أوصى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في ختام أعمال دورته الحادية والثمانين برئاسة الدكتور حسن الشافعي رئيس المجمع بضرورة التنسيق بين مجمع اللغة العربية والمجامع اللغوية العربية في مجالات إنتاج المصطلحات العلمية، وصولاً إلى العمل على توحيدها وتسويقها وتعميمها، وربطها بحركة الترجمة، وتعريب العلوم.
وناقش المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة على مدى أسبوعين 22 بحثًا في مجال اللغة في 19 جلسة علمية علنية ومغلقة ضمن مؤتمره، الذي أقيم تحت عنوان “اللغة العربية وعالم المعرفة” بمشاركة باحثين وخبراء العربية واللسانيات من أكثر من 15 دولة عربية وأجنبية.
إنشاء الشهادة الدولية
وحثّ المؤتمر- في ختام أعماله- اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية على المضيّ قدمًا في خطوات إنجاز الشهادة الدولية في اللغة العربية، بوصفها مشروعًا عربيًّا قوميًّا، واتخاذ الخطوات العملية الكفيلة بإنجازها على وجه السرعة، بالتعاون مع الجامعة العربية وبخاصة مؤسسة اليونسكو.
وشدد في توصياته على ضرورة التصدي لظاهرة الازدواجية اللغوية بالعمل على التقريب بين المستويات الفصيحة للغة ومستويات اللهجات، وتضييق الفجوة بين العاميات والفصحى باتخاذ الفصيح في هذه العاميات مدخلاً لبدء تعليم العربية الصحيحة.
كما دعا المؤتمر إلى أهمية إنتاج البرمجيات باللغة العربية وتطوير استخداماتها، والعمل على زيادة نسبة المحتوى الرّقْمي بالعربية على مواقع الشبكة الدولية (الإنترنت) حتى يصبح تعامل الوزارات والمجامع والجامعات والهيئات المختلفة في الدول العربية باللغة العربية، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز مكانة اللغة العربية على الشبكة الدولية في كل مكان من العالم.
وفي الختام ثمَّن المؤتمر القرار الذي اتخذه وزير التعليم العالي بضرورة التزام المدارس الدولية والأجنبية في مصر بمقررات اللغة العربية والتربية الدينية التي تلتزم بها المدارس الحكومية، وأن تكون هذه المدارس تحت الإشراف المباشر لوزارة التربية والتعليم، حتى لا تؤدي إلى تشويه الهوية المصرية والانتساب إلى الثقافة العربية والإسلامية عند النشء المتعلِّم.
من ناحيته قال الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف نائب رئيس المجمع: لقد انعقد هذا المؤتمر على مدار أسبوعين. وكان المؤتمرون من أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة والأعضاء المراسلين من العرب والمستعربين من خارج مصر كلهم اجتمعوا في هذه الفترة. وكان الاجتماع في كل يوم على قسمين: القسم الأول: كان اجتماعًا مغلقًا تُناقش فيه أعمال مجمع القاهرة في لجانه المختلفة والموضوعات التي قدمها هؤلاء الأعضاء في هذه اللجان، والقسم الثاني: كان عن لقاء مفتوحًا يشهده الأعضاء وغيرهم من الذين يُعْنَون بأمر اللغة العربية في هذه اللقاءات المفتوحة؛ تحدث عدد كبير من الأعضاء كلٌّ منهم تناول موضوعًا قد يكون قريب الصلة أو بعيدًا منها على قدر ما من موضوع المؤتمر وهو “اللغة العربية وعالم المعرفة”.
وأكد حماسة على أن عالم المعرفة عالم واسع كثير الأنحاء والأرجاء؛ فإنه على أي نحو كان فإن المعرفة لا تكون إلا باللغة. وقد كانت اللغة هي الوسيلة التي يمكن نقل المعرفة بها في كل منشط من مناشط الحياة؛ ومن هنا فإن الموضوعات كانت مستوعبة من خلال هذا العنوان.
اللغة ناقلة للمعرفة
وفي حديث لـ”لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” أكد الدكتور حافظ شمس الدين عضو المجمع أن اختيار مجمع اللغة العربية عنوانًا لمؤتمره هذا العام يرتبط بالمعرفة جاء موفقًا جدًّا، حيث بات طوفان المعرفة الذي تموج به جنبات العالم هو المسيطر والمهيمن على دول العالم. ومن الطبيعي أن المعرفة لا تنتقل إلى العقول إلا عن طريق الناقل الفاعل وهو اللغة؛ لذلك فإن ارتباط اللغة العربية وعالم المعرفة، يمهد الطريق إلى إبراز قيمة اللغة العربية ويفتح الطريق لتجديد الهواء في رئتها، ويعكس قيمة الإنجازات التي يبدع فيها المبدعون من ناطقي العربية، وتلك خطوة على طريق طويل هدفه أن يتحدث العلم لغة عربية ويعكس معرفة عربية متطورة تنبع من عالم المعرفة.
كما كانت المحاضرات والبحوث التي قُدِّمت في جلسات المؤتمر، معبرة عن الإطار العام لمحور المؤتمر، وكذلك كانت المداخلات معبرة عن فهم وتفهم للموضوعات التي أُثيرت.
ابن سيناء نموذجًا
وفي السياق ذاته أضاف الدكتور سيد رحمن سليمانوف عضو المجمع المراسل من طاجيكستان أن اللغة والمعرفة من قديم الزمن جاءوا متلازمين، وأذكر مثالاً وهو ما جاء به موضوع بحثي متحدثًا عن ابن سينا وهو صاحب إسهامات كبيرة في مجال اللغة العربية وأدبها فكان أحد نوابغ زمنه في الفلسفة والطب والعلوم الأخرى، وأنه لم يترك لنا إرثًا ضخمًا في العلم والفلسفة والطب فحسب بل أسهم إسهامات جليلة في إيجاد وتطوير الآثار الفلسفية؛ حيث عالج المسائل المتعلقة بالفيلولوجية العربية. وكوّن الاصطلاحات العلمية والفلسفية في اللغة العربية والفارسية (التاجيكية) وهذا هو المطلوب اليوم لما له من أهمية قصوى؛ ولذا يقع اسمه بجوار أكبر عظماء المفكرين المشهورين في تاريخ البشرية جمعاء بل يُعدُّ أكبر فيلولوجي في فقه اللغة العربية الذي كوَّن أهم العناصر العلمية في اللغة وهي الاصطلاحات العلمية والفلسفية.
وبدوره أشار الدكتور عبد الفتاح الحجمري مدير مكتب تنسيق التعريب بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( ألكسو) أن الأبحاث اللسانية المعاصرة قد أثبتت أن الولوج إلى عالم المعرفة ليس حكرًا على لغة دون أخرى، وأن تحصيل المعارف غير مقترنٍ بلغة عالمية في مقابل لغات وطنية ومحلية غير ممتلكة لقُدرة الانخراط في قيم العصر. لأجل ذلك، ولكي يكون التخطيط اللغوي ناجعًا ينبغي أن يكون مصحوبًا بسياسة لغوية فاعلة وقادرة على تلبية حاجيات التنمية الوطنية، وترسيم استعمال اللغة العربية في التربية والإعلام والإدارة وشتى مرافق أجهزة الدولة.
كما بيّنت التجارب عدم الجدية في تنفيذ العديد من القرارات والتّوصيات الصّادرة عن الكثير من المؤتمرات والندوات والملتقيات المختلفة، وأن أغلبها ظلّ سجين التقارير ولم يجد سبيلاً للتنفيذ والتطبيق؛ لأن الخيار السّياسي ظل متحكّمًا في تمثل الهندسة اللغوية بِتعدّد مجالاتها الاقتصادية والإعلامية والتعليمية والتقنية.
وفي تصريح لـ”مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” عبر الدكتور محمد بنشريفة عضو المجمع من المغرب عن سعادته بموضوع المؤتمر لهذا العام لأهميته على جميع المستويات قائلاً بمنتهى الصدق والإخلاص: إن هذه الدورة كانت ناجحة والحمد لله؛ كانت ناجحة بالمناقشات والمداخلات والتعليقات، وهذه تكون أحيانًا أكثر فائدة وأعظم نفعًا من البحوث نفسها أحيانًا؛ لأنها تتدارك ما لم يُقَلْ أو ما لم يُكتب في المحاضرات، فتكون الإضافة فيها إضافة نوعية.
وأضاف بنشريفة أننا نعتبر هذه البحوث التي تُقدم ونحملها معنا ذخيرة جديدة نرجع إليها وتصبح مصدرًا من مصادرنا.
وأشار الدكتور علي القاسمي عضو المجمع من العراق إلى أن هذه الدورة تميزت بنشاط وحيوية ملحوظين؛ فقد كان الإعداد لها جيدًا والبحوث التي قُدِّمت فيها قيمة وحكيمة ومحكمة في آن واحد؛ ولهذا خرجت بتوصيات دقيقة، واستجابت وزارة التعليم العالي المصرية لتوصيات العام الماضي؛ ولذا قررت أن تقوم المدارس الأجنبية بتعليم المنهج المصري فيها، خاصة ما يتعلق باللغة العربية والتربية الإسلامية، ونأمل أن يواصل المجمع جهوده في توحيد المصطلحات والتنسيق بين المجامع عن طريق اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، ونتمنى التوفيق لجميع العاملين والمهتمين بخدمة العربية في كل مكان.
وفي تصريح لـ”مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” أشاد الدكتور عمار الطالبي عضو المجمع من الجزائر بما أُلقي في المؤتمر من محاضرات، ولا يجب أن ننسى ترجمة الكتب المهمة في التراث العلمي المعاصر لتعريب العلوم؛ لأننا إذا لم نعرب العلوم في جامعاتنا فإن اللغة العربية ستبقى على الهامش. والطالب لا يستطيع أن يبدع في العلم إلا إذا تلقاه بلغة قومه، إذا رضعها مع لبن أمه؛ لذا لا ينبغي أن نخلط في مراحل التعليم الأولى بين تعلم العربية ولغة أجنبية أخرى؛ فالتلميذ يتذبذب، لا بد أن نعطيه فرصة ليتمكن من لغته أولاً، ثم بعد ذلك يتعلم لغة أجنبية أخرى.
د. محمد حماسة عبداللطيف نائب رئيس مجمع اللغة العربية 
د. علي القاسمي عضو المجمع من العراق
د. عمار الطالبي عضو المجمع من الجزائر متحدثاً لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية




