يضعُ كثيرٌ من الكُتّابِ اللسانيين المُحدَثينَ مصطلَحاتٍ جديدَةً ويعقدون نصفَ الكتابِ أو ثُلُثَه
أو رُبُعَه للدّفاعِ عن وضْعِهِم لمصطلح جديد ، على النّحوِ الذي وَضَعوه به أو ترجَموه عليْه
و يظلّ المصطلَحُ إشكالاً كبيراً لأنّه في الأصلِ أداةٌ لتعريفِ ما تَحْتَه ، فإذا تحوّلَ هو
نفسُه إلى غايةٍ تَحْتاجُ إلى تعريفٍ فهنا يبدأ الإشكالُ، لأنّه يُفتَرَضُ أن يُصاغَ المُصطلَحُ
صياغةً متوافقةً والمَعارِفَ الصرفيّةَ والاشتقاقيّةَ المعلومَةَ في اللغة، فإذا حادَت صياغَةُ
المصطلَحِ عن تلك المَعارِفِ المَعْلومَة بالضّرورَةِ عند أصحابِها خَرَجْنا إلى دائرةٍ أخرى
وهي الْتباسُ المُصطلَح ambiguity ، وحاجَتُه إلى أن يُعرَّفَ. ويُصبِحُ الكتابُ يدورُ حولَ
شرحِ المُصطَلَح أكثَر ممّا يَدورُ حولَ ما يندرِجُ تَحْتَه من مَفاهيمَ ولَن يَكونَ الكتابُ ممّا يُقرأ
من عُنوانِه بل يَحتاجُ العنوانُ إلى عنوانٍ وإذاتَعَدّدت المؤلَّفاتُ التي تَحملُ مثلَ هذا الإشْكالِ
الاصْطلاحيّ أصْبَحْنا في حاجَةٍ إلى مَخْرَجٍ من هذا الدّورِ والتسلسُلِ وهو أن يَدورُ اللفظُ
الأجنبيُّ مع المُصطَلَحِ الغريبِ حيثُ دارَ فيكونُ هذا الأصلُ الأجنبيُّ سَنَداً وموئلاً للقارئِ
لكي يَفْهَمَ.
(2)
وأضرِبُ على ذلِك مثالاً من عَناوينِ بعضِ الكُتُبِ ، وهو مُصطَلَح “البرنامَج الأدنويّ”
الذي أطلَقَه كثيرٌ من الباحثينَ اللسانيين المَغارِبَة
وهذا الإطلاقُ فيه شيءٌ من عدم التّحرّي في صياغة المصطلحات الصّياغةَ القياسيّة
التي تولّد المصطلح في القالب الصّرفي المتداول في اللغة العربية، حتّى يتمكّن القارئ
والمتخصّص والمستفيد، من أن يفهم المصطلح ويتفاعل معه وتزول بينه وبينه حواجز
القطيعة، ويتجلّى هذا الإلباس والتغميض في اختيارهم لكلمة البرنامج الأدنوي
في مقابل (Minimalist Program) ظانّين أنّ الزّيادة المورفيميّة (ist)تقابلها
في العربية (زيادة واو قبل ياء النسبة)وهذا ضرب من التعمية والتغميض والإلباس
على القارئ، وقد وقع بعضُ الباحثينَ في هذا المزلق، ولا أجد أبسط من اللجوء إلى الاصطلاح
البسيط (البرنامج الأدنى) أو اختيار اصطلاح آخر مستوحى من التراث البلاغي العربي،
هو مصطلح الاختصار والاقتصار، مثل (برنامج الاختصار والاقتصار) الذي اقترحه أحدُ الباحثينَ
في دراسته المبكّرة للبرنامج الأدنى، من خلال كتابِه
«قِراءاتٌ في اللِّسانِيّاتِ التَّوْليدِيَّةِ: مِنَ الْعامِلِيَّةِ والرَّبْطِ إِلى الْبَرْنامَجِ الأَدْنى، د.رشيد بوزيان
نشر نادكوم 1999 » وهي قراءة أوليّة رصدت للبدايات الأولى للبرنامج،
ويهمّنا من القضية في هذا الكتاب مسألة الاصطلاح.
(3)
والغريب في البحث اللساني عند كثيرٍ من الباحثينَ الجُدد أنهُم يَجْعَلونَ
ما يكتُبونَ أصْلاً تدورُ حولَه المناقَشاتُ و مركَزاً للتفكيرِ و قلّما يلتفتُ
كثيرٌ منهم إلى أنّه جزءٌ من كلّ وأنّه إنّما وَضَعَ لَبِنَةً في بناءٍ و لم يأتِ
في العلمِ بما لَن تَسْتَطِعْه الأوائلُ ، و محوريّةُ الذّاتِ في البحث العلميّ
عندَ كثيرٍ من الباحثينَ آفةٌ من آفاتِ البحثِ العلميّ وعائقٌ معرفِيٌّ ينبغي
التّخلُّصُ منه لإتاحَةِ نشرِ المعْرِفَةِ سواء كانت معرفةً لسانيّةً أو فلسفيّةً
أو إنسانيةً عموماً
للأسفِ الشّديد هُناكَ عيّنَةٌ من الكتاباتِ اللسانيّة المُعاصرَة يَدّعي أصحابُها
أنّهم قَد أتَوا فيها بفتحٍ جَديدٍ في اللسانياتِ العربيّة الحَديثَةِ ، لا لشيْءٍ
إلاّ لأنّها صادَفَت مستوى التّلقّي لدى القُرّاءِ يعيشُ أزمَةَ فَراغٍ وعَدَمِ فَهْمٍ أمامَ
فَوْضى المُصطَلَحِ فأخَذَ كلُّ باحثٍ يُغرِّدُ وَحْدَه خارِجَ السِّرْبِ، وغَلَبَت عليْه المحوريّةُ
في الخِطابِ والوُثوقيّةُ في التّفكيرِ.
(4)
أمّا فيما يتعلّقُ بالمُصطَلَحات اللسانيّةِ الغربيّة فالإشكالُ الوارِدُ عندَنا
في الكتاباتِ اللسانة العربيّة أنّها تَبَعٌ للتفكيرِ اللساني الغربيّ ومُصطَلَحاتُها
تَبَعٌ لمُصطلحاتِه، فإذا قالَ شومسكي minimalist program أضفْنا في نَقْلِ المُصطَلَحِ
ما أضافَ من زوائدَ، وإذا حَذَفَ حَذَفْنا ، ثُمّ أتيْنا بالمُسوِّغاتِ على صحّةِ ما نَفْعَلُ
لكي نضمنَ المُطابَقَةَ التّامّةَ في التبعيّة، وكأنّنا ضَرْبٌ من الصَّحافَةِ اللسانيّة ، التي
تنتظرُ صدورَ الجديدِ في دِيارِ الغربِ لكي نُعرِّفَ بِه ونقدِّمَه للقارئِ ونُدافعَ عنه وعن
طريقةِ تَقْديمِنا له للقارئِ العربيّ ، الذي نَعْلمُ سَلَفاً أنّه قليلُ الخبْرَةِ
بالثّقافَةِ اللّسانيّةِ الحَديثَةِ ، ومن ثَمّ فَسيكون قَليلَ الاعْتراضِ على هَفواتِنا
و ذاتياتِنا ،ولعلّ هذا يُعدُّ سَبباً من أسبابِ إخْفاقِ تجْرِبَةِ التّحديثِ في الثّقافَة
اللّسانيّةِ العربيّةِ ، مع العلم أنّ التّحديثَ والحَداثَةَ مُقترِنانِ بالإبْداعِ الأصيلِ ، ونحنُ
ما زِلْنا مُقلِّدَةً للكتابَةِ اللسانيّةِ الغربيّةِ في المنهَجِ والمُصطَلَحِ
