السُّؤالُ اسْتِفْهامٌ بَيانِيٌّ يوضِحُ الْعُنْصُرَ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ أَوِ الْمُرادَ مَعْرِفَتُهُ، فَيَكونُ هذا الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ حَظِيّاً بِعِنايَةِ الْمُتَكَلِّمِ و اهْتِمامِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ عَناصِرِ الْجُمْلَةِ .
و مِنَ الأَمْثِلَةِ عَلى هذا الْمَنْهَجِ – في كتاب سيبويه – ما جاءَ في ,,بابِ ما يَكونُ مِنَ الْمَصادِرِ مَفْعولاً،، «و إِنَّما يَجيءُ ذلِكَ عَلى أَنْ تُبَيِّنَ أَيَّ فِعْلٍ فَعَلْتَ أَوْ تَوْكيداً . فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُكَ عَلى قَوْلِ السّائِلِ: ”أَيَّ سَيْرٍ سيرَ عَلَيْهِ ؟” فَتَقول : ”سيرَ عَلَيْهِ سَيْرٌ شَديدٌ” … فَأَجْرَيْتَهُ مَفْعولاً، والْفِعْلُ لَهُ ». و مَعْلومٌ ههُنا أَنَّ الاسْتِفْهامَ تَصْويرٌ لأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ و بَيانٌ لأَصْلِ اللَّفْظِ . وقَدْ وَرَدَ اللَّفْظُ الْمُرادُ مَعْرِفَتُهُ بَياناً لِنَوْعِ الْفِعْلِ الْواقِعِ . « تَقولُ عَلى قَوْلِ السّائِلِ ”كَمْ ضَرْبَةً ضُرِبَ بِهِ ؟” ، و لَيْسَ في هذا إِضْمارُ شَيْءٍ سِوى “كَمْ”، و المَفْعولُ “كَمْ”، فَتَقولُ ”ضُرِبَ بِهِ ضَرْبَتانِ” ، وَ ”سيرَ عَلَيْهِ سَيْرَتانِ” ، لأَنَّهُ أَرادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْعِدَّةَ ، فَجَرى عَلى سَعَةِ الْكَلامِ و الاخْتِصارِ » . و الاسْتِفْهامُ إِثارَةٌ لِمَعْدِنِ الْمَعْنى الْمُرادِ بَيانُهُ، والْمَعْنى ههُنا مَعْرِفَةُ عِدَّةِ الْمَفْعولِ الْواقِعِ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ( ضُرِبَ بِهِ ضَرْبَتانِ ) .
و مِمّا جاءَ في هذا الْمَنْهَجِ ما وَرَدَ في « بابِ وُقوعِ الأَسْماءِ ظُروفاً وتَصْحيح اللَّفْظِ عَلى الْمَعْنى. فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُكَ ”مَتى يُسارُ عَلَيْهِ ؟” و هُوَ يَجْعَلُهُ ظَرْفاً ، فَيَقولُ : اليَوْمَ أَوْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ…». فَالاسْتِفْهامُ في الْمِثالِ واقِعٌ عَلى زَمانِ الْفِعْلِ، واللَّفْظُ الذي يَحْمِلُ عِنايَةَ الْمُتَكَلِّمِ واهْتِمامَهُ هُوَ الدّالُّ عَلى الزَّمانِ .
و مِنَ الأَمْثِلَةِ عَلى الْبَيانِ المَذْكورِ ما وَرَدَ في الْمُخْتَصِّ بِالْمَدْحِ، وذلِكَ نَحْو ”عَبْدُ اللّهِ نِعْمَ الرَّجُلُ” … كَأَنَّهُ قالَ ”نِعْمَ الرَّجُلُ” فَقيلَ لَهُ : ”مَنْ هُوَ ؟” فَقالَ: ”عَبْدُ اللّهِ” . و إِذا قالَ ”عَبْدُ اللّهِ” فَكَأَنَّهُ قيلَ لَهُ: ”ما شَأْنُهُ ؟” فَقالَ : ”نِعْمَ الرَّجُلُ” . فَنِعْمَ تَكونُ مَرَّةً عامِلَةً في مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ… وتَكونُ مَرَّةً أُخْرى تَعْمَلُ في مُظْهَرٍ لا تُجاوِزُهُ … » . وهكَذا فَإِنَّ مَنْهَجَ السُّؤالِ يُبَيِّنُ مَعْنى الْجُمْلَةِ بِتَصَوُّرِها جَواباً، وذلِكَ لأَنَّ السُّؤالَ (( يَهْمِزُ )) اللَّفْظَ الْواقِعَ عَلَيْهِ الاهْتِمامُ و (( يَنْبرُهُ )) و يُرَكِّزُ عَلى جِهَةِ الْعِنايَةِ فيهِ . و مِنَ الأَمْثِلَةِ أَيْضاً ما وَرَدَ في بابِ ما تَسْتَوي فيهِ الْحُروفُ الْخَمْسَةُ ، و ذلِكَ نَحْو ”إِنَّ زَيْداً مُنْطَلِقٌ الْعاقِلُ اللَّبيبُ”. « فَـ”الْعاقِلُ اللَّبيبُ” يَرْتَفِعُ عَلى وَجْهَيْنِ : عَلى الاسْمِ الْمُضْمَرِ في “مُنْطَلِق” كَأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ ، فَيَصيرُ كَقَوْلِكَ ”مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ” إِذا أَرَدْتَ جَوابَ ”بِمَنْ مَرَرْتَ ؟” فَكَأَنَّهُ قيلَ لَهُ: ”مَنْ يَنْطَلِقُ ؟” فَقالَ : ”زَيْدٌ الْعاقِلُ اللَّبيبُ” و إِنْ شاءَ رَفَعَهُ عَلى ”مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ” إِذا كانَ جَوابَ ”مَنْ هُوَ ؟”، فَتَقولُ ”زَيْدٌ”، كَأَنَّهُ قيلَ لَهُ ”مَنْ هُوَ ؟” فَقالَ ”الْعاقِلُ اللَّبيبُ” »
فَالْجُمْلَةُ مُتَصَوَّرَةٌ واقِعَةً في سِياقٍ مُعَيَّنٍ لا مُنْقَطِعَةً عَنْهُ . و جِهاتُ الرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ في الاسْمِ جِهاتٌ إِعْرابِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ – في إِفادَتِها لِلْمَعْنى – بِالسِّياقِ و مَقاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ . و الذي يَكْشِفُ عَنِ السِّياقِ هُوَ رَجْعُ الْكَلامِ إِلى أَصْلِهِ في الْمَسْأَلَةِ ، فَتَظْهَرُ الْجُمْلَةُ مُنْتَهى سِلْسِلَةٍ مِنَ الْكَلامِ ، يَعْمَلُ عَلى إِنْجازِها الْمُتَكَلِّمُ و الْمُخاطَبُ أَوِ السّائِلُ وَالْمُجيبُ .
و مِثْلُهُ « قَوْلُكَ ”إِنَّ الذي في الدّارِ أَخوكَ قائِماً” كَأَنَّهُ قالَ : ”مَنِ الذي في الدّارِ ؟” فَقالَ : ”إِنَّ الذي في الدّارِ أَخوكَ قائِماً” … » .
و مِمّا وَرَدَ فيهِ السُّؤالُ مُفَسِّراً الإِضْمارَ أَوِ الْحَذْفَ في الْجَوابِ ، فَظَهَرَ السُّؤالُ كَأَنَّهُ كَلامٌ سابِقٌ أَوْ دَليلٌ مِنَ الْحالِ ، ما حَدَّثَ بِهِ أَبو الْخَطّابِ الأَخْفشُ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْعَرَبِ وقيلَ لَهُ : ”لِمَ أَفْسَدْتُمْ مَكانَكُمْ هذا ؟” فَقالَ : ”الصِّبْيانَ بِأَبي” ، كَأَنَّهُ حَذِرَ أَنْ يُلامَ فَقالَ : ”لُمِ الصِّبْيانَ !” » . فَعِبارَةُ الْجَوابِ [ الصِّبْيانَ بِأَبي ] لا يَفْهَمُ لَها الْمُخاطَبُ مَعْنىً إِلاّ إِذا رَتَّبَها عَلى سُؤالٍ سابِقٍ مُوَطِّئٍ ، أَيْ إِذا أَوْرَدَها في تَرْتيبِ الْكَلامِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَكَلِّمِ . وأَمّا النّاظِرُ النَّحْوِيُّ ، فَإِنَّهُ لا يُعْرِبُ وَجْهَ النَّصْبِ ، إِلاّ بِتَقَديرِ ناصِبٍ يُمْليهِ سِياقُ الْحالِ، ويُرَجِّحُهُ .
و مِمّا يُفْتَرَضُ الْكَلامُ فيهِ جَواباً مِنَ الْمُخاطَبِ عَنْ سُؤالٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ فَيَكونُ الْخِطابُ مُنَزَّلاً بَيْنَهُما قَوْلُهُ ”مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ مُسْلِمٍ و كافِرٍ” جَمَعْتَ الاسْمَ و فَرَّقْتَ النَّعْتَ ، وإِنْ شِئْتَ كانَ الْمُسْلِمُ و الْكافِرُ بَدَلاً، كَأَنَّهُ أَجابَ مَنْ قالَ ”بِأَيِّ ضَرْبٍ مَرَرْتَ؟” وإِنْ شاءَ رَفَعَ كَأَنَّهُ أَجابَ مَنْ قالَ ”فَما هُما؟” فَالْكَلامُ عَلى هذا وإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ الْمُخاطَبُ، لأَنَّهُ إِنَّما يَجْري كَلامُهُ عَلى قَدْرِ مَسْأَلَتِكَ عِنْدَهُ لَوْ سَأَلْتَهُ » .
و’’افْتِراضُ الْكَلامِ جَواباً،، هُوَ تَقْديرُ ’’بِنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ،، ماثِلَةٍ خَلْفَ ’’الْبِنْيَةِ اللَّفْظِيَّةِ،، و كاشِفَةٍ عَنْ نِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ و قَصْدِهِ إِلى جِهَةٍ في الْمَعْنى . و مِمّا جاءَ في هذا الْمَعْنى أَيْضاً قَوْلُهُ: « و قَدْ يَجوزُ أَنْ تَقولَ ”مَرَرْتُ بِقَوْمِكَ، الْكِرامَ” إِذا جَعَلْتَ الْمُخاطَبَ كَأَنَّهُ قَدْ عَرَفَهُمْ، كَما قالَ ”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ زَيْدٌ” فَتُنَزِّلُهُ مَنْزِلَةَ مَنْ قالَ لَكَ : ”مَنْ هُوَ ؟” و إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ…»
