من أساليب اليومِ في الكتابات الصحفية والروائية والمُخاطَباتِ أسلوبٌ مُترجَمٌ ليسَ بالعَربيّ الفصيح وهو تقديمُ جملة الحالِ مسبوقةً بواو الحال، ويزعُمُ مُرتكِبوه (أو راكِبوه) أنّ تقديمَه يُحدثُ الصدمةَ والمُفاجأةَ في نفس المُخاطَب، وأنّ هذه الصدمةَ سيخفُّ أثرُها أو يختفي لو لم تُقدَّم جملةُ الحالِ على صاحبِها… من الأمثلة على هذه الأساليب ما يلي:
– وأنا أحضِّرُ نَفسي للسفر تلقيتُ مكالَمةً..
– وأنا أبحثُ في أوراقي فإذا بي أعثُرُ على بطاقةٍ قديمة…
– وأنا أتجولُ في ممراتِ المدينة القديمةِ صادفتُ شبحاً…
– وأنا أتجولُ غاضبةً في هذا العالم عثرتُ على صديقٍ نسيتُه من قبلُ
– وأنا أدخلُ البابَ لقيتُ ورقةً مُلقاةً تحتَ البابِ
فالأسلوبُ غيرُ سليم وغير فصيحٍ بل ليسَ صحيحاً، ولم تَدْعُ إليه ضرورةٌ ولا بلاغةَ فيه ولا اضطرارَ؛ إذ يكفي أن يَقولَ القائلُ:
– تلقيتُ مكالمةً وأنا أستعدُّ للسفر …
– عثرتُ على بطاقة قديمة وأنا أبحثُ في أوراقي / أو: بينما كنتُ أبحثُ في أوراقي عَثَرتُ على بطاقةٍ قديمة…
– صادفتُ – وأنا أتجولُ في ممراتِ المدينة القديمةِ – شبحاً…
انظرْ إلى تأخير الجُملة الفعليّةِ، وهي مَحطُّ العنايةِ والاهتمامِ في قَوله تعالى: «ولا تَأكلوا مِمّا لم يُذكَر اسمُ الله عليه وإنّه لفِسقٌ». فالواوُ [وإنه لفسق] ليسَت للعَطف، لاختلاف الجُملتين الاسمية [إنه لفسق] والفعلية [لا تأكلوا]، وليسَت للاستئناف؛ لأنها لم تستأنفْ ما انقطَعَ، ولكنَّها للحال والجملةُ الحالية مُقيَّدةٌ بالنّهي، والمعنى: لا تأكلوا مما لَم يُذكَر اسمُ الله عليه حالَةَ كَونِه فِسقاً، والمَفهومُ منه جَوازُ أكلِ ما لَم يُذكرْ اسمُ الله عليه ما لم يكنْ فسقاً كما فسَّرته الآيَةُ: (أو فِسقاً أُهِلَّ لغَيرِ الله بِه)، كجواز أكلِ ما لم يُذكرْ نسيانًا، أمّا المُرادُ فهو ألا يُؤكلَ منه إذا سُمِّيَ عليه غيرُ الله، والمَفهومُ السماحُ بأكلِه إذا لم يُسمَّ عليه غيرُ الله.
وانظرْ إلى تأخيرها مقترنةً بواو الحال، في قوله تعالى: «أو كالذي مَرَّ عَلى قَريةٍ وهي خاويةٌ عَلى عُروشِها»؛ ولا يقولَنَّ قائلٌ إنّ الجملةَ الاسميةَ (هي خاويةٌ) نعتٌ للنّكرَة (قَرية)، فوُجودُ الواوِ في صَدر الجُملة يَرفعُ تََوهُّمَ جعلِ الجملةِ نعتاً للنكرة، إذ النّعتُ لا يُفصَلُ بينَه وبينَ المَنعوتِ بالواو،
ومثلُه قولُه تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)
ومنه المثالُ: طَلَعَ علينا رجلٌ والشمسُ مُشرقةٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
انظر:
مغني اللبيب
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
كتب التفسير
- معجم الإنسان وصفاته في المأثورات الشعبية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (5)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- مفهوم الفصاحة عند فهد عاشور* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (4)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (3) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- علة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (2)* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- لا يُتعجب من الفعل الرباعي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل اللغة العربية الفصحى لغة مصطنعة* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- في خصائص النظام النحوي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
يناير 21, 2021 10:25 ص
رأي في بعض الأساليب المُعاصرَة – أ.د. عبدالرحمن بودرع
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/31089.html
