السِّيَرُ والتراجِمُ عِندَ ابنِ خلدون
(3-2)
د. طلال أحمد العوض الحسن
وإذا أردنا الحديثَ عن شكلٍ آخر من أشكال النثر الفنيّ عند ابن خلدون؛ فهو فنُّ السِّيَر والتراجِم، الذي رغم عَرَاقتِه في التراث الإسلاميّ إلّا أنَّنا نحتاج إلى معرفة كلِّ شكلٍ على حِدَة ثم الفرق بينهما؛ لِنَسْتَبِينَ بعدَها أو قربها ممَّا هو موجود في التراث الإسلاميّ.
السِّيرةُ والترجمةُ والفرقُ بينهما
تعريف السِّيرة:
1 – لغةً: فنُّ “السِّيرة” من الفنون النثرية المميَّزة في الأدب العربي, وقد عَرفَ هذا الفنُّ ازدهارًا كبيرًا في الثقافة العربية, وخصوصًا مع التطورات المتلاحقة التي أَثْرَت الحضارة الإسلامية, وهي قد أنتجتْ آليات نقديَّة مهمة, خصوصًا أنها تزخرُ بكلِّ مقومات الحضارة في اللغة البليغة والفلسفة والفقه والتاريخ وغيرها… وهي بذلك تُشكِّلُ مدونةً أدبية ذات أهمية في حفظ حياة الأفراد والجماعات, ومِن ثَمَّ تُعتَبرُ مصدرًا أساسيًّا في حفظ تراث الأمَّة وماضيها التليد, استشرافًا لمستقبلٍ مُشرِق – بإذن الله-.
ونظرًا للأهمية القُصوى التي يؤديها هذا الفنُّ, فقد نالتْ مادة “سَيَرَ” اهتمامًا خاصًّا من صاحب “التاج” الذي أوردَ المدلول اللُّغويَّ للكلمة قائلاً: “السِّيرةُ بالكسر السُّنَّة, وقد سارتْ سيرتها, والسِّيرة الطريقة, يُقال: سارَ الوالي في رَعِيَّتِه سِيرةً حسنة, والسِّيرة الهيئة, وبها فُسِّرَ قولُه – تعالى-: “سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأولى*…”[1], وهو المعنى نفسه الذي أوردَه صاحبُ كتاب “مختار الصِّحاح” بقوله: “السِّيرةُ الطريقة, يُقال: سارَ بهم سِيرةً حسنة…”[2], فإذا كانَ الأمرُ كذلك يصحُّ لنا القول أنَّ السيرة بوجهٍ عامٍّ مذهب خاص, وليس شيئًا مشتركًا بين الناس جميعًا, أو بعبارةٍ أخرى: سلوك ذاتي يسلكُه الإنسانُ في فعلٍ محمودٍ أو مذموم.
2-اصطلاحًا:من الناحيةِ الاصطلاحية نجد أنَّ المقصود “بالسِّيرة” المعروفة في اصطلاح الأدباء “الترجمة الأدبيّة” أنَّها بحثٌ يعرضُ فيه الكاتب حياة أحد المشاهير، فيسرد في صفحات مراحل حياة السيرة أو الترجمة, ويفصل المنجَزات التي حقَّقَها وأدَّتْ إلى ذيوع شهرته, وأَهَّلَتْه لأنْ يكون موضوع الدراسة …”[3].
وفي تعريفٍ آخرَ هي: “ذلك النَّوع من الأنواع الأدبية الذي يتناولُ التعريف بحياةِ رجلٍ أو أكثر, تعريفًا يطول أو يقصر, ويتعمَّق أو يبدو على السطح, تبعًا لحالة العصر الذي كُتِبَتْ فيه الترجمة, وتبعًا لثقافة المترجِم ومدى قدرته على رسم صورة كاملة واضحة دقيقة من مجموع المعارف والمعلومات, التي تجمعتْ لديه عن المترجَم له…”[4].
من خلال التعريفات السابقة يبدو لنا جليًّا أنَّ هناك مصطلحًا يترادف ومفردة “سِيرة”، ألَا وهي مفردة “ترجمة”, على اختلاف الدارسين والنُّقاد في استعمال المصطلحين, فالأمر لا يقتضي كثيرًا من الجدل لنُفَرِّقَ بين المصطلحين.
–فما الفرقُ إذن بين السِّيرة والترجمة؟
أغلبُ المنظِّرين لهذا النوع من الأدب لا يرَوْن فرقًا في طبيعة اللغة والأساليب, إنما يرجعون ذلك للاصطلاح والحجم, فهم يصطلحون على مصطلح (ترجمة) إذا لم يَطُلْ نَفَسُ الكاتب فيها, وإذا طالَ النَّفَسُ؛ سُمِّيَتْ (سِيرة).
يقول أنيس المقدسي: “(السِّيرة) دراسة لحياة شخص واحد هو محور الدراسة, أمَّا (الترجمة) فمحورها أكثر من شخص واحد…”[5].
وعبَّرَ إحسان عباس عن هذا المعنى بقوله: “التراجم؛ هي معاجِم للسِّيَر…”[6].
أمَّا عندما نتناولها “في الاستخدام الشائع لهما في المصادر العربية أيضًا, ففيما كانت (السِّيرة) تحيل على المرويَّات التي عنيتْ بشخص الرسول محمد – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كانت ( الترجمة) تحيل على خلاصات موجَزة للتعريف بأعلام الحديث والفقه والأدب… إلخ[7].
أمَّا في حداثة المصطلح من حيث الاستعمال “فالترجمة كلمة دخيلة إلى العربية من اللُّغة الآرامية, جرى استعمالُها في أوائل القرن السابع الهجريّ؛ استعملها (ياقوت الحموي) في (معجم البلدان) بمعنى حياة شخص…”[8].
ومن هنا نخلُصُ إلى أنَّ الفرقَ لا يتعلَّق بالنَّاحية الفنية, أكثر من كونه يتعلَّق بالنَّاحية الكَمِّيَّة؛ فطُول السِّيَرِ يستدعي استقلاليتها؛ إذ يصبحُ لِزامًا على الكاتب – لكثرة المادة- الاهتمام بدقائق الأمور, والتفصيل في حياة المترجَم له, أو أنْ يخُصَّ الشخصية التي يكتبُ عنها بمؤلَّفٍ مُستَقِلٍّ؛ لأنَّه في السِّيرة يتعمَّقُ في إبراز تفاعُل الشخصية مع بيئتها؛ بينما في الترجمة لا يفعل, إذ يسرِدُ حياة الشخصية ومواقفها وأهم إنجازاتها.
كما أنَّ الترجمة تتمسك بالحقيقة المجردة أكثر من السِّيرة ؛لأنَّ أفق هذه الأخيرة أرحب وأوسع, وأكثر حرية في الإبداع, فكاتب الترجمة ينقلُ الحقيقة كما هي, لأنَّها تاريخٌ لحياة المترجَم له, وإنْ كانتْ بأقلّ من التاريخ نفسه, أما السِّيرة فكاتبها كأنَّه يبني شخصية صاحبها, معتمِدًا على الحوادث والآراء والأدلّة, فالسِّيرة أقرب إلى الفنيَّة الأدبيَّة من الترجمة.
وقد تتداخلُ في السِّيرة فنونٌ أخرى: كالرحلة والجغرافيا والتاريخ, وذلك لكون السِّيرة مسرحًا لكلِّ الأحداث, فهي تُورِدُ التفاصيل من حيث الزمان والمكان, وتكثر فيها الاستطرادات, كما في سيرة النبيِّ الأكرم – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- التي كتبها (الحافظ ابن هشام الدمشقي)، وبالتالي تبرز فيها شخصية الكاتب أكثر من الترجمة.
وهذا ما حَدَا بابنِ خلدون أنْ يتناولَ كِلَا النَّوعَين في تراجِمه وسِيَرِه، وهذا ما سنعرِفُه في مُقبِل الورقاتِ – بإذنِ الله-.
[1]مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس, م1, مكتبة الحياة – بيروت – لبنان, ط 1, 1306هـ, ص 387.
* سورة طه, الآية: 21.
[2]محمد عبد القادر الرازي: مختار الصحاح, دار الكتاب العربي, بيروت لبنان, د.ط, بيروت لبنان,1401هـ\1981م, ص 225.
[3]عبد اللطيف السيد الحديدي: فن السيرة بين الذاتية والغيرية في ضوء النقد الأدبي, دار السعادة للطباعة – مصر, ط1, 1996م, ص11.
[4]محمد عبد الغني حسن: التراجم والسير, دار المعارف مصر, ط3, د.ط, ص 09.
[5] أنيس المقدسي: الفنون الأدبية وأعلامها, دار العلم للملايين, بيروت – لبنان, ط 2, 1980م, ص 547.
[6] إحسان عباس: فن السيرة, دار المعارف, مصر، ط3, 1988م, ص16.
[7] عبدالله إبراهيم: السردية العربية (بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي), المؤسسة العربية للدراسة والنشر, بيروت – لبنان, ط2, 2002م, ص 143.
[8] ريم العيساوي, فدوى طوقان: نقد الذات – قراءة السيرة, أندية الفتيات بالشارقة, الدار المصرية اللبنانية, القاهرة, ط1, 1999م, ص 10.
