عندَما دافَعوا عن الفروق الزمنيّة بناء على اختلاف الصيغ
الصرفية؛ وكأنّ الأبنيةَ أسس وقواعدُ لاختلاف الأزمنة،
وعليْه فالعبرةُ في التّرجمَة بترجمَة المَعْنى قبل اللّفظ؛ ويُعتَمَدُ استخراجُ معنى الزّمن في التّركيبِ الأجنبيّ على
الجهةِ التي يُشيرُ إليْها هذا الزّمنُ ؛ أهي جهةٌ من جهاتِ المُضيّ: ماضٍ بعيد أو قريبٌ أو وسطٌ ، أم جهةٌ من جهاتِ
الحُضور. ومن الجهات أيضاً الماضي المستمرُّ والماضي المنقطعُ ، هذاعن المضيّ ، ثمّ يأتي الحُضورُ وله جهاتٌ ،
ثمّ الاستقبالُ وله جهاتٌ، ثمّ الزّمنُ الافتراضيّ الذي يدخلُ في حيّز الممكنِ ولكنّه لم يقَعْ … ولكلّ مَعْنىً صيغةٌ أو
تركيبٌ يُعبّرُ عنه
فائدةٌ تُضافُ إلى مسألة التقسيم الزّمنيّ في اللّغة العربيّة ،
الجَوابُ الذي تفضّلَ به الأخ الكريمُ توجدُ عناصرُ كثيرةٌ منه عند علماءِ العربيّة يُمكن استثمارُها :
فقَد درَجَ النحويونَ العربُ على تقسيم أزمنة الفعل إلى ثلاثةِ أقْسامٍ: ماضٍ وحاضر ومُستقْبَل، ويُجمعُ الحاضر والمُستقْبَلُ في صيغة
صرفيّة واحدة هي التي سمّوها المُضارع، ولكنّ أكثرَهُم لم يستوعبوا التّقسيمَ الزّمنيّ الطّبيعيّ الذي أتى به سيبويه، في قولِه :
«وأمّا الفعلُ فأمثلةٌ أخِذتْ من لفظِ أحداثِ الأسماء [أي أخِذت من المصادر] وبُنِيت لِما مَضى ولِما يكونُ ولم يَقَعْ وما هو كائنٌ لم ينقطعْ…»
وعبارةُ سيبويه في حَدِّ الفعلِ فقد بَلغتْ عندَ عبدِ القاهِر الجُرجانيّ الغايةَ في البيانِ والدِّقَّةَ في النّظمِ، ولكنّه لم يُبَيِّنْ مَأتى حُكْمِه على
عبارة سيبويه ولم يُفَصِّلْ في ذلك. وظهرَ أنّ النحاةَ أهْمَلوا زمناً بعينه يمكنُ تسميته بالزّمنِ المبهَمِ المطلَقِ المُعَلَّقِ، في عبارَة سيبويْه:
ما يَكونُ ولم يَقَعْ .
وسببُ كونِ عبارةِ سيبويه جامعةً مُبَيِّنَةً أنه يُحيلُ في تعريف الزَّمن إلى الواقع والأمثلةِ لا على كُلّيّاتٍ ذِهنيةٍ منطقيّة، وجاءت أزْمِنَتُه لُغويةً
طبيعيةً لا فلسفيةً نظريةً. وقد انفرَدَ أبو القاسِم ابنُ سَعيد المؤدِّبُ [1] (ت.835هـ) فيما يُعْلَمُ، بتقسيم للماضي إلى ثلاثةِ أنواعٍ: نَصّ ومُمَثَّل
وراهِن. فالنصُّ ما وافَقَ لفظُه لَفظَ الماضي ومَعناه مَعْناه. والمُمَثَّلُ ما كانَ لفظُه لفظَ الماضي ومَعْناه لِمُسْتَقْبَلِ الزّمانِ ومُسْتأنَفِه، نحو قولِه
تعالى: (أتى أمرُ لله فَلا تَسْتَعْجِلوه) أي يَأتي، والرّاهنُ المُقيمُ على حالة واحدةٍ، مثل قوله تعالى: (وكانَ الله عَلى كُلِّ شيء قَديراً) .
وظَهرَ من تقسيمِه هذا الذي يجري على ما عليه لسانُ العرب أن بعضَه موافقٌ لبعض ما جاءَ في تعريف سيبويه، ذلك أن الرّاهنَ عند أبي
القاسم المؤدِّبِ مُوافقٌ للكائن الذي لم ينقطعْ عند سيبويه، لأن المُقيمَ على حالة واحدةٍ، غَيْرَ مُتأثر بزمانٍ معينٍ، مُتّصلٌ غيرُ مُنقطعٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] دَقائق التَّصريف وعِلَلُه لأبي القاسِم بنِ سَعيد المؤدِّب، تحقيق: محمد سليم الهزاع، بحث ماجستير مرقون بكلية الآداب،
الرياض، 1401-1981.
وقَد انتقَدَ الأستاذُ محمّد محمود شاكِر رحمه الله، في مَقالَتِه “رِسالَة في الطّريقِ إلى ثَقافَتِنا” التي نُشِرَت
بِمُقدّمةِ كتابه “المتنبي” (ص:10-11-12-13) عبدَ القاهر في عَدمِ إيضاحِه لعِبارةِ سيبويه، وأبا سَعيدٍ السِّيرافيَّ
والنحاةَ بعدَه فيما دَرَجوا عليه من تقسيمِ زَمانِ الفعلِ إلى ماض وحاضرٍ ومستقبلٍ لا غَيرُ، وقد قَدّمَ ذ. محمود
شاكِر تَفسيراً لعبارة سيبويه في أزمنة الفعلِ عَدّه هو أولَ بَيانٍ عن جميعِ تلك العبارةِ بلا إغفال لشيء منها
كما أغفلوه. فذهب إلى أن ما أرادَه سيبويه من أمثلَتِه بَيانُ الأزمنةِ التيتقترن بهذه الأمثلةِ كيفَ هي في لسانِ
العرب، فجَعَلَها ثلاثةَ أزمنةٍ: فالزمنُ الأول هو المقترنُ بالفعلِ الماضي الذي يدلُّ على فِعْلٍ وَقَعَ قَبلَ زَمنِ الإخبارِ به،
ويخرجُ ما وَرَدَ على مثال الماضي ولا يُرادُ به المُضِيُّ. وأما الزَّمنُ الثاني وهو “ما يَكونُ ولم يَقعْ” فهو المقترِنُ بزَمنٍ
مُبْهَمٍ مُطلَقٍ مُعَلَّقٍ لا يَدُلُّ عَلى حاضرٍ ولا مُستقبلٍ لأنه لم يقعْ بَعدُ ولكنه كائن عند نفاذ الفعل من المأمور به،
كقولك: اُخْرجْ ولا تخرجْ. فقدْ سُلِبَ هذا الضّربُ الدّلالةَ على الحاضرِ والمستقبَلِ لأنه لم يقعْ ولكنّه كائنٌ بالأمرِ
والنّهيِ، ومثلُه: قاتلُ النفسِ يُقْتَلُ والزّاني المحصَنُ يُرجَمُ. فهذا زَمنٌ مُبهَمٌ مُطلقٌ مُعَلَّقٌ لم يَقعْ عند الإخبار به،
ولكنّه مُعَلَّقٌ بحدوثِ غيرِه، ويدخلُ فيه الدعاءُ (غَفَرَ الله لك) لأنه رَجاءٌ بالدُّعاء أن يَقَعَ. أما الثالثُ “فما هو كائن
لم ينقطعْ”، فهو خبرٌ عنْ حَدَثٍ كائنٍ حينَ تُخبرُ به لم يَنقطعْ بَعدَ مُضيِّ الحالِ إلى الاستقبالِ. ويُلحَقُ به ما كانَ
على بناءِ الماضي ولكنّه كائنٌ أبداً لا انقطاعَ له كَما في قوله تعالى: {وكانَ الله غفوراً رَحيماً}.
أ.د. عبد الرحمن بودرع
نائب رئيس المجمع
