(اللغة العربية في يومها العالمي)
د. محمد بن خالد الفاضل
مر قبل ثلاثة أيام اليوم العالمي للغة العربية، وهو يوم (18 كانون الأول/ ديسمبر) وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية فيها وذلك في 18/ 12/ 1973م.
وقد يستهين البعض بهذه الأيام العالمية، ويراها ليست أضعف الإيمان، بل أقل منه، وهذا قد ينطبق على بعض الأيام العالمية كيوم الأم مثلاً، خصوصاً عند المسلمين، فالمسلمون- بحمد الله- في عمومهم يولون الأم اهتماماً وبراً طوال العام، وليس في يوم الأم فقط كما هو حال بعض الشعوب الغربية من غير المسلمين الذين يكثر فيهم هجر الأم وقطيعتها إلا في يومها العالمي حيث يتذكرونها برسالة أو اتصال أو نحو ذلك.
وأعود إلى يوم اللغة العربية العالمي لأقول إن الأمم المتحدة أحسنت إلينا بهذا اليوم؛ لأن لغتنا تعاني منا هجراً وقطيعة كما تعاني الأم في الغرب، فجاء هذا اليوم لينعشنا ويحرك دم النخوة والغيرة والحياء في عروقنا، فصرنا ننتشي بهذا الزخم الجيد- وإن كان دون المأمول-، الذي يقوم به مركز الملك عبد الله الدولي والنوادي الأدبية والجمعية العلمية للغة العربية وغيرها في خدمة اللغة وجذب الناس إليها وإشعارنا بالتقصير والعقوق لهذه اللغة العظيمة المقدسة الخالدة الرائدة الواسعة الراسخة المتجددة، وهي اللغة التي حظيت بمجموعة من أوجه التشريف والقداسة، ولو لم يكن لها من ذلك كله إلا أنها لغة الوحيين العظيمين الخالدين (القرآن والسنة) وهما رسالة السماء للبشر إلى قيام الساعة، وأي فخر يشعر به العربي عندما يتأمل في اختيار الله سبحانه بجلاله وعظمته لغته دون لغات الأرض ليتكلم بها، وينزل كلامه إلينا دستوراً خالداً مقدساً محفوظاً إلى قيام الساعة؟، وما مقدار فخره عندما يعلم يقيناً أنه لا يوجد نص صحيح مضمون في العالم كله من كلام الله سبحانه بغير اللغة العربية؟، ولنشعر بمثل هذا الفخر وهذه العزة عندما نتأمل أيضاً في تشريفنا بأن يكون النبي الخاتم- صلى الله عليه وسلم- من قومنا ويتكلم بلغتنا، وتتحدر من فيه سنته الشريفة بهذه الدرر العربية الحسان، وقد أشرت في مقال سابق إلى أنه لو لم يكن للغتنا إلا أنها ختمت بها هذه السلسلة الرباعية الرائعة المتمثلة في قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، لكفاها شرفاً وفخراً. فانظر كيف بدأ الله سبحانه بنفسه، ثم ثنّى بجبريل عليه السلام، ثم ثلّث برسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم ختم بلساننا العربي المبين؟، فأي شرف للغتنا أعظم من أن تكون خاتمة هذه السلسلة العظيمة المقدسة المبجلة؟، ووالله إن البدن ليقشعر وهو يتخيل هذا التشريف والمكان والمكانة للغتنا العظيمة، ثم يتقاصر ويتقزم حياءً وخجلاً وهو يرى حال لغتنا في نفوسنا وفي مجتمعنا اليوم، وفي أسواقنا ومدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا وفنادقنا وشركاتنا ومنتدياتنا وتعليمنا وإعلامنا، بل إن الألم يبلغ مداه عندما نرى مدارسنا الخاصة تتسابق لترويج نفسها وتقديمها للناس بأنها تهتم وتعتني باللغة الإنجليزية، وما زلت أتمنّى وآمل أن أجد مدرسة تقدِّم نفسها للناس بأنها تهتم باللغة العربية الفصحى!، هل هذا القدر اليسير من حق لغتنا علينا سيظل حلماً بعيد المنال، وطموحاً دونه عقبات وعقبات؟!.
إن أخطر ما قد يواجهنا ويواجه لغتنا هو أن يتربى ناشئتنا على ازدراء لغتهم واستصغارها والانبهار باللغة الأجنبية وتعظيمها، وهذا مستوى لسنا ببعيدين عنه، لكننا سنندم عليه إن حصل غاية الندم.
