ومنهم من تَوسّطَ فرأى أنّه لا توجدُ حَداثةٌ مُطْلَقة كلّيةٌ عالميّةٌ، بل الحداثةُ “حداثاتٌ” مُخْتلِفةٌ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والتّجربةِ، ومشروطةٌ بظروفِها، ولذلك يَنبغي مُراعاةُ أثرِ “الخاصِّ” في الثّقافةِ العربيّةِ المعاصرةِ، وهو الأثرُ الذي يَجعلُ من هذه الحداثةِ “حداثةً عربيّةً”؛ لأنّ النّسخَةَ العربيّةَ التي نقلت نّتائجَ الفكرِ الغربيّ الأخيرَةَ لم تُراعِ أنّ لكلِّ فكرٍ مُقَدِّماتِه المنطقيّةَ، واستخْدمَت مُصطلحاتٍ جمَعت بين غرابةِ الاشتِقاقِ وغُرْبَةِ النّقلِ إلى “لغةٍ” جديدةٍ. ورأى هذا التّيارُ أنّنا بحاجةٍ إلى «حداثةٍ حقيقيّةٍ تهزُّ الجُمودَ وتُدَمِّرُ التَّخَلُّفَ وتُحَقِّقُ الاسْتِنارةَ، لكنّها يجبُ أن تَكونَ حَداثَتنا نحنُ، وألاّ تكونَ نُسخَةً شائِهةً من الحَداثةِ الغربيّة» (2).
ترشيدُ الحَداثَة
ونجدُ الطّريقَ السّالكةَ في موقفٍ ثالثٍ، يتميَّزُ عن سابقَيْه بنَقدِ الأُسُسِ التي قامَت عليها الحَداثَةُ العَرَبِيَّةُ خُصوصًا، والحَضارةُ الغَرْبيّةُ على وجهِ العُمومِ (3)، فهي حضارةٌ تقومُ على “العقلانيّةِ”و تفتقرُ إلى “الأخلاقيّة”، وصارَ راسخًا في الأذهانِ بوساطةِ السّيلِ الجارِفِ ممّا تحمِلُه هذه الحَضارةُ الحَديثةُ من أقوالٍ وأفعالٍ، أنّ الأخلاقَ لا تخدمُ إلاّ الضّعفَ في النّفسِ والخذْلانَ في السّلوك، فيَنبَغي إعادةُ صياغةِ هذِه الحَضارةِ بتَسْديدِها بالأسُس الأخلاقيّة، حتّى تهتدِيَ إلى معرفةِ المقاصدِ النّافعةِ، وإسْنادِها بسَنَدِ المرجعيّةِ العَربيّةِ الإسلاميّةِ، التي تَحمي الثّوابِتَ من صَدمةِ الاهْتِزازِ، والذّاتَ من الذّوَبانِ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) ما أكثرَ ما حُبِّبَ إلى فريقٍ من الكُتّابِ الحداثيّينَ من ترويجِ مصطلَح الصّدمَة في سوقِ الثّقافَة، للتّعبيرِ -في زعمِهم- عن النّقْلَة من الماضي إلى الحاضر، على نحو ما نجدُه عندَ أدونيس “صدْمَة الحَداثَة” (الثّابت والمتحوّل، ج3 دار العودة، بيروت، ط.4/ يناير 1983)، وعبد الله العروي”صدمَة المُمتنِع” (أوراق، سيرة إدريس الذّهنيّة، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، ط.2، 1996م، ص:85)
(2) انظر: عبد العَزيز حَمّودَة: الخروج من التّيه، دراسة في سلطة النّصّ، سلسلة عالَم المعرفة، الكويت، ع: 298، نوفمبر 2003م، ص:9 .
(3) طه عبد الرحمن: سؤالُ الأخلاق، مساهمة في النّقد الأخلاقي للحداثة الغربية، نشر المركز الثّقافي العربي، الدّار البيضاء، المغرب، ط.1 / 2000م ، و انظر كذلك : تقريرًا عن ندوة “الإسلام و الحداثة” التي نظّمتها مؤسّسة علاّل الفاسي مساء الخميس 01 ذي القعدة 1424 ، الموافق 25 ديسمبر 2003، وتميزت بمُشاركَة طارق رمضان أستاذ الفلسفة و العلوم الإسلامية ببعض الجامعات الأوربية والأمريكيّة، الذي حدّد للحداثةِ ثلاثةَ أسُسٍ: هي الوفاءُ لمنظومة الأخلاق، والإخلاصُ للأصولِ والجذور، ثمّ القَبولُ بالانخراطِ في ركبِ التّقدُّم. [صحيفة المحجّة (المغربية): ص:20] ع:206/207 ، 02 ذو الحجّة 1424 / 24 يناير 2004 .
