السِّيَر والتَّراجِم عندَ ابنِ خلدون
(3-3) – د. طلال أحمد
أشكال السِّيرة العربية
عرفَ فنُّ السيرة العربية أشكالاً سيريّة ثلاثة هي:
1-التَّراجِم:
ويُقصَد بها ذلك السرد المقتضَب, الذي يقتصر فيه المترجِم على ذكر المحطات الكبرى البارزة في حياة المترجَم له, وتتأثَّر التَّراجِم على عناصر ثابتة, “تهدُفُ إلى التعريف الموجَز بالمترجَم له, اسمًا وكنيةً ولقبًا, تعقبها وقفة وجيزة على أخباره ونتاجه الأدبي والعلمي, تتناسب وأهمية الشخص…”[1].
والراجح عند النُّقاد والدَّارسين أنَّ (التَّراجِم العربية) كانت أسبق للظهور من السيرة, ذلك استجابة للباعث الديني الذي يهدف إلى التدقيق في علم مهمٍّ عند المسلمين كعلم الحديث؛ الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا في صحته على تراجِم الرجال التي من خلالها تتضح قيمة المحدِّث ومكانته من الإسناد, ولكن سرعان ما تطوَّرَ مفهوم الترجمة عبر التاريخ ليشمل: الشعراء, الأطباء, الحكماء…[2].
ونتيجةً لهذا التطوُّر أصبح اهتمام المسلمين بالتَّراجِم أمرًا يفرض نفسه نظرًا لأهميتها وفائدتها, ولا أدلّ على ذلك من هذا الموروث الهائل من كتب التَّراجِم، مثل: كتاب الطبقات, وتراجِم القرّاء والكتاب, وكتب الأخبار والمعاجم. ولعل من أبرزها: معجم القرّاء للمرزباني, ولكن أوسع كتب التَّراجِم كتاب (معجم الأدباء) لياقوت الحموي.
وسنعرض فيما يلي نماذج من تلك السير حتى نستبين وتتضح هذه الأشكال.
أولاً- السيرة الغيرية:
وهي مفهوم عام يقدِّم “سردًا تاريخيًّا مقصودًا لحياة إنسان، أو على الأقل تُركِّز على الجزء الأكبر من حياته أو الجزء الذي جعل منه شخصيةً مبرزة، وهذه المواصفات هي التي تمنح السِّيرة شكلها الأدبي…”[3], فالثابت إذًا أنها صياغة مفصلة لحياة أعلامٍ معروفين باعتماد وسيط غير الشخص المترجَم له.
والحقُّ أنَّ اهتمام العرب والمسلمين “بالسِّيرة الغيرية بداية كانت تقتصِر على أخبار المصطفى – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وليس في الأمر غرابة؛ فلشخصية الرسول – عليه الصلاة والسلام- مكانة سامية في نفس كل مسلم, مما جعل الاحتفاظ والحفاظ على سيرته العطرة أمرًا محمودًا.
ومن أشهر كتب السِّيَر التي تناولتْ حياته وشخصيته (سيرة ابن إسحق ت:152ه), وسيرة (عبدالملك بن هشام ت: 218ه), ثم تطور بعد ذلك استعمالها, فاستعملت بمعنى حياة الفرد بصفة عامة مما أدَّى إلى ظهور سير كثيرة منها سيرة (أحمد بن طولون لابن الداية ت: 953ه), وسيرة (صلاح الدين, لابن شدّاد, ت: 622ه)…[4].
والواضح أنَّ الهدف من مثل هذا النوع من السيرة, هو التعلُّق بشخصية الرسول – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-, ومن ثَمَّ الحديث عن سيرته بشئ من التفصيل.
ومما نستخلِصُه أيضًا أنَّ أهمَّ ما يميّز هذا النوع من السِّيَر أنَّه أداة للتعبير الموضوعي الناتج من المرويات الإخبارية ذات الحقيقة التاريخية حول هذه الشخصية.
ثانيًا-السيرة الذاتية:
هي القراءة الزمنية الثانية الاسترجاعية التي يقدِّمها المؤلف عن ذاته, وبعبارة أدقّ هي أن: “يكتب المرءُ بنفسه تاريخَ نفسه, فيُسجِّل حوادثه وأخباره, ويسرِد أخباره, ويسرِد أعماله وآثاره، ويذكُر أيامَ طفولته وشبابه وكهولته وما جرى له فيها من أحداث تعظُمُ وتضؤلُ تبعًا لأهميته…”[5], ويُلاحَظ في معرض هذا التعريف أنَّ السِّيرة غالبًا ما تكون نابعةً من عاطفة ذاتية, تقود الكاتبَ إلى المغالاة في الدِّفاع عن نفسه بالحقِّ وهو باطل أو العكس, غير أنها إذا اعتدلت كانت “أصدق ما يُكتَب عن رجل وأكثره انطباقًا على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته…”[6].
والواضح من التعريفين السابقين أنَّ “السيرة الذاتية” هي أولا: شكل من الأشكال النثرية, وهي ثانيًا: رؤية خاصة لأحداث تاريخية قد تُنقَل بموضوعية أو بتكلُّف أو بمغالاة, وهي ثالثًا: تُعبِّر عن حالات انفعالية من التأثُّر أو التأثير في الأحداث المعيشة.
ويرى عبدالله إبراهيم “أنَّ السيرة الذاتية العربية” هي نتاج الفطرة الإنسانية المتجسِّدة من خلال “الرغبة المتأخرة في تقديم سيرة اعتبارية لاشخصية دقيقة, تعنى بوصف رحلة البحث عن الحقيقة في بنية ثقافية يزداد فيها الصراع بين الخيارات العقائدية والفكرية…”[7].
وقد وصلَنا هذا النتاج ممثَّلاً في سِيَر ذاتية منوَّعة، من بينها: (سيرة ابن الهيثم, ابن سينا, الغزالي, ابن خلدون, أحمد أمين, طه حسين… وغيرهم).
وهكذا فإنَّ السيرةَ تشغل حيِّزًا لافتًا للنظر في البنية الثقافية العربية القديمة, وفي سياق هذا العمل الثقافي أنتج أدباءُ ذلك العصر هذا الجنس الأدبي, مؤصِّلين إياه في العمق الزمني لتاريخ الثقافة العربية, ومن أبرز هؤلاء (عبدالرحمن بن خلدون), الذي سنحاول تحليل بعض النصوص التي ساقها للتدليل على هذا الفن.
______________________________________
[1]عبدالله إبراهيم: السردية العربية, ص 148.
[2]المرجع نفسه, ص 148.
[3]نبيل راغب: دليل الناقد الأدبي, دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة, مصر, د.ط,1998م, ص 141.
[4]عبد الغني حسن: التراجم والسير, ص 28-31-32.
[5]عبد الغني حسن: التراجم والسير, ص 23.
[6]ريم العيساوي, فدوى طوقان: نقد الذات, قراءة السيرة, ص 12.
[7]عبدالله إبراهيم: السردية العربية, ص 153.
