نظَّم ملتقى السرد العربي الدائم بالقاهرة، مساء الاثنين 22 ربيع آخر 1437هـ، الموافق 1 فبراير 2016، في إطار سلسلة الليالي العربية التي يقيمها للتعريف بجوانب الإبداع القصصي في الأوطان العربية، ندوة أدبية حاشدة بالمنتدى الثقافي المصري بجاردن سيتي، بعنوان: “الليلة المغاربية: غواية السرد وألق الشعر”.
واستضاف الملتقى هذا العام وفدًا أدبيًّا مغربيًّا كبيرًا ضم رموزًا قصصية وشعرية فاعلة في مشهد الثقافة المغربية، وصاحب ذلك إلقاء عدد من القصائد الشعرية لعدد من شعراء المغرب ومصر والسعودية، كما احتفت الندوة بشكل خاص بالشاعرة المغربية “ابتسام حوسني” بمناسبة تدشين ديوانها الجديد “من وحي الرياح”.
وفي كلمة د. حسام عقل-عضو هيئة التدريس بجامعة عين شمس، والمشرف العام على ملتقى السرد العربي الدائم بالقاهرة-التي رحَّب فيها بالوفد المغربي وبضيوف الملتقى، قال: إن الواقع أنه تزداد وتتضاعف سعادتنا لأننا في ملتقى السرد لا نستهدف مجرد لقاءات بروتوكولية، ولعلكم لاحظتم هذا بوضوح في الليلة العراقية لأن الليلة المغربية هي الليلة الثانية في سلسلة الليالي العربية، وسيظهر تمامًا أن هناك كثيرًا من المقولات الديموطيقية الوثوقية التي آمنت بها شريحة من النخبة المصرية، وآن الآوان لتغييرها. سيظهر في ندوة الليلة عناصر مهمة لريادة مغربية على المستوى الشعري وعلى المستوى القصصي وعلى المستوى الفكري والتنويري، كما سيظهر ولا شك كما قلت مع صديقنا الإعلامي الجليل الأستاذ زينهم البدوي أحد أعلام الإذاعة المصرية وإذاعة صوت العرب بالتحديد قلت له ونحن قادمون في الطريق اليوم: آن الآوان أن نخرج من إهاب أو جِلد هذه المقولات الوثوقية؛ لأن ثنائية المشرقي والمغربي آن الآوان لتغييرها، آن الأوان أن نعرف كثيرًا من الأسماء التي التمعت بألقها في مشهد الثقافة المغربية، وما تزال تلتمع حتى الآن، ولا عذر للمثقف المصري ألا يعرف هذه الأسماء؛ لأنه من الواجب أن نعترف أن المثقفين المغاربة يتابعون المشهد المصري بأكثر مما يتابع المثقفون المصريون المشهد المغربي. ولعل هذه الأمسية المؤتلقة بهذه الوجوه الوضّاءة أن تكون بداية لتصحيح المفاهيم والتعاريف؛ لأن حركة الثقافة المغربية حركة سيّالة منذ مطالع القرن الماضي، وقد تعمَّدت أن أُسمِّي هذا الملتقى ملتقى السرد العربي، ولم نقل ملتقي السرد المصري؛ لأننا اخترنا له هذا البعد العروبي منذ دشَّنا بذرته منذ أكثر من ثلاث سنوات، لابد أن يعود هذا التواشج وهذا التواصل العربي مجددًا، لابد أن يعي المصريون أنه عندما كانت تتألق دورياتهم بالثقافة والمنجَز كانت الدوريات المغربية تلعب دورًا جذريًّا في تغذية ورفض المشهد الثقافي العربي بالجديد. من يتابع مثلاً مجلة “أقلام” في السبعينيات بمنجَزها الواسع والمِعطاء يثق تمامًا أن هؤلاء لعبوا دورًا جذريًّا. من الواجب أن نعترف أيضًا أن الثقافة المغربية الحديثة في مطالع القرن الماضي وما أعقبه كان فيها حرص شديد الوضوح على صفاء اللسان العربي، ونحن لدينا فكرة مغلوطة في المشرق العربي عن الفرنسة أو ما يُسمَّى بحزب فرنسا أو ما يُسمَّى بالهُجْنَة أو العُجْمَة أو التغريب؛ هذا كلام من لا يتابعون الجهد الهائل الذي قام به المثقفون في المغرب، لا أقول فقط في الشعر والقص؛ بل في المسرح، فمن يتابع البدايات الأولى للرعيل المؤسِّس للمسرح المغربي سيلاحظ حرصًا شديدًا على نقاء اللسان العربي، حتى المسرحيات التي مُثِّلت في المغرب في مطالع القرن الماضي- وخاصة في العشرينيات حتى نهاية الثلاثينيات- كانت مسرحيات تتكئ على التاريخ، كمسرحية الرشيد والبرامكة، ومسرحية صلاح الدين؛ كان هناك اتكاء على صفاء اللغة وعلى الديمات التاريخية، كان هناك ثقافة –كما قال عنها علال الفاسي في كتابه “النقد الذاتي”- ثقافة تحاول جاهدة أن تتشبث بالأرض؛ وبالتالي نحن نحاول أن نعيد اكتشاف هذه اللؤلؤة.
إن “ابتسام حوسني” وغيرها من المبدعين الذين يملأون الآن المشهد حضورًا وألقًا هؤلاء جزء من سلسال حلقاته يأخذ بعضها بحُجُز بعض، لدينا إشكالية أساسية في الثقافة العربية، وهي إشكالية الجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ الجدلية التي طُرحت في مطالع القرن الماضي، وما تزال مطروحة حتى الآن، لكن لا أظن أن لدينا بالنقاء نفسه فكرة عن جهود الثقافة المغربية في تحقيق هذ التوفيق، الذي يراجع فقط كتابات محمد أركون، والذي يراجع كتابات عادل الجابون سيستطيع أن يتأكد من صدق ما أقول، كان لدينا الدكتور زكي نجيب محمود يحاول أن يحقق هذا التوفيق، وبالتزامن وفي الوقت ذاته كان عادل الجابري يعيد اكتشاف العقل العربي، ولابد أن أقول: إنه يجب على المثقفين المصريين أن يقرأوا جيدًا ثلاثية عادل الجابري حول بنية العقل العربي وتدوين العقل العربي والعقل السياسي العربي محدداته وتجلياته؛ هذه الثلاثية حاولت أن تقفز على هذه الثنائية، وأن تحقق للثقافة العربية التوازن المطلوب؛ إذًا عادل الجابري جزء من هذا السلسال، وإذا كان عادل الجابري نسب الثقافة العربية إلى ثلاثة طرق أساسية: طريق العرفان، وطريق البيان، وطريق البرهان، وهذه التعبيرات هو الذي نحتها؛ العرفان بمعنى المعرفة الصوفية والوجدانية والروحية، والبرهان بمعنى الاتجاه العقلي، والبيان بمعنى أنه يحمل من الألق اللغوي أكثر مما يحمل من الألق الفكري، لو راجعت كل عطاءات التنوير العربي أو محاولات التنوير العربي ستجدها حالمة حول هذه الطرق الثلاث.
يدخل محمد أركون بكتابه “العقل الإسلامي” ليوسِّع الدائرة، ويتحدث عن العقل الإسلامي؛ هذه محاولات على الطريق، لقد استطاعت الثقافة المغربية ألا تشكل تلقيًا سلبيًّا، إنما بدأت تؤقلم هذه المناهج ثم بدأت تعرِّبها، ثم قفزت إلى خطوة أخرى لتبتكر وتضيف، هذا على المستوى التأسيسي، لو راجعنا مشهد الشعر المغربي سنجد مشهدًا مَوَّارًا وسنجد حالة نقد ذاتي عزَّت عن النظير والنِّدّ، بمعنى: عندما تطالع النقد المصري أو السوري أو العراقي في مطالع القرن الماضي ستلاحظ حالة من الانتشاء بعطاءات الذات، على العكس الثقافة المغربية وهي تؤسس كانت تجتاز حالة نقد، حالة رغبة في التحسين والتجويد والوصول إلى الأفضل، لم تكن غارقة في الشيفونية، إن شريحة من المثقفين المصريين يحول بينهم وبين التعرف إلى الثقافة المغربية هذه الحالة الشيفونية، لكن في السنوات الأخيرة بدأت الثقافة المصرية تبرأ من هذا الداء، بدأنا ننفتح على الثقافة السعودية، في شكل عطائها الجديد، على الثقافة المغربية، على الثقافة التونسية، على الثقافة الجزائرية، هناك الآن حالة تعرف واكتشاف، ومن الخير أن تظل هذه الحالة موَّارة.
لو راجعنا تجربة محمد بِنِّيس، لوجدنا أن نقده كان لاذعًا في البدايات، لدرجة أنه أنكر الشاعرية المغربية بالكلية، ثم في دراسته الرائدة “الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته” قال: الآن تفتت المركز، كأنه يريد أن يقول: إن الثقافة العربية كانت متمركزة في القاهرة وبيروت، ومع بنهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأت تتعدد حواضر الثقافة العربية. ومحمد بِنِّيس يبهرك أيضًا شاعرًا ويبهرك أيضًا ناقدًا.
وتحدث د. مرسي حسين-المدرس بكلية الآداب جامعة بورسعيد قائلاً: عنوان محاضرتي يدور حول الشاعر والناقد المغربي، وهي بعنوان: “محمد بِنِّيس: من سؤال الحداثة إلى مساءلتها”، وذلك في محورين أساسيين: أولهما: البدايات وعثراتها، وأعرض لكتاب “ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب”، وثانيهما: سؤال الحداثة ومساءلتها، وأعرض لمشروعي البحثي الأكبر في كتابه ذي الأجزاء الأربعة “الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته”، وفي ختام ورقتي البحثية أصل إلى عقد مقارنة بين مشروع الحداثة عند أدونيس ومقابله عند بِنِّيس؛ فنجد في النهاية أن الأول يثير تساؤلات ويفتح أقواس الحوار، في حين أن الثاني يطرح إجابات، شأن الأول هنا شأن كل تجربة تجريبية جديدة. أما التجربة الثانية فهي تنحى منحى نقد النقد وسدّ الفجوات السابقة من خلال منهج تنقيحي؛ لذا تهتم بالإجابات وببلورة الرؤى أكثر من الأولى. وكما قال بِنِّيس نفسه: “وفي الصدمة تبدأ القصيدة بالكلام”.
وفي تصريح خاص “لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية” للشاعرة والإعلامية “ابتسام حوسني”-رئيس الاتحاد المغربي للمبدعين-قالت: جاءت زيارة الوفد المغربي لجمهورية مصر الشقيقة في إطار مد الجسور والتعاون والتنسيق والشراكات بين المثقف المغربي والمثقف المصري، في إطار عقد مؤتمرات مشتركة وإصدار الكتب بكل أصنافها- في الأدب، في النقد، في الرواية – مشتركة، وخاصة في إطار حركة الترجمة التي يتألق ويبدع فيها المغرب، وصولاً إلى التلاقي والتلاقح مع الشرق؛ وبالتالي ذوبان الحدود والحواجز بينهما، وكذلك من أجل المشاركة في العديد من الندوات واللقاءات التليفزيونية والإذاعية والأدبية، على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثانية والأربعين بالقاهرة.
وقد كُرِّم الوفد المغربي في أكثر من مكان، وساهم في التعريف بثوابت المملكة على أرض قاهرة المعز، وخاصة توقيع الديوان الخامس للشاعرة “ابتسام حوسني”، المعنون ” من وحي الرياح” الصادر عن دار نشر مصرية، هي دار نشر الجندي برئاسة الأخ الرفيق “عادل الجندي” عضو اتحاد كتاب مصر، وفي المقابل قام الاتحاد المغربي للمبدعين بطبع ديوان لشاعر مصري، هو الأخ “سعيد عبد الكريم” المعنون بـ “ركعتان مما عليَّ”.
وترى الشاعرة ابتسام حوسني أنه لا يوجد اهتمام بالدرجة المرجوَّة من الأدباء المصريين الذين يهتمون بالإنتاج الأدبي في المغرب، وأن هناك شرخًا عميقًا بين المشرق والمغرب، باستثناء المحاولات البسيطة والخجولة، والتي ليست في حجم طموحاتنا وتطلعاتنا كمغاربة، وليست في درجة اهتمامنا نحن بإخواننا في المشرق، اهتمامًا وموقعًا وقراءة. لكن هناك نخبة من المثقفين الملتزمين الحقيقيين في مصر يؤمنون بالقلم العربي من المحيط إلى الخليج، ومن الخليج إلى المحيط، وينصفونه بتبنِّيه بالاطلاع والدراسة والنقد، على رأسهم الناقد الكبير الدكتور حسام عقل؛ فقد قدَّم لديوان “من وحي الرياح” من خلال دراسة مستفيضة، جاءت بعد سلسلة من الدراسات لدواويني السابقة؛ ومن هذا المنبر الإعلامي له كل الشكر والاعتراف والتقدير؛ لذا أدعو إخوتنا في المشرق بالاهتمام بالأدب المغاربي دراسة وتحليلاً ونقدًا؛ كي تتحقق الوحدة العروبية، من خلال القلم والكتاب العربي، فهو البديل فقط من أجل تحقيق وحدتنا العربية.
الاتحاد المغاربي للمبدعين هو منظمة مستقلة عن كل التيارات الحزبية والنقابية مهتمة فقط بالمثقف: آلامه، عذاباته، واقعه المعيش، صراخاته من أجل التحرر من الظلم والاستغلال والتهميش والتفقير؛ ولذا فهو ينجح باتباع سياسة اللامركزية، بمعنى تأسيس الفروع المحلية والعربية والإقليمية والدولية؛ حيث أُنشئت له عدة فروع في العالم، منها فروع في سويسرا وإسبانيا والأردن وفلسطين ومصر، ممثلاً في شخص الأستاذة الفاضلة نادية عبد الحي، وبذلك سياسته نحو نهج حداثي من أجل اللُّحْمَة بين المثقفين العرب إستراتيجيةً وممارسةً في أفق التأسيس للاتحاد العربي للمبدعين في مؤتمره القادم في مدينة فاس المغربية في أواخر شهر أبريل القادم.
وفي تصريح خاص” لمجمع اللغة على الشبكة العالمية” قالت أ. نادية عبد الحي-ممثلة الاتحاد المغربي للمبدعين في مصر: إن توطيد الثقافة العربية أمر في غاية الأهمية لإزالة الرواسب التي وضعها لنا الاستعمار؛ لكي نعيد وحدتنا العربية، لأن الثقافة هي السلاح الذي نستطيع به توطيد أواصر الصلات العربية من جديد؛ لنعود بلدًا واحدًا بدون حدود، بدون حواجز، بدون باسبور للسفر لبلد آخر، الثقافة بكل ما تشمله من فن، مسرح، نثر، شعر، أوبرا، أغاني، …إلخ.
وهذا الأمر ممثَّل في الشاعرة “ابتسام حوسني” وغيرها من الشاعرات في العالم العربي فهن يطبعن دواوينهن في دور نشر مصرية ويوقعونهن في معرض القاهرة الدولي للكتاب سنويًّا، وأيضًا هناك الأستاذة دلال راضي الشاعرة السعودية، مؤسسة دار بنت الحجاز في مصر؛ فهي سعودية، ولكن مؤسستها تقع في مصر؛ لأن مصر هي قلب الوطن العربي؛ لأنها أفروآسيوية، جناحاها بلدان الوطن العربي؛ بالإضافة إلى أن كل فنان عربي أراد أن يشتهر فقد جاء إلى مصر.
وفي تصريح خاص “لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية قالت د. خديجة مدني علوي-عضو هيئة تدريس بجامعة محمد بن عبد الله المغربية وكاتبة وشاعرة: لقد جاءت زيارتنا إلى مصر تزامنًا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، لتدعيم المبدعة والشاعرة المغربية “ابتسام حوسني” في هذا المعرض، وكذلك بحث سبل الشراكات والتواصل مع المبدعين المصريين والعرب. وقد لاحظت منذ وصولنا للقاهرة إقبال الكُتّاب والشعراء المصريين علينا؛ وهذه بادرة طيبة لتوثيق عُرى الأواصر الأدبية والثقافية بين البلدين الشقيقين.
وقد ألقى الشاعر المصري والمذيع بصوت العرب “زينهم البدوي” قصيدة قال فيها:
البحرُ بحرُك يا صَفِيَّ النفس يا روح النقاءْ
فاسبحْ مع الأمواجِ أو عكسَ اتجاهِ الموجِ وارقَ كما تشاءْ
هذي يدي ممدودةٌ في الأفق
والقلب الشجي يئنُّ من بأسِ الرجاءْ
لكن رُوحي لا تبالي
في جِبِلَّتها الإباءْ
لا شيء يُوقف سهمها الساري إلى كبِد السماءْ
البحرُ بحرُك والمدى يطوي النِّدا
ماذا لديك سوى اشتياقِك للنداءْ
لكنَّ صوتَك لم يزلْ يشكو الصدى
حتى يُفاء عليه من مطرِ الشتاءْ
هل بُحَّ صوتُك لم يعد يقوى على ترجيح لحنِك في الفضاءْ
إنْ راح صوتُك أو غدا
أتُرى يصافحُ مسمعَ الأحبابِ في دارِ البقاءْ
وقد شارك بقصائد شعرية كل من الشعراء: السيد حسن (مصر)، وفالحة صلاح الدين (المغرب)، وتركية العامري (السعودية)، كما ألقى الأستاذ أشرف أدوك-المستشار الثقافي والإعلامي لسفارة المملكة المغربية بالقاهرة-كلمة أكَّد فيها عمق العلاقات الثقافية والأدبية بين البلدين العريقين، ومازح الحضور بقوله: لقد تمصَّرنا في كل شيء، فقد أكلنا المحشي المصري والكشري المصري، ثم اختتم كلمته بتوجيه الشكر لملتقى السرد العربي الدائم بالقاهرة، متمنيًا عقد المزيد من هذه اللقاءات في المستقبل القريب، ولو نصف سنوية.



