السائل (شهاب):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فقد سمعنا من يحذر منه ومن فكره ..نرجوا الإفادة وجزاكم الله خيرا .
المستشرِقين ، فشكَّ في الشّعرِ الجاهليّ وذكَر أنّ أكثرَه مَنْحولٌ وضعَه الوَضّاعونَ
وتوسّل في شكِّه بمنهج ديكارْت وفلسفتِه التي كانَت مطيّةَ المثقّفينَ الجُدُدِ الذين
ثاروا على الأزهَر ومناهجِه وشُيوخه ، وألّفَ عقبَ حملتِه هذه كتابَه الأوّلَ: في الشّعر
الجاهليّ فأثارَ به زوبَعةً وفتناً ؛ لأنّه سلّطَ منهج الشّكّ على قيم الأدب والتّراثِ كلِّها
و في ذلك هَدمٌ للقِيَم وتَمْهيدٌ للطّعنِ و المَحْوِ ، ولكنّ عُلَماءَ الأزهَرِ تصدّوا لَه وبيّنوا
تَهافُتَ حُججِه وأدلّتِه التي غلَبَ على أكثرِها الظّنّ على اليقينِ والنّظَرُ على النّقلِ
فتَراجَعَ عمّا كتبَ وعدّل في فُصولِ كتابِه فأصبح : في الأدب الجاهليّ ، وإن لم يَسْلَمْ
هذا الكتابُ نفسُه من أنْفاسِ الشّكّ الجامحِ الذي يطعنُ على قيمِ الأمّةِ ، ولكنّ
الأستاذَ كانَ كلّما تقدّمَ به السّنُّ تراجَعَ عن بعض ما كانَ يزعُمُه يقينيّاتٍ في منهجه
الشّاكّ. غير أنّ حديثَه عن الأدبِ في كتابِه الثّاني وفي حديثِ الأربعاء ومن حديث الشّعر
والنّثر ومُستقْبَل الثّقافَة في مصر، وغيرِ ذلِكهل أتى بجديدٍ يُحسَبُ له حسابُه ويُعدُّ إضافةً نوعيّةً وكَشفاً في تراثِ الأمّةِ؛ الحقيقةُ
أنّ كبارَ الرّواةِ ونُقّادِ الشّعرِ العربِ القُدامى كابنِ سَلاّم الجُمَحيّ والأصمعيّ وأبي عَمرو بنِ
العلاءِ وغيرهِم، تركوا لنا مُصنّفاتٍ ما زالَ الناسُ يَرجِعونَ إليْها في تعديلِ الرّواةِ ، رواةِ الشّعرِ ،
و في الموازنَةِ بين الأشعارِ ، وفي نسبَةِ الأقوالِ إلى قائليها، وفي معرفة صحيحِ الشّعرِ من
مَنْحولِه وحقيقيِّه من زائفِهفما ذا أضاف د.طه حسين ؟ أضافَ أسلوباً مبسّطاً مُغرياً سلساً عذباً ساحراً يأخذُ
بألبابِ القُرّاءِ الشّبابِ المُعاصِرين. غير أنّ كثيراً من الباحثين َالمُحدَثين يأبى إلاّ أن
ينسبَ إلى د.طه حسين أنّه جَدَّدَ في مناهج البحثِ في الأدب فأدخَلَ المنهج التّاريخيّ
و نسبوا إليْه أيضاً التّجديدَ في النّقدِ الأدبيّ وفي الثّقافَة العربيّةِ على وجه العُموم
طه حُسيْن في ميزانِ العُلَماءِ والأدباء،
أعدّه وقدّم له وعلّقَ على ما فيه: محمود مهدي الإستانبولي
المكتب الإسلامي، بيروت، ط.1، 1403هـ/1983م
والكتاب في ثلاثٍ وسبعينَ وستّمائةِ صفحةٍوقد ضمّ هذا الكتابُ بين دفّتَيْه ما كتَبَه النّقّادُ والأدباءُ والعلماءُ عن د.طه حسين
من مُعاصِريه و مَن جاءَ بعدَه مثل: مصطفى صادق الرّافعيّ وعبد القادِر المازنيّ
ومحمد الخضر حسين وعباس فضلي وأنور الجندي ومنير نصيف وفؤاد حسنين
علي ومحمد الدسوقي و أحمد محمّد جَمال ومحمد محمد حسين وحسن البنا
ومحمد أحمد الغمراوي
أمّا النّصّ الذي تعرّضَ فيه عبد القادر المازني لنقد طه حسين فعنوانُه:
« طه حسين في ميزان التّشكيك، تحقيق شخصيّته بطريقتِه» ص: 337-341
وسياقُ كلام المازنيّ هو حوارٌ جمعَ بينه وبين عبّاس محمود العقّاد، رحمهم الله
جميعاً، تذاكرا فيه “حديث الأربعاء” و صاحبَه واستطْرَدا إلى طريقتِه في البحث
والتّحقيق العلميّ فقال الأستاذ العقّاد : « عن أيّ شيْء يُسفرُ البحثُ يا تُرى ،
لو نسجْنا على منوالِ الدّكتور فيما كتَبَه عن المجنون ؟ إنّه لا يَبْقى منه شيْءٌ
كَما لم يُبْقِ هو شيْئاً من المَجنون »
قال المازني : « والحقَّ أقول انّ مُقترَحَ العقّادِ راقَني … » و مَضى المازنيّ في
افتِراضِه الممتع الذي طبّقَ فيه منهج الشّكّ الدّيكارتيّ على طه حسين نفسِه ،
وانتهى به المَطافُ إلى إنكارِ الطّريقَة التي تناول بِها د.طه حسين عددا من الشعراء
والأدباءِ القدماء
و قد جاءَ بعدَ هذا المقالِ المُشارِ إليه أعْلاه ، أي
« طه حسين في ميزان التّشكيك، تحقيق شخصيّته بطريقتِه» ص: 337-341
مقالٌ قريبٌ منه، عنوانُه: « طه حسين بمنهجِ ديكارت » كتبَه الدّكتور محمّد أحمد الغمراوي، ص:342
خرَج فيه الكاتبُ بنتيجةٍ مفادُها أنّ طه حسين زَعَمَ لنا في كتاباتِه حول الشعراءِ
والرّواةِ القُدَماءِ أنّه سيطبّق منهج الشّكّ الدّيكارتي في بحثِه ، ولكنّه لم يُبيّن لنا شيئاً
من هذا المنهج ، بل حاد عن كلّ منهج إلاّ طريقِ الإنكارِ والسّلبِ ، و أنّه لم يكن يَدْري
تماماً المنهجَ الذي سيسلُكه في بحثِه، والحيادُ عن كلّ منهجٍ في البحثِ لا يُعدّ منهجاً.
أ.د. عبد الرحمن بودرع
نائب رئيس المجمع
