بعد التطواف المبين لمعنى الإحساس اللغوي وسيرورته، ندلف إلى الأحاسيس اللغوية التي أُلْهِمَها الرسولُ صلى الله عليه وسلم في أقواله وإرشاداته، فقد لاحت من الملامح الآتية:
1- أنه بيَّن لنا مصدر إحساسه اللغوي البديع، وذلك حين ذكر أن من أسباب اللحن اللغوي العيشَ في بيئة لغوية لحَّانة، وحين أشار أيضًا إلى أن الوراثة لها أثر في تكوين الإحساس اللغوي المؤدي إلى الإنتاج اللغوي، قال صاحب المراتب: “قد روينا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا من قريشٍ، ونشأت في بني سعد، فأنَّى لي اللحن”، ففي هذا الخبر ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم على اعتقاد تام أن قريشًا من القبائل الفصيحة، لذا فهو فصيح، لأنه قرشي، فلن يتكلم إلا كلامًا فصيحًا، وكأن هناك اتفاقًا بين العرب على أن القرشيين هم أصحاب الفصاحة، فمَن كان منهم فالواجب أن يكون غيرَ لحان، أما إخباره عن نشأته في بني سعد – وهم من هوازن – ورَضاعتِه من حليمة عندهم، ففيه إشارة إلى فائدتين:
1-الأولى أن الفصاحة تتأتى من البيئة الفصيحة، فلا يسمع المرء فيها إلا الكلام الفصيح من نثر أو شعر.
2- الثانية نستلهمها حين نتذكر أنه رضَع من حليمة السعدية، ففيه إشارة إلى أن الوراثة لها وظيفة في تكوين خلايا في الدماغ مستعدة لتكوين معمل لغوي فصيح إذا أمدته بيئة لغوية فصيحة كبيئة بني سعد، فإذا تم ذلك انتفى اللحن، لذا قال: فأنى لي اللحن؟ أي من أين يأتيني اللحن؟، فأنى في قوله: “فأنى لي اللحن” معناها من أين لي اللحن؟، ومعناها هنا كمعناها في قوله تعالى: “يا مريم أنى لك هذا”، أي من أين لك هذا، وهذا التفسير للفظة “أنَّى” يؤدي بنا إلى القول: إن اللحن عند العربي الأصيل يقع منه حين يبتعد عن مواضع الفصاحة أو من احتكاكه بالأعاجم الذين لا ينتمون إلى بيئة فصيحة، فإن قلت: هناك أعاجمُ برعوا في الفصاحة، فمِن أين أتتْهم؟ فالجواب: أن هذه الفصاحة مكتسبة، والفصاحة المكتسبة قد تعدل الفصاحة السليقية، وقد تفضلها، ولكن إذا اجتمعت السليقة الوراثية مع المكتسبة، فهي الغاية، وهي عمود العربية المعتمد، وقد اجتمعت عند العرب المستشهَد بلغتهم، ففصاحة الرسول صلى الله عليه وسلم ناتجة عن جينات وراثية مع مهارات لغوية مكتسبة من بيئة لغوية كما ذكرنا، ولا ننسى أن نشير إلى أن العربي إن لم يُنَمِّ الوراثةَ اللغوية فقد تضعف هذه الوراثةُ، ويقوى عنده ما حشَّاه في دماغه من مخزونات لغوية اعتنى بها ونماها، وأعتقد أن قول العرب: لله دره شاعرًا أو فارسًا فيه دلالة على العلاقة بين الرضاعة والجبلّة التي يتكون منها الإنسان لا سيما لغته.
– على كل حال صار صلى الله عليه وسلم بتحقق أسباب الفصاحة لديه – فصيحًا بليغًا كارهًا للحن فحذرنا منه، قال أبو الطيب: “ُروينا أن رجلًا لحن بحضرته، فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضلَّ”، فقوله صلى الله عليه وسلم “فقد ضل” فيه إشارة إلى أن اللحن يؤدي إلى الضلال الذي ينتج عنه فساد المعاني في القرآن الكريم، ففي اللسان “الضلال والضلالة ضد الهدى والرشاد، يقال: ضلَّ فلانٌ عن القصد: إذا جار “وضل الشيء أي ضاع وهلك، وفي الحديث ملمح لغوي ماتع يدل على الرقي اللغوي الذي تتسم به لغة الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد بدأ الرسول قولَه بلفظة “أرشدوا” وأنهاه “بالضلال”، وهذا التلازم بين اللفظين من طرق العرب في كلامها، قال الأزهري فيما نقله ابن منظور: “والإضلال في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، وكأن اللحن بمفهومه الواسع يؤدي إلى ضلال وهلاك، فعدم فهم النصوص اللغوية فهمًا دقيقًا وفق قوانين العربية يؤدي إلى الضلال والفساد، وهذا ما رأيناه قديمًا وحديثًا عند الفرق الضالة التي اعتمدت في تأويلاتها للنصوص الدينية على فهمٍ غيرِ مبني على طرائق العرب، وكم حذر العلماء الأثبات طلاب العلم من إقدامهم على دراسة العلوم الشرعية من غير تسلحهم بعلوم العربية، فالفهم الخطأ لأي نص لغوي هو لحن خطير عبر عنه صلى الله عليه وسلم بلفظة “ضلَّ”.
-لقد أضحى صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا أفصح العرب، لأن أحاسيسه الداخلية اللغوية نقية صافية، فلا تُظهر في تراكيبها الظاهرة إلا الفصاحة والبراعة، ومن أهم ما يجب أن ننبه إليه هو أن الغاية من كل أقواله صلى الله عليه وسلم هو الالتزام بما جاءت به الشريعة الغراء من أوامر ونواهٍ، لذا فالدلالة اللغوية في كل أقواله ممتزجة بالدلالة الشرعية، فكلا الدلالتين أثرتا في تكوين إحساسه اللغوي الذي أنتج التركيب اللغوي المتمثل في المبنى والمعنى، ومن الأمثلة التي التقفتها الدالة على ما ذكرناه:
1- قيامه صلى الله عليه وسلم بـ:
أ- تغيير أسماءِ كثيرٍ من الأعلام.
ب- تصحيح عباراتٍ كانوا يستعملونها في الجاهلية.
(يتبع)
______
[1] – مراتب النحويين، 23.
[2] – لم أرد في هذه المقالة الحديث عن موقفه صلى الله عليه وسلم من الشعر، فأمر ذلك معروف، والقصص مشهورة، ورأيت في مزهر السيوطي 2/334 ما يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع رواة الشعر، ويصحح مضامينها، خلاصتها أنه شك في أبيات أنشدها رجل عند باب بني شيبة أولها:
ياأيها الرجلُ المُحوِّلُ رحلَه ** ألا نزلت َبآلِ عبدِ الدار
فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه قائلاً: أهكذا قال الشاعر؟قال : لا، والذي بعثك بالحق ، لكنه قال:
يا أيها الرجل المحول رحله ** ألا نزلت بآل عبد مناف
وبعد إنشاد أبي بكر لبقية الأبيات ،تبسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : هكذا سمعت الرواة ينشدونه”.
[3] – المراتب، 23.
[4] اللسان، ضلل.
[5] – اللسان.
[6] – ذكرنا كثيرًا من تحذيرات العلماء في محاضرتنا أهمية العربية في العلوم الشرعية، وفي كتابنا محاضرات في أصول العربية وذلك في ردنا على ابن مضاء.

التعليقات 2
2 pings
السيد محمود الجندي
يناير 13, 2026 في 7:58 م[0] رابط التعليق
بوركت جهودكم حراس اللغة
السيد محمود الجندي
يناير 13, 2026 في 7:59 م[0] رابط التعليق
دام عطاؤكم