أما عند حديثنا عن: البُنية الدلالية للخطبة عند ابن خلدون فإنَّ منطق الترابط السابق يحيلنا إلى ما تتميز به الخطبة من حيث البنية الدلالية ونحن نلحظ مجموعة (التعارضات) الأساسية التي تقوم عليها. وبتماثلها مع بعضها تنتج بلوغ ذلك التعارض الكلي الجامع، الذي نجد فيه كل المعطيات الرئيسة للمعنى العام, الذي تقوم عليه الخطبة، وتكتنه في بعضها بناء له، إنَّ مسألة الشكر والعرفان الذي قدّمه ابن خلدون للسلطان (الملك الظاهر)، ذلك اعترافًا له بفضله عليه أن قلَّده وظيفة ورتبة التدريس، وكأنه يرى أنه من واجب المحسَن إليه شكر المحسِن على إحسانه؛ وذلك يكون بذكر نعمه ونشرها، لتزيد مكانته في قلبه ويظهر أثره بين الناس.
و من ثَّم تظهر التعارضات المختلفة التي تشيدها ناشئة عن التضاد الحاصل بين الشكر والجحود، وهذا ما يمكن اعتماده أساسًا في تكوين المربع السيمائي* الذي يسمح برؤية المعنى العام للنص على النحو التالي:.. ([1]).
1- المربع السيمائي الخاص بالشكر والجحود:
لقد بيَّن ابن خلدون أنَّ العلاقة بين: الشكر والجحود هي علاقة تضاد، والتناقض القائم بين: الرغبة والنفور، وفي طرف آخر: الرِّضا والسُّخط، وكل في حقلين دلاليين:
الأول: إيجابي سماته السعادة، ويجمع بين الشكر واللاجحود والرِّضا؛ أما الحقل الدلالي الثاني: في الجمع بين الجحود واللاشكر، والسخط وسمته البارزة الشقاء.
وانطلاقًا من المربع السيمائي العام؛ الذي يقدم التوزيع الدلالي العام لمضمون الخطبة، فبإمكاننا إجراء توزيعات متعددة باعتماد التناقضات القائمة بين القناعة والطمع و(المحبة والكره)، والعلم والجهل، (الخير والشر)، كما يمكن للمربعات السيمائية التالية توضيح ذلك:
أ- المربع السيمائي الخاص بالقناعة والطمع: القناعة هي “الرِّضا بالقسم…” ([2]), فالإنسان القنوع هو يقنع بما قسم الله له من رزق, والقناعة من جميل الصفات والأخلاق التي من تحلّى بها حاز سعادة الدارين؛ وهذا بالضبط ما تحلّى به ابن خلدون, الذي قنع بمنصبه ومكانته من السلطان, غير أن الطمع وهو ضد القناعة, وهو يؤدي بصاحبه إلى الافتراء وقول الزور (السعايات) ، وبهما خسارة الدارين.
من خلال ذلك المخطط السيمائي نجد الثنائية تتوزع بين القناعة والطمع على مجالين؛ أحدهما: موجب بين القناعة والمحبة واللاطمع والوفاء، وسمته الفوز بسعادة الدنيا والآخرة، أما المجال الثاني: فسالب: ويجمع بين القيم المضادة والمتمثلة في: الطمع، الكُره، واللاقناعة ، والغدر, وسمته الغالبة الخسارة في الدنيا والآخرة؛ إذ إنَّ علاقة القناعة والطمع علاقة تضاد وتناقض.
ب- المربع السيمائي الخاص بالعلم والجهل: إن العلم يقوم في النص على الإلقاء، وهذه الوظيفة يمارسها ابن خلدون من خلال مهنة التدريس التي أتاحها له السلطان بالمدرسة المالكية، حيث يقوم المُتلقّي بسؤال المرسل بصفة مستمرة طوال ساعات التدريس، حتى يتمكّن من تحصيل المعارف التي بحوزته أعني- بحوزة المرسِل- على الرغم من وجود بعض الأمور التي يجهلها، وهذا ما اعترف به المدرِّس- ابن خلدون- بصفة صريحة (انظر: بنية الحديث عن الذات)، في الوحدة الأخيرة التي تعكس شدة شكره لفضل الذات السلطانية، التي تكرمت مع كل ذلك بتعيينه للتدريس. وهكذا تنشأ ثنائية العلم بالأشياء والأمور المطلوبة والجهل بأخرى وفق النموذج التالي:
___________________________________________________________
*السيمياء أو السمياء: هو علم دراسة الأنماط والأنساق العلاماتية غير اللسانية, إلا أنَّ العلامة في أصلها قد تكون لفظية وغير لفظية. انظر: حنون مبارك, دروس في السيمائيات, د. ت, دار توبقال للنشر, الدار البيضاء- المغرب.
([1]) سامي سويدان: في دلالية القصص, ص 234-235.



