• دخول الأعضاء
  • التسجيل
  • استعادة كلمة المرور
  • اتصل بنا
  • خروج
  • الدخول | التسجيل

بحث

تسجيل جديد

عفواً ، التسجيل مغلق الآن يرجى المحاولة في وقت لآحق .

دخول الأعضاء

اسم المستخدم

كلمة المرور

فقدت كلمة المرور

الرجاء إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني. سيتم إرسال رابط إلى بريدك الإلكتروني تستطيع من خلاله إنشاء كلمة مرور جديدة.
    |   أكتوبر 6, 2016 , 8:51 ص
  • الأخبار
    • أخبار اللغة واللغويين
    • أخبار المجمع والمجمعيين
  • ركن الفتاوي
    • قديم الفتاوى
    • جديد الفتاوى اللغوية
  • مقالات
  • مكتبة المجمع
    • مجلة المجمع
    • منشورات المجمع
    • كتب وبحوث علمية
  • مكتبة الفيديو
    • أمسيات ومحاضرات
    • نثر الألفية
    • أضواء البيان
    • المنتقى من فتاوى اللغة والتفسير
    • إعراب القرآن وغريبه
    • معاني القراءات المتواترة والشاذة
    • قبسات
    • مجالس في التفسير
    • لغتنا الجميلة
    • إصدارات المجمع
    • قرارات المجمع
    • مقتطفات من برنامج أضواء البيان
    • مقتطفات من أمسيات المجمع اللغوية
    • حديث عن العربية والمجمع
    • مفاهيم ومصطلحات لغوية
    • من تراجم النحاة
    • قالوا عن العربية
    • لباب الإعراب
    • تذكرة
  • منتديات الحوار
  • اتصل بنا
  • نبذة عن المجمع
  • الفواتح
  • أعمال المجمع
  • الهيكل الإداري
  • المجمعيون
  • قرارات المجمع
  • تنبيهات المجمع
معهد سيبويه للغة العربية
  • معجم الإنسان وصفاته في المأثورات الشعبية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • هل الفصحى لغة مصطنعة (5)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • مفهوم الفصاحة عند فهد عاشور* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • هل الفصحى لغة مصطنعة (4)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (3) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • علة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (2)* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • لا يُتعجب من الفعل الرباعي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • هل اللغة العربية الفصحى لغة مصطنعة* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
  • في خصائص النظام النحوي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان

مجلة المجمع

مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الحادي والثلاثين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الحادي والثلاثين من مجلّته العلميّة

بفضل الله - تعالى - صدر العدد الحادي والثلاثون من مجلة مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة،…

ftwa
1313 أغسطس 26, 2025

مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الثلاثين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الثلاثين من مجلّته العلميّة

بسم الله الرحمن الرحيم ها هي ذي مجلةُ مجمعِ اللغة العربية على الشبكة العالمية بمكةَ المكرمة…

ftwa
1844 أغسطس 28, 2024

مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد التاسع والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد التاسع والعشرين من مجلّته العلميّة

أعزاءنا متابعي مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة، ها هي ذي مجلةُ مجمعِ اللغة العربية على الشبكة…

ftwa
1516 أكتوبر 31, 2023

مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الثامن والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد الثامن والعشرين من مجلّته العلميّة

أعزاءنا متابعي مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة،، ها هي ذي مجلةُ مجمعِ اللغة العربية على الشبكة…

ftwa
2641 يناير 24, 2023

مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد السابع والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد السابع والعشرين من مجلّته العلميّة

  أعزاءنا متابعي مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة.. ها هي ذي مجلةُ مجمعِ اللغة العربية على…

ftwa
3651 يوليو 2, 2022

مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد السادس والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد السادس والعشرين من مجلّته العلميّة

مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة يصدر العدد السادس والعشرين من مجلته العلمية المحكمة تجمع بين دفتيها…

القسم التقني 1
7689 أكتوبر 25, 2021

مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد الخامس والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد الخامس والعشرين من مجلّته العلميّة

أعزاءنا متابعي مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة،، ها هي مجلةُ مجمعِ اللغة العربية على الشبكة العالمية،…

القسم التقني 1
5065 فبراير 14, 2021

مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد الرابع والعشرين من مجلّته العلميّة
مجمع اللغة العربية بمكة يصدر العدد الرابع والعشرين من مجلّته العلميّة

لتحميل العدد: اضغط هنا

القسم التقني 1
3621 ديسمبر 24, 2020

موقع مجمع اللغة العربية > مقالات > النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون، بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1) – د. طلال أحمد
أكتوبر 6, 2016   8:51 ص

النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون، بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1) – د. طلال أحمد

+ = -
0 5828

النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون.

بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1)

بقلم د. طلال أحمد العوض الحسن

بين يديّ الموضوع:

ما فتئ الباحثون في مجال الأدب العربي يفرون من النثر ويرتمون في (أحضان الشِّعر)، يحدوهم الأمل أنَّ سيجدون في الشِّعر سلواهم… يستظلون بظله ويرتشفون من رقيق لفظه، ظنًّا منهم أنَّ البون شاسعٌ بينه وبين (النثر)! إذ يتصف الثاني (أ ي النثر)، بالجفاء والجفاف…ونسوا أو تناسوا أنَّ الخطابة (باعتبارها نوعًا من النثر)، كان لها ما للشعر من المكانة عند العرب منذ الجاهلية، فهما كفرسي رهان عند العرب…وحسبك أن تطالع كتب التاريخ العربي لتجدها حافلة شاهدة على ما وصل إليه النثر من شأن.

أما إذا جئنا لنتكلم حول (النثر الفني)، فإنه من الأجناس الأدبية التي لا تقل عن الشعر مكانة بل ربما أجد – حسب وجهة نظري الشخصية-أنه يتفوق عليه في بعض الأحيان، خصوصًا إذا تعلّق الأمر بالأمور العقلية الجدلية التي هي من أدوات (نشر الإسلام)، في عصرنا الحاضر، وربما يكون (النثر الفني) -و(الخطابة) جزءٌ أصيلٌ منه- أقربَ إلى فهم غير الملم بالعربية الفصيحة أو حتى من هو من غير الناطقين بها.

يمثِّل ابن خلدون عند الكثيرين كونه مؤرِّخًا وعالمًا من علماء الاجتماع؛ أما كونه أديبًا شاعرًا كاتبًا مُجيدًا…! فقد يخفى على الكثيرين دوره في هذا الجانب؛ لذا آليت على نفسي كشف هذا الجانب للقرّاء وبيان موسوعيته من خلال (النثر الفني) في كتابه (العبر)، محاولًا إلقاء الضوء على هذه الأشكال النثرية التي بزَّ فيها ابن خلدون، وكان له فيها القدح المعلّى، وسنتكلّم في هذه السانحة عن: بُنية الخُطبة عند ابن خلدون:

 

1- وصف النص:

ينقسم نص الخطبة إلى العوامل التالية:

المرسل: في الخطبة التي بين أيدينا نجد – ابن خلدون- هو الفاعل الرئيس إذ قام بكتابة هذه الخطبة لشكر السلطان الظاهر على تعيينه مدرّسًا للمالكية، في مدرسته ما بين القصرين. وقد اعتمد في خطبته الأسلوب غير المباشر، فهو خطاب موجه من أدنى إلى أعلى، كما نجد ضمير المتكلم “الأنا” –ابن خلدون- يلقي خطابه إلى ضمير الجمع “أنتم” أي جمهور الطلبة والمستمعين، فالمرسل هنا يكون في وضع “أشبه ما يكون بوضع الشاعر، فالاستمالة فيها مقدّمة على الحجة في الغالب، إذ يسعى الخطيب لمشاركة الآخرين ما يجده أو يتظاهر به…([1]) أي أنه يرمي إلى التعاطف معه فيما يعبر عنه.

ويتميز المرسل في هذه الخطبة بعدة خصائص منها:

1- الفصاحة: يمتاز ابن خلدون بالفصاحة والبيان، حيث نجده يستخدم الكلام الفصيح الخالي من الغموض والغرابة، فهو لا يمشي باللفظ إلا وراء المعنى، وذلك لكي يفهمه العام والخاص من الناس، ثم نجد ابن خلدون أيضًا عارفًا بأمور الدين والدنيا، ذلك أن القرآن الكريم والسنة النبوية كانا هما المنبعين الأولين استقى علمه منهما، فقد أتم حفظ القرآن الكريم في مرحلة مبكرة من حياته، وبه اصطبغت حافظته اللغوية، وصقلت روحه الخطابية بنور القرآن الكريم والسنة النبوية، فشعّت خطبته بألفاظهما في كل أركانها، وكذا نجد في النص أثر أدائه فريضة الحج مما انعكس إيجابًا أيضا على مفردات وتفاصيل خطبته أيضًا.

2- سرعة البديهة: كان المرسل سريع البديهة، وسرعة بديهته تنم عن ذكاءٍ فطريّ نمّاه باحتكاكه بالسلاطين وكثرة أسفاره وتنقله من مِصر لآخر، إذ إنه لم يكتفِ بالثقافة العربية فقط، بل احتك بالكثير من الثقافات الأخرى، وكان واسع المعرفة يحب البحث والاطلاع.

3- رباطة الجأش: ونعني بها القوة التي كان يتميز بها-ابن خلدون- حيث كان قوي الشخصية لا يستسلم أمام العوائق، التي كانت تقف أمامه، بل كان يكافح بكل قوته ليصل إلى ما يريد.

4- حسن التخلص: أي أن الخطيب قد يقع فيما يحرجه ويكون ذلك مدعاة لسقوط شأنه مما يضر بمكانته فيحسن التخلص من تلكم المآزق، وهذا ما تميز به ابن خلدون أيضا، فرغم كثرة الوشايات والسعايات ضده، فقد استطاع التخلص منها بحنكته ودهائه.

ب- المرسل إليه: هو أساس قيام خطاب (المرسل)، الموجه إلى طلبته بالمدرسة المالكية، فالمرسل إليه هنا خالي الذهن يتقبل ما يلقى على سمعه، وهذه الحال اقتضت خطابة إعلامية. وقد جاء مشخَّصًا نصيًّا قبل بداية العرض بصيغة ضمير المتكلمين “نحن” وهذا نجده في قوله: “وإنَّ مولانا السلطان الملك الظاهر…”([2]) إذ يدل على اشتراك الذات المرسلة والمرسل إليه في نوع العلاقة التي تربطهم بالسلطان في كونه صاحب الفضل الذي أتاح لابن خلدون التدريس (الرتبة)، ومجموع الطلاب بالالتحاق بهذه المدرسة للاستفادة من علم الخطيب.

ج- الرسالة: تحضر الفواعل السابقة في النص من خلال مستويين:

1- المستوى التلفظي: المنطوق الذي يتجلَّى في الخطبة التي بين أيدينا من خلال المؤشرات التعبيريّة التي تتراوح بين الغائب والمتكلم، فمثلًا: نجد ضمير الغائب المفرد المذكَّر “هو” في قوله: ((الحمد لله الذي مَنّ على عباده)). ((والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيّد البشر))، ((عالم المدينة وإمام هذه الأمة…الإمام مالك بن أنس))، ((سلطان المسلمين أبو سعيد صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه))، ((لما قلّده الله هذا الأمر))، ((حيث استولى من العز والملك وسارع إلى فعل الخيرات بنفسٍ مطمئنة…الخ)).([3])

وضمير الغائب المفرد المؤنث “هي” في قوله: ((وانتظمت عقود الدولة في لبّات الأيام))، ((وكانت دولته واسطة السلك))، ((وإنما هي رحمة من مولانا السلطان أيّده الله))، ((وتلتبس العصائب بالتيجان)).([4])

وجمع المذكر “هُمْ” نجده في قوله: ((والرضا على آله وأصحابه غيوث رحمته وليوث أنجاده))، ((أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته))([5])

ثم نجد ضمير المتكلم “أنا” في قوله: ((فأعرضت عن ذلك وشُغلتُ بما أنا فيه، ثم خرجتُ عام تسعة وثمانين للحج))، ((واقتضيت إذن السلطان في ذلك))، ((ثمّ صعدت مع المحمل إلى مكة فقضيت الفرض عامئذٍ وعدت في البحر)).([6])

وكذلك ضمير المتكلم الجمع “نحن” في قوله: ((وإنَّ مولانا السلطان الظاهر العزيز القاهر والعادل الطاهر)).

وأخيرًا ضمير المخاطب المفرد المذكّر “أنت” في قوله: ((فلا (تخشى)* والحمدلله غائلة انقطاعه ولا نفاذه)).

2-المستوى الملفوظي: الرسالة التي تقدمها الخطبة عبارة عن حدثٍ يعالج محورًا رئيسًا هو شكر وتكريم شخصية السلطان؛ من طرف المرسل، بغرض استمالة المرسل إليه، ويقدم ذلك وفق بناء شكلي عام يقوم على وجود المقدمة، العرض، الخاتمة.

وعليه فإنَّ للخطبة موضوعًا خاصًّا، وبنية عامة تشترك فيها مختلف أنواع الخطب السابقة، وهذا ما سنحاول معرفته في الأسطر التالية:

2- عناصر النص:

يتجزأ نص الخطبة التي بين أيدينا إلى ثلاثة عناصر أساسية: المقدمة، العرض (الموضوع)، الخاتمة، وتتشكل في مجموعها البنية الكبرى للنص كما يلي:

النص

أ_ المقدمة

ب_ العرض (الموضوع)

البُنية الكبرى لنص الخطبة

ج- الخاتمة

ب- بُنية المقدمة:

المقدمة في الخطبة هي: “أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإذا كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرًا بفشله وتفاهة أثره…”([7])

فهي إذن بداية الكلام، وصدره ويتوقف عليها مدى جودة الخطبة وبراعة الخطيب في إيصال الفكرة التي يريد إيصالها، فكلما كانت المقدِّمة شائقة يعتمد فيها الخطيب على شحذ الهمم وتشوّف النفوس والتأثير من خلال الفاعل الإيجابي، أحدثت الأثر المنشود، وكلما كانت باردة سمجة مملة، لا ينفعل معها الخطيب فضلًا عن المستمعين كان ذلك إيذانًا بفشل الخطبة ومن ثَمَّ سقوط الخطيب وتفاهة أثره.

1- حُسن الفواتح: وهي “لحظة الاستهواء والاستمالة…”([8]) ليثير المرسِل انتباه سامعيه، ويؤثِّر فيهم حتى يستعدوا لتقبل الكلام، الذي يأتي بعده وينفعل به ويتصرف بتأثيره تصرفًا يوافق مضمونه، وتتضمن هذه اللحظة في النص العناصر التالية:

أ- الحمدلة: معناه: “الشكر لله جلَّ ثناؤه، دون سائر ما يعبد من دونه (بالباطل) ودون كل ما يرى من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيرَه أحد…”([9])

وهذا ما جعل “الحمد مطلوبًا في أوائل الأمور طلبًا للتيمن والتبرك، عملا بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: (كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه بحمد لله فهو أجذم)…”*([10])

فإن العبد يتشّوف من خلاله “إلى الثناء على الله، فهو داعية إلى الاستماع…”([11])

وهذا ما حدا بابن خلدون أن يستهل به خطبته قائلًا: “الحمد لله الذي مَنَّ على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرَّفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرَّفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإيعاده، ويسّرَ كُلًّا لما خلق له، من هدايته وإضلاله، وغيِّه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين لصلاحه أو فساده، وعلَّمه مالم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عمّا في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكًا يجاهدون في الله حقَّ جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدسة بسبحات الذكر وأوراده…”([12])

ولا شك أن استهلال ابن خلدون بهذه المقدِّمة تدل دلالة واضحة على عمق إيمانه وتغلغل الدين في كافة جوانب حياته، فهو يبدأ خطبته كالعادة المرعية بـ (الحمدلة) مثنيًا على الله تبارك وتعالى بما هو له أهل، معدّدًا آلاء الله على عباده، بادئًا بالخلق والإيجاد، كأني به أراد لفت الأنظار إلى قول الباري سبحانه وتعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).(*)

ونخلص إلى أنَّ الحمد جاء في بداية هذه الخطبة بغرض النداء بمجموع المحامد (المِنن)، التي أنعم الله بها على عبده، والآلاء التي تفضّل بها على سائر خلقه.

ب- الصلاة والسلام على النبي صلَّى الله عليه وسلم: افتتحت بصيغة “والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم…”([13]) وفي ذلك دلالة عظيمة تتمثل في أن: “الصلاة على النبي صلَّى الله عليه وسلم مطلوبة في الجملة، ذلك امتثالًا لقول الحق سبحانه وتعالى: (إنَّ الله وملائكته يُصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)*([14])

وقد جاءت في النص في المرتبة الثانية بعد الحمد مباشرة “إتيانًا بذكره بعد ذكر الله تعالى… وإذا صلى [المرسل] على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما فلا يقال صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط…”([15]).

ونلاحظ أن ابن خلدون في خطبته هذه؛ وبعد تثنيته بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، يعود إلى الثناء والتشريف لسيدِّ ولد آدم فيقول: “سيد البشر من نسل آدم وأولاده، بل سيد الثقلين في العالم من إنسه وجِنِّه وأرواحه، وأجساده، لا. بل سيد الملائكة والنبيين الذي ختم [الله] كماله بكمالهم وآمادهم بآماده، الذي شرف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولادِه…، وأنزل عليه النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من رغم…وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في أمته واعتصم بمقاده…”([16])

وإذا تأملنا ذلك التعريف وحلّلناه؛ نجد ابن خلدون يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث قام بتتبع أهم الخصائص التي تفرَّد بها وذلك بالكشف عن (المكانة العالية، المعجزات، المقام المحمود)، وقد اعتمد على حسن الفواصل التي تقسِّم الكلام، الذي يَظهر فيه أثرٌ بالغ وتأثر بيّن وجلي بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة، من خلال الاقتباس من آي الذكر الحكيم، مما يخدم وجه الدلالة على التفرد.

ج- الترضية: تحيل دلالتها اللغوية على “رضي رضًا رضوانًا ضد سَخِطَ…وأحدهما ضد الآخر وقوله تعالى(*): (رضي عنهم..)…تأويله أنه تعالى رضي عنهم أفعالهم…”([17])

وقد جاءت هذه الدلالة اللغوية موجهًا للدلالة الاصطلاحية التي قصدها الخطيب ويشمل الذوات التالية:

-الترضية عن آله وصحبه: أراد من خلاله الإحاطة الشاملة بتعريف الذوات التي اختصها الله بالرضى من الأهل والأصحاب من الإشادة بفعل الجهاد الذي امتازوا به كما يؤكِّد ذلك قوله: “والرضى على آله وأصحابه، غيوث رحمته، وليوث إنجاده من ذوي رحمه الطاهرة وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحق وعناده، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم في دين الله وبلاده،… صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزيادِه، وسلم كثيرًا…([18])

إن الترضية جاءت مختتمة بالصلاة والسلام على الآل والصحب بطريقة التبعية، بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه مباشرة، مع توضيح الغرض من التصلية المرتبطة بالسلام الكثير…([19])

-وعن الأئمة الأربعة: جاء بصيغة العطف تابعًا للترضية عن الأهل والصحب يقول: “وعن الأئمة الأربعة، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبيّنها، وحرّرَ مقاصدها الشريفة وعينها، وتعرّض في الآفاق منها والمطالع، بيّن شهبها اللوامع، فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها وشرط التحصيل والدراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرَّفنا بركة الاقتداء بهديه وعرفانه…”([20])

ونلمس من خلال ذلك المقطع اعتداده بإمامه- الإمام مالك بن أنس- حيث قام باستعراض أبرز أفعاله والثناء عليه بالرتبة العلمية المقترنة بالدعاء المناسب للحالة (الرضى) فقد جاء مشتقًا من وصف غايته تعظيم القدر ورفعة الشأن.

-وعن السلف والتابعين: آخر الذوات التي شملتها الترضية عن طريق العطف أيضًا:

” وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين…”([21])

2- البداية: وهي في الخطبة “لحظة الإعلان عن التقسيم المتبنى والتخطيط المُتبَع…”([22])، في العرض. وتبتدئ بصيغة عامة تتبناها معظم الخطب مركبة من كلمتين إحداهما “أما” والثانية “بعد”…([23]) يشير معناها اللغوي على أنَّ مجرد النطق بها هو “فصل الخطاب…”([24]) ثم ينتقل الخطيب مباشرة للتقديم للموضوع الذي سيتناوله بشكل عام.

وبما أنّ خطبة –ابن خلدون- هي خطبة اجتماعية غرضها شكر سلطان بمصر على تعيينه مُدرِّسًا في يوم افتتاح التدريس، كان مفروضًا عليه أن يقول شيئًا يشير فيه إلى ذلك، وهذا ما جعله يشيد منذ البداية بمجموع النعم التي مَنَّ الله بها على عباده، وخصوصًا نعمة اختيار الملوك المجبولين على العدل والإحسان إلى الرعية ابتغاء لمرضاته عزَّ وجلَّ بقوله: “فإنَّ الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكلفهم بفضله وبنعمته، وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته، ولهذا اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضَّلهم بما خوَّلهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العُلا في وفور الأجر ومزيته…”([25])

فالمقدمة جاءت مترابطة الأقسام يحكمها ترابط منطقي، إذ يبدأ الخطيب بحسن الفواتح، ثم ينتقل إلى البداية، كما أن العناصر جاءت مترابطة من حيث المضمون؛ العنصر الأول مهَّد للثاني وهكذا.

ب- بنية العرض:

يجب أن يكون العرض في الخطبة “واضحًا مختصرًا خاليًا من الاستطراد والتشخيص، يكتفي بالإعداد لمرحلة البرهنة، فهو يضم ذكر الوقائع ووصفها زمنيًّا ومكانيًّا كما يصف الذوات…”([26]) فهو أهم أقسامها لا يمكن الاستغناء عنه؛ لأنه يشمل القصة الخطابية بعكس المقدمة والخاتمة.

 

ويتناول –ابن خلدون- في موضوعه ما سبق عرضه في البداية بالشرح المفصَّل؛ فقد جاء مبنيًّا على ثلاث وحدات، تؤلِّف في مجموعها البنية الكبرى للعرض، وفق التدرُّج الآتي:

1- وصف السلطان الظاهر.

2- وصف الأمير جهركس(*).

3- الحديث عن الذات.

وتتميز هذه الوحدات بانقسامها إلى عناصر تشكل في مجموعها البنية الصغرى الخاصة بكل وحدة كما يلي:

1- بنية وصف السلطان الظاهر: يتطرق الخطيب فيها إلى الحديث عن سمات السلطان، وفضله في بناء الأمة الإسلامية، وأبرز أعماله الخيرية من خلال العناصر التالية:

أ- المدح والدعاء: لا أتصور غرابة تنتابنا في اعتماد الخطيب لهذا الغرض، ليستهل به خطبته، خصوصًا إذا علمنا أن السلطان أغدق عليه فضائل عدة منذ التحاقه بالقاهرة، وقد اعتمد مدح الفضائل النفسية للمحسن قائلًا: “إنَّ مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم بأمور الإسلام عندما أعيا حملها الأكتاد، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من حاشيته الأبدال… والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة والأكاسرة…مؤيد كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين سلطان المسلمين أبو سعيد…”([27])

لقد أفرغ- ابن خلدون في هذا العنصر كل ما يجيش في صدره، من شعور نبيل إزاء السلطان، فهو يضفي عليه أرفع النعوت والأوصاف.

فهي إذن وقفة حافلة بالمعاني الزاخرة التي يصعد بنا من خلالها في مسالك مدح الملوك، التي يعتمد فيها على أفضل “ما يتفرع من تلك الفضائل وأجلها وأكملها، كنصر الدين وإفاضة العدل، وحسن السيرة،… وينبغي أن يتخطَّى في أوصافهم من جميع ذلك حدود الاقتصاد إلى حدود الإفراط…”([28])

وهذا ما جعله يغرق في الإشادة بتلك الشمائل التي تجعل السلطان يحيا حياة السعادة في الدارين، كما يفصح عن ذلك دعاء –ابن خلدون- له في آخر المدح: “صَدَّق اللهُ فيما يقتفي من الله ظنونَه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعزّ خدينه، وكان وليه على القيام بأمور المسلمين ومعينه، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤملونه…”([29])

ب- مناقبه وأهم إنجازاته: وهو عنصر جوهريٌّ في الخطبة حاول- ابن خلدون- فيه استقصاء أبرز مزايا الممدوح التي اختصه الله بها، فرفعت مكانته بين الناس، ودلّت على فضله منذ تولِّيه مقاليد الحكم.

ومن أهم ما جاء في ذلك “لما قلّده الله هذا الأمر الذي استولى له على كرسي الملك، وانتظمت عقود الدول في لبات الأيام، وكانت دولته واسطة السلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين…، وجمع عليه قلوب العباد فشهد سرها بمحبة الله[له] شهادة خالصة من الرَّيب، بريئة من الشك…وأحسن رعاية الدين والملك تشهد به الإنس والجِنة، لا، بل النسم والأجنة،… ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يَبني له بها البيوت في الجنة، ولا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه…”([30]).

ولا يكتفي-ابن خلدون- بذكر المناقب فحسب، بل يميل إلى الإنجازات يعددها ويثني عليها، ونختار من ذلك المقطع التالي: “وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضعت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشريف، والهيكل السامي المنيف، الذي راق الكواكب حسنه وظرفه، وأعجز الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا بل الكلمَ السحريّة تمثيلُه ووصفُه، وشمخ بمطاولة السحب، ومناولة السحب مازنه، العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة والقبول من الله عطفه…”([31]).

وخلاصة القول في هذا العنصر؛ أنه باختياره الحديث عن هذا الإنجاز كان نافذ البصيرة، نظرًا لما تمتّع به من الجمال الأخّاذ المثير، ومن ثَمّ فإنّ الشمولية هي التي أعطته الريادة، واتضح أنه سعى من خلال توظيف الألفاظ المستمدة من ثقافته الدينية والدنيوية (الإيوان، المحراب، المنار، بلاط الوليد، كوكب…).

هدفه استمالة قلوب السامعين، وذلك بما أظهره بالحجة والبرهان مدى عظمة إنجاز السلطان، وفي ذلك لفت لانتباه المتلقي إلى موطن التفرُّد المتحقق من لدن الذات المولوية لتزداد رفعة في نظره.

2-بنية وصف الأمير جهركس: يقصد من خلالها إبراز دور الأمير في القيام بأمور الدولة، وتتشكل من العناصر التالية:

أ- المدح والدعاء: في هذا العنصر انبرى –ابن خلدون- لكيل سيل من المديح لهذه الشخصية، انطلاقًا ممن كان له الفضل في تكليفه –يعني الحاكم- قائلًا: “دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي استله من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيد الذي طالب غريم الأيام بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعز الأعلى جهركس الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع، حرسه الله من خطوب الأيام، وقسَّم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام…”([32]).

نلاحظ أن المدح اختتم بالدعاء بدوام العز، ومضاعفة النعم للأمير من باب الملاطفة الواجبة في الدعوة لذوي المناصب الرفيعة؛ رغم أن المقصود بالمدح هنا هو عين السلطان، وإن كان ابن خلدون يتكلم عن (جهركس) إذ لولا اختياره –أعني اختيار السلطان- لما كان في هذا المنصب الرفيع، فهو لا يتجاوز أن يكون أحد أعوان السلطان، غير أن ابن خلدون ما فتئَ يكيل له المدح تلو المدح، ولا ندري هل وعى الأمير جهركس أنه مجرد معبر لكيل المدح للسلطان ولو عن طريق غير مباشر؟.

ب- دوره في اختيار العمَّال: استخدم الخطيب الوصف للدلالة على الحرص الشديد الذي يعتمده الأمير في اختيار الأيدي المشيدة، وقد استعمل معانيَ كثيرة لتعضيد ما يكنه من مشاعر وجدانية لهؤلاء العمّال، ومن أهم ما جاء فيه: “فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع، واختصها من أصناف الفعلة بالماهر الصنَّاع،… وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة…، وغشوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصدف والمرمر، ومائع اللجين الأبيض والذهب الأحمر بكل مسهم الحواشي حالي الأبراد…”([33])

ثم بعد نهاية الوصف إلى التذكير بأهم هذه الإنجازات، التي قدمتها الأيدي المبدعة للدولة (مساجد، مجالس للتلاوة، زوايا، مدارس…)، وهو هنا يصف المدارس بصفة خاصة قائلًا في شأنها: “ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والنُّضار، في محك القرائح والأبصار. تتفجَّر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب الجنة من غرفه وإيوانه، وتُقتاد غرُّ السوابق من العلوم والحقائق، في طلق ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفر الأجور لغاشيته، محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه….”([34])

فابن خلدون هنا يسترسل في التذكير بمزايا هذه المدارس، بهدف الزيادة في إقناع جمهور الطلبة، بأهمية الفضل الذي قدمته لهم الدولة، حيث أتاحت الفرصة لعقولهم بأن تضاء بمختلف العلوم المنتشرة في أرجائها.

ومن هنا- يتضح لنا- بما لا يدع مجالًا للشك، أنه يصبو من خلال ذلك كله إلى دعوة (المرسل إليه) بطريقة صريحة بينة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، يدعوه إلى بذل الإخلاص والوفاء لصاحب النعمة ويعني به السلطان.

3- بنية الحديث عن الذات: يكشف من خلالها عن وظيفته في تلك المدارس وما تبع ذلك من أحداث، على النحو التالي:

أ- تعيينه ضمن طبقة الأئمة: ينطلق-ابن خلدون- في الحديث عن توليه القضاء بهذه المدارس بداية من تحديد مسئولية السلطان في ذلك: “ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانًا،…ثم نظمني معهم تطولا وامتنانًا، ونعمة عظمت موقعًا وجلّت شأنًا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرًا عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالًا على هؤلاء الأئمة،…وإنما هي رحمة من مولانا السلطان-أيده الله- خصت كما عمت، ووسمت أغفال النكرة والإهمال وسمت، وكملت مواهب عطفه وجبره وتمت،…والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله، والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه…”([35])

نلاحظ أن المرسل بالرغم من مكانته العلمية المرموقة، إلا أنه بالغ في التواضع، وهذا إن دلّ على شيءٍ فإنما يدل على أصل وتربية ابن خلدون وثقافته الدينية، التي دفعته إلى عدم الترفع والتعالي، حيث يصرِّح أمام طلبته ومستمعيه بقصوره مقارنة بزملائه من الأئمة، ليؤكد أن الاختيار جاء لعطف وإحسان الخليفة الذي شمله برحمته الواسعة، وفي ذلك اعتراف بالجميل، حيث أفاض بعده في التوجّه إلى الله تعالى بالدعاء لتوفيقه للذكر الحسن،” والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه ويحمى حماه من غيَرِ الدهر وصروفه، ويُفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصته ولفيفه، بمَنِّ الله وفضله…”([36])

ب- عزله: يلخص في هذا العنصر المحنة التي تعرض لها بفعل الحسد وأدَّت إلى إبعاده عن منصبه قائلًا: “ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدّي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن للسلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه، من التدريس والتأليف…”([37])

ج- السفر إلى قضاء فريضة الحج وعودته: يسرد من خلاله رحلته إلى البقاع المقدسة فيقول: “ثم خرجت عام تسعة وثمانين للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزوّد هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكة، فقضيتُ الفرض عامئذٍ، وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت على مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر…”([38]).

ومما سبق عرضه نلاحظ أن الخطيب- ابن خلدون- استعان لتأكيد كلامه في جميع وحدات العرض على البرهان الخطابي المتمثِّل في حسن التقسيم الظاهر في جميع العناصر التي تُشكِّلها؛ وهو برهان يسعى من خلاله إلى إقناع المتلقي بإحاطته الكاملة بالموضوع من كل جوانبه لصرف نظره عن البحث والتقصِّي، واستمالته لتبني أفكاره، خصوصًا وهو يخاطب جمهورًا خاصَّا (المتعلم).

إن وحدات العرض السابق جاءت مترابطة المحتوى، الوحدة الأولى مهَّدت للوحدة الثانية، وهكذا إلى نهايتها فهي كلٌّ متكامل من حيث المضمون.

ج- بنية الخاتمة:

جاءت موجزة وقصيرة، ذلك بالنسبة للخطبة ذاتها، وهي تتضمن تلخيصًا لما سبق طرحه في العرض، أي إعادة التذكير بفضل السلطان في إتاحة الفرصة للخطيب للتدريس من جديد، مع الكشف عن العواطف الذاتية تجاه المحسن، ويظهر ذلك كله من خلال قوله: “ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ماعهدت من كرامته وتفيُّؤ ظله…”([39])

إنَّ الخطبة في محتواها ومضمونها مترابطة، من ناحية البنية الكبرى: المقدمة، العرض، الخاتمة، فهي تتوالى ضمن ترابط بنائي محكم وهو ترابط منطقي ومن أمثلته المبثوثة في الخطبة: ((أما بعد فإنَّ الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته،…والرعاية لجمهورهم))، ((سلطان المسلمين ابن سعيد صدَّق اللهُ فيما يقتفي من الله ظنونَه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والفخر خدينه))، ((وجمع له الدين بولاية الحرمين والدنيا بسلطان الترك، أجرى له أنهار مصر من الماء والمال))، فأعرضت عن ذلك وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف))،

((واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف…، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكة))، ((ثم سافرت منه إلى قوص… وأعادني إلى ما عهدت من كرامته)).

مع الإشارة إلى وجود بعض الروابط السببية، ومنها: ((ويسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته ويحملهم في العناية بأمورهم))، ((ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية وأغروه بصدِّي عنها وقطع أسبابي عن ولايتها)).

وكذلك بعض الروابط الزمنية، حيث نجد ذلك في قوله: ((ثم خرجت عام تسعة وثمانين للحج))، ((فقضيت الفرض عامئذٍ)).

أما الروابط المكانية فتتمثل في: المالكية، بين القصرين التي عُين فيها ابن خلدون مدرِّسًا؛ لذلك أنشأ هذه الخطبة في يوم افتتاحها.

وكذلك تعددت الأماكن التي ذكرها وقام بزيارتها، ومنها: مكة، بحر السويس، ساحل القصير، قوص، بحر النيل، وصولًا إلى مصر.

وعليه فالخطبة قائمة على المنطقية التي تجعلها علاقة تكامل من حيث البنية الكبرى، وكذلك من ناحية البنية الصغرى؛ المكونة لها مما يجعلها في علاقة ترابط من حيث المضمون الذي يخدم المحور الأساسي: شكر وتكريم السلطان الظاهر.

 ___________________________________

([1]) محمد العمري: في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 67.

([2]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1010.

([3]) ابن خلدون: التاريخ، م14، ص1111وما بعدها.

([4]) المصدر السابق.

([5]) المصدر السابق.

([6]) المصدر نفسه.

*هكذا في الأصل، والصحيح (تخشَ) بحذف حرف العلة.

([7]) أحمد الحوفي، فن الخطابة، ص 117.

([8]) محمد العمري: فن بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 139.

([9]) الطبري: جامع البيان، م 1، ص 59.

([10]) القلقشندي: صبح الأعشى، ج 6، ص 224.

* الحديث رواه……….

([11]) العسكري: الصناعتين، ص 457.

([12]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1107-1108.

([13]) ابن خلدون: التاريخ، ص1108.

*سورة الأحزاب، الآية 56.

([14]) القلقشندي: صبح الأعشى، ج 6، ص 227.

([15]) المصدر نفسه، ص 227.

([16]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1109.

([17]) الزبيدي: التاج، م 10، ص 150، الفيروزآبادي: القاموس، م 4، ص 334.

(*) سورة البينة، آية 8. يقول تعالى: “رضي الله عنهم ورضوا عنه”.

([18]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1108-1109.

([19]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1109.

([20]) ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 1109.

([21]) المصدر نفسه، ص 1110.

([22]) محمد العمري: في بلاغة الخطاب الإقناعي. ص 139.

([23]) القلقشندي: صبح الأعشى، ج 6، ص 231.

([24]) الفيروزآبادي: القاموس، م1، ص 63.

([25]) ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 1110.

([26]) محمد العمري: في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 139.

([27]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 1110-1111.

(*)جهركس: ضبط في المنهل (جاركس) وهو لفظ أعجمي، معناه: أربعة أنفس. (المصدر السابق، هامش ص 113).

([28]) حازم القرطاجني: المنهاج، ص 170.

([29]) ابن خلدون التاريخ، م14، ص 1111.

([30]) المصدر نفسه، ص 1112.

([31]) المصدر نفسه، ص 112-113.

([32]) ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 113-114.

([33]) المصدر السابق، ص 114.

([34]) ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 115.

([35]) المصدر نفسه، ص 115-116.

([36]) المصدر نفسه، ص 1116.

([37]) المصدر نفسه، والصفحة.

([38]) المصدر نفسه، ص 117.

([39]) المصدر نفسه، ص 1117.

النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون، بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1) – د. طلال أحمد

مقالات

وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/17420.html

المحتوى السابق المحتوى التالي
النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون، بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1) – د. طلال أحمد
من إصدارات مجمع اللغة العربية: كتاب المساعد على المهارات اللغوية لـ أ.د. رياض الخوام
النثر الفني في كتاب (العِبَر) لابن خلدون، بُنية الخُطبة عند ابن خلدون (2-1) – د. طلال أحمد
المنتقى من فتاوى اللغة والتفسير 32 - هل أسماء سور القرآن مؤنّثة أم مذكرة؟

للمشاركة والمتابعة

محتويات مشابهة

فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
(30) نشرة أخبار اللغة العربية الأسبوعية – 2018/5/4م – السعوديونَ الأكثر استخداما للعربية في تويتر!
(30) نشرة أخبار اللغة العربية الأسبوعية – 2018/5/4م – السعوديونَ الأكثر استخداما للعربية في تويتر!
الفتوى (1409): الاستحسان الواقع في كلام شُرّاح الألفية
الفتوى (1409): الاستحسان الواقع في كلام شُرّاح الألفية
الفتوى (1405): التفاوت الكمي في الشواهد النحوية والأمثلة
الفتوى (1405): التفاوت الكمي في الشواهد النحوية والأمثلة
  • التعليقات
  • تعليقات الفيس بوك

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • أقسام رئيسية
    • أخبار المجمع والمجمعيين
    • ركن الفتاوي
    • منتديات الحوار
    • مكتبة الصور
    • مكتبة الفيديو
  • عن المجمع
    • كلمة الإدارة
    • نبذة عن المجمع
    • الهيكل الإداري
    • أعمال المجمع
    • المجمعيون
  • الهيكل الإداري
  • نبذة عن المجمع
  • كلمة الإدارة
    • تواصل معنا

Copyright © 2026 www.m-a-arabia.com All Rights Reserved.

Powered by Tarana Press Version 3.3.1
برمجة وتصميم ترانا لتقنية المعلومات | ترانا بريس