قضاء وقدر
لمحمد جمال صقر
مصريان … .
أما صلاح ففتى أسمر طيب قوي البنيان , من إحدى قرى المنوفية , وقريته أبعد القرى عن ملامح المدن التي جعلت تبغي على ريف مصر .
وأما محمود فمارد أشقر أخرق عريض الدعوى , من إحدى قرى كفر الشيخ التي ظلمتها المدينة فانظلمت !
بين المنوفية وكفر الشيخ مسافة سفر , غير أن أقدار التجنيد بالجيش جمّاعة , والاجتماع هنا نادر غريب عليهما ؛ إنهما معا في خيمة واحدة ضمن فصيلة واحدة تابعة لسرية وقود تابعة لحَفْرِ الباطِنِ التي هي إحدى مدن شمالي شرقي المملكة السعودية !
ربما نسيت هذه المدينة اسمها آنفا لندرة ذكره , غير أنها الآن حديث العالم كله لما يعمها من صخب الحرب .
صدر الآن أمر من قائد السرية بذهاب اثنى عشر جنديا إلى مدينة القيصومة الكائنة على عشرين كيلو من حفر الباطن , ليتسلموا ست سيارات , فكان من الجماعة صلاح ومحمود .
فوجئت الجماعة في القيصومة بان السيارات شاحنات ضخمات فخمات لا كما تخيلوا أو عهدوا , فجعلوا يجادلون قائد المقر في تسلمها ؛ وما ذلك إلا لأنهم تعودوا في بلدهم أن متسلم السيارة مسؤول عنها , يغرم من ماله ومال أهله خسائرها وأثمان إصلاحتها , وهذه الشاحنات لا قبل لأحدهم بما يصيبها ولو باع قريته كلها !
فيقول أحدهم :
– لا علم لي بقيادة هذا النوع .
ويذكر آخر أن أكبر ما قاده سيارة جيب ؛ فيسخر القائد منه شاتما :
– وهل وجدت أكبر من ذلك يا ابن الحافي لتقوده !
كان نصيبَ كل شاحنة جنديان : سائق ومرافق , ولم يكن إلا أن يأتوا بها ؛ فقر قرارهم بعد جدالهم ذلك , وتم لخمس شاحنات أطقمها ، وبقيت واحدة أمامها صلاح ومحمود صاحبانا !
أمر قائد المقر صلاحا بتسلمها ؛ فأبى معتذرا بضعف خبرته بهذا النوع ؛ فتحول إلى محمود ، فقبل مرحبا ، ذاكرا أنه صاحبها الذي سيقودها متألقة ، وأنه يعلم … ، ويفعل … ، وسيفعل … !
تم الأمر , واصطفت الشاحنات ، فكانت خامستَها في الترتيب التي يقودها محمود وبجواره صلاح , ثم استمع الجميع لشرح طريقة استخدام مفاتيح الشاحنة .
صار الأمر إلى جماعة الجنود ، وخرج عن سلطان قائد المقر , فابتدؤوا السير إلا الأخيرتين , والحق أَلّا ذنب لقائد السادسة إلا أن الخامسة تعوقه ؛ فقد كان محمود يديرها كمغامر , فترتج كمصروع ، ثم تقف ؛ فضاق به قائد السادسة ؛ فاحتال حتى تجاوزه ، وأدرك القافلة .
يعيد صاحبنا الكرة ؛ فتعيد الشاحنة فعلتها ، ولا يكاد يرى الأفق أمامه ولا القافلة .
خطر لصلاح وهو سائق كذلك وإن لم يكن مدعيا ولا خبيرا ، أن تكون فرامل المقطورة غير مرفوعة – فكل شاحنة بُنْيانان : مقطورة تحمل الوقود ، وجرّار يجرها , به مجلس القيادة – فأخبرصاحبه بذلك , وبحثا عنها ، فوجدا إصبع حديد بجانب كرسي القيادة ، فجذباها , ثم أدار محمود الشاحنة ، فتحركت ، ونسيت صرعها قليلا .
لقد كانت فخمة سهلة الإسراع ؛ فأغرت صاحبنا ؛ فبلغ بها أَوْجَ سرعتها .
– الله ! عما قليل ندرك أولئك الجبناء ، ونسبقهم .
– انتبه ، يا محمود ، عَمَرَ الله بيتك !
– عروس ، والله … !
– يا ابني مالك تميل يمينا ويسارا شاغلا الطريق كله !
– هكذا الطرق ، ما أحسن ألا يسير فيها غيرك !
لم يتمتعا طويلا بانفرادهما بطريق فخمة في شاحنة أفخم ؛ فقد برزت خلفهما سيارة جيب يحاول قائدها الأمريكي – وكل أجنبي عندهما الآن أمريكي – أن يفوتهما فلا يعرف , لتمايل الشاحنة يمنة ويسرة .
انتبه محمود لما نبهه صلاح طالبا منه أن يفسح له ليستريحا . لم يكن محمود عاصيا أو رافضًا , بل أسيرا لطغيان صاحبته التي كان تمايلها له أقصى ما منت به عليه .
لم يرض قائد الجيب الأمريكي – وهو أخف منهما حركة – أن تطول هذه الحال , فاحتال حتى أفلتهما , فما كادا يحمدان الله أن استراحا من قلقه حتى رأيا نور الجيب الخلفي الدال على بداءة توقفها .
لم يقنع الأمريكي المغيط بإفلاته من نزق الشاحنة وصاحبيها , فأوهمهما بضغطة سريعة على فرامل سيارته أنه سيقف مضطرا , ثم فر طائرا غير أنه خلف مأزقا كبيرا .
بادر محمود فداس فرامل جرار شاحنته وحدها دوسا كاملا ؛ فثار بعض الشاحنة على بعضها , وذهل محمود عن أمره , وداخ صلاح ، وحلم بأن كائنة مفزعة تدحرجت مرارا وأنهما يستقبلان أمرا خطيرا … !
لم يعرفا ما حدث ، لكن عرفا أن الله سلم ! ثم تفقدا الشاحنة فوجدا المقطورة عند دوس الفرامل ، قد هجمت على الجرار وفيه مجلسهما ؛ فعجنت سريرا به ، وأقبلت ناحية صلاح ؛ فغاصت بالباب في بدن الجرار ، وتلعبت ببطنه ؛ فأفسدت أجهزته , وسمعا خريرا ، فنزلا يتفقدان أسفل أمرها ؛ فراع صلاحا دَمٌ أحمر قانٍ يُبادِرُ الأرض ، فيُلَوِّنُها .
– محمود ، يا خبرا أسود , فتش فيّ ، وسأفتش فيك لنعلم مصدر هذا الدم … !
– لا شئ بك .
– ولا بك .
– عد بنا ندقق النظر … .
– محمود , فتح الله على أهلك , هذا زيت عجلة القيادة , تم الخير والحمد لله !
– ماذا سنفعل إذن !
– ننتظر يا غبي ؛ فعندما تصل الشاحنات إلى حفر الباطن سيكتشف القائد غيابنا ، فيسأل ثم يعالج الأمر , وأنت تعلم علاجه !
وقد حدث ما قَدَّره صلاح ، ولكن بعد وقت ؛ ففي عصر ذلك اليوم جاءهما القائد ومعاونه بأوتوبيس جيش ؛ فسَلَّما بوابل من السخرية والتقريع والتوبيخ والسب واللعن ، ثم حاولا شد الشاحنة ؛ فما استطاع الأتوبيس إلا تَنْحِيَتَها عن عُرْض الطريق .
حَكَمَ القائد لما علم منهما معا حقيقة الوَقْعَة , ببقاء محمود وأخذ صلاح معه لإحضار ما يمكنه جر هذه الشاحنة ؛ فتطوع معاونه ، فرأى أن يبقى صلاح كذلك , فأنفذ القائد رأيه – ومن قديمٍ تَجْني الصُّحْبة – ثم رجعا كأن لم يأتيا … !
بقي صلاح ومحمود مع شاحنة ضخمة , لا قِبَلَ لهما بضمان سلامتها , في طريق غريبة لا علم لهما بها , مخنوقة برمال لا نهاية لها , لا يكاد يزورها أحد , وقد أزف رحيل النهار … !
ها هما يضطربان بأمرهما وقد أحسا للجوع ببطنيهما كطعنات رماح , وليس معهما من زاد الجيش شيء , فلم يكن مقدرا لرحلتهما أن تطول , ولا عبأ بهما الضابطان , ولإقبال المغيب ألم كسكرات الموت وحشة تؤازرها وحشة الأرض القفر وفقد الأنيس … !
ها هما يتلاومان ، ويتمنيان :
– أف لك ولهذا المكان , لكأنك أنت وقادتك والمكان والزمان ، اتفقتم على اهلاكي … ألا تعلم حقيقة حالنا ! لو خرج لنا أحدهم وهم يتضورون الآن في مخابئهم ، لهاجمنا طلبا لما يُحْييه , غير متورع عن قتلنا إن شاغبناه … ! ويلي عليك ! من لي الآن بطبيخ أمي أو خبيزها أو شايها , أرقبها تصنع ذلك في دهليز دارنا , مالئا عيني من معارفها الحبيبة , مجاذبا أبي الطيب الحديث , ملاعبا أولاد إخوتي الذين يملؤون الدار … !
آه ! في مثل هذا الوقت يئوب الفلاحون ببهائمهم إلى دورهم ليجدوا نساءهم قد صنعن لهم طعامهم وحَسَّنَّه ما استطعن , فإن كنت فيهم أقبلَتْ عليَّ رياح الطمأنينة كلما دنوتُ من دارنا , وإن كنت في الدار طالعتهم وهم يمرون على بابنا المفتوح أبدا للمُسَلِّمين , فتغمر قلبي طمأنينة كتلك , من حياطتهم وبرهم ونفوسهم الطاهرة … !
آه ! أيها الطيبون الطاهرون , تراكم راضين عني !
– هون عليك ، يا صلاح , عما قريب يحضر من يأخذنا من هذا المكان … .
– انظر , ألا ترى تلك الخيمة ؟
– أين ؟ ليس ثم شيء !
– انتبه – يا أعمى ، يا عديم المنفعة – هناك !
– نعم نعم , على مرمى البصر .
– أنت بالطبع محظوظ , لا تصلح لشيء , فابق هنا ، وأغلق عليك زجاج الجرار ، واحفظ سلاحنا ؛ فلن آخذ بندقيتي لكيلا يظن بي أحد شرا . وعندك ستمائة رصاصة معبأة وغير معبأة ؛ فاحترس ، وقدم سوء الظن بمن يقبل عليك حتى تسلم , وسوف أذهب إلى تلك الخيمة علني أجد طعاما أو شرابا .
– بالله ، لا تتأخر !
حث صلاح الخطا ، حتى إذا ما قارب المقصد وجد حائط سلك ، فأقبل يتفقده ؛ فصاح فيه شيء :
– إستب … !
– ( هذا إذن جندي أمريكي كذلك , وهذه منطقة عسكرية , ولو رجعت جريا حسبك عدوّا ؛ فاستعمل سلاحه ، ولو أقدمت لم تأمن , ولا علم لك بلغته . لا تظن ما ألقي عليك في دراستيك الإعدادية والثانوية الزراعية من دروس الإنجليزية ذا فائدة ! لا جدوى من ذلك وما كنت تظن أن تقف هذا الموقف أبدًا . فكيف ترى ) ؟
– هيه … أنا إيجيبت … إيجيبت … !
– إيجبت كايرو ؟
فأشار إليه صلاح موافقا ؛ فأشار إليه الأمريكي أن يذهب إلى مكان متقدم … .
وصل إلى المكان ، فلقيه جندي آخر , ثَبَّته كما صنع الأول ؛ فذكر له ما ذكره لصاحبه السابق , فدخل حجرة في المكان ، فخرج آخر يبدو أعلى رتبة , فحياه ثم رطن له رطانة لم يفقهها ؛ ففكر صلاح ، ثم أظهر هويته العسكرية ظنا منه أنه ستحسن موقفه شيئا , فتفقدها الأمريكي ، ثم أظهر له ما يشبه القبول والموافقة عائدًا إلى رطانته … .
– ( نعم ! الله الله !
هذا إذن آخر المطاف !
هذا هو الذي سيفهمني حقا بعد أن أبى الزملاء والقادة والمكان والزمان !
كيف أصنع يا ربي … !
أشير … ؟
نعم ، أشير له … أشير ) .
أشار صلاح إلى الخلف وأن له شاحنة تعطلت على الطريق , وإلى بطنه وأن ليس به شيء ، وإلى فمه وأنه يريد أن يأكل , وإلى حيث صاحبه وأنه يريد طعامًا لاثنين !
نجحت محاولته – ولقد تغني الإشارة – فأمر الأمريكي زميله ، فذهب عنهما بعيدا … .
بقي صلاح مع الأمريكي الذي ظل يرطن له ضاحكا , وصلاح لا يفهم كلامه ولا يعرف لضحكه سببا ، حتى ضاق به ؛ ففكر أن يصنع مثله … !
استجمع صلاح غيظه ، ثم انفجر ضاحكًا قائلا :
– ألا تدري أنكم بقر ! نعم بقر , أقسم لك بالله أنتم بقر ! هأ هأ هاي … !
بعد قليل أتى الجندي المأمور بِكيسَيْنِ أخذهما صلاح فاهما أنهما الطعام على رغم تَرَجْرُجِهما في يده كأن بهما عجينا شديد اللين , ثم أشار للأمريكي أنه يريد ماء لنفسه ولصاحبه أيضًا , فأحضر له زجاجتين كبيرتين , أخذهما شاكرا شكرا إنجليزيا :
– سانك يو !
فطفق الأمريكي يكرر معه :
– ثانك يو !
– سانك يو !
– ثانك يو !
… عاد صلاح يحاول الاهتداء إلى مكان صاحبه وشاحنته التي كانت بلون الصحراء , ولكن كان الليل قد ألبس الكون ثوبا مخيفا ، والليلة كما بدا له , لَيْلاءُ , والحركة مهلكة !
جعل صلاح يسير مرة ها هنا ومرة ها هنا على غير هدى , يخبط الأرض خَبْطَ عَشْواءَ , إذا داس أو مال بشِِِِِقِّه لم يأمن أن يزل في بئر أو ينطح صخرة … .
– ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !
أهكذا … !
ليتني كنت انتبهت إلى دروس الضابط التي كان يحاول فيها أن يعلمنا الاهتداء بالنجوم … !
ليتني لم أترك ذلك البغل في الشاحنة … !
ماذا لو كنا انتظرنا قليلا أو كثيرا … !
ليتني لم آت إلى هنا … !
ليت أمي لم تلدني … ) !
الآن أحس إقبال سيارة من بعيد ، أسرع ، فتلفت مهتديًا بنورها ؛ فاكتشف مكان الشاحنة الذي لم يكن بعيدا , فسار إليه … .
أقبلت سيارة أخرى ، فاهتدى بنورها ؛ فاكتشف أنه أخذ في جهة غير جهة الشاحنة ؛ فعجب كيف مال سيره هذا الميل كله !
ثم احتاط هذه المرة ؛ فأقبل على الشاحنة الكئيبة … !
ما يكاد يقاربها حتى وجد صاحبه قد أخرج بندقيته الآلية ووَجَّهها إليه تمامًا آمرا بالوقوف ! صرخ فيه صلاح مستجمعا كَمَدَه وتعبه :
– ولد ، يا محمود ، يا ابن الأهبل , أنا صلاح ، يا غبي , خرب الله بيتك وبيت أهلك ! وقد أحضرت لك سما نافعا لتأكل وتشرب !
عندئذ فقط عرفه محمود وجاع له !
نزل ، وأقبل عليه يعاتبه :
– أتدري , لقد كان مكوثك معي خيرا من أن تتركني هذا الوقت وحدي !
– وأنا يا ابن الفالحة , تراني سعدت بهذه المغامرات المهلكة !
دع عنك هذا ، وتعال نفض الكيسين ، ونأكل ، ونشرب … .
فتح كل منهما كيسه ؛ فوجدا فيهما شيئا يشبه فَتَّةَ اللَّبَن ، له رائحة غريبة ، وكذلك كان طعمه ؛ فتركاه ، وأقبلا على غيره فَضًّا وفَتْحًا وفَتْكًا ؛ فما استفادا غير قطعتي بسكوت وقطعتي لبان ؛ فأكلا الأوليين وشربا عليهما , ومضغا الأخريين ؛ فربما أغنتا عن الحصا الذي نُصِحا به لإدرار اللعاب .
ما زالا جائعين منتظرين , ولا شيء غير الويل وغير قلب الليل … !
لكن ها هي ذي سيارة تقترب ، فتقف :
– يا شيخ , معك وقود ؟
– لا , هل معك أنت أَكْل ؟
– لا ، سلام عليكم … !
ما أضل عقارب الساعة في هذه الظلمة … ! ها هي ذي سيارة أخرى تقترب ، فتقف كذلك :
– يا شيخ , معك وقود ؟
– لا , لكن هل معك أنت أكل ؟
– معي كيس خبز .
– إلينا به … هل معك إذن غُموس ؟
– أيش تقول ، يا شيخ ؟
– هل معك شيء نأكله بالخبز ؟
– لا ، والله ، يا شيخ , سلام عليكم … !
– محمود ، بهذا الكيس عشرة أرغفة , لكلٍّ خمسة ، وأمامك الماء , نأكل الخبز ونشرب عليه .
لم يتجاوز كل واحد أربعة أرغفة , كانا يلفان الرغيف ثم يفتكان به على مرتين , ثم حفظا الرغيفين الباقيين حَذَر المجهول !
عندما حل منتصف الليل كانت سيارة شرطة عسكرية سعودية قد حضرت بجرار ضخم استطاع أن يخضع الشاحنة ويستتبعها , ثم لما هَمَّ الركب بالسير مال محمود على بعض من حضر إليهما سائلا بين خوف ورجاء :
– بالله ، أخبرني : هل سنغرم ثمن إصلاح هذه الشاحنة ؟
– يا أخي , هذا الذي أصابها قضاء وقَدَر !
ما تعرف القضاء والقدر !
