• الدخول | التسجيل

بحث

تسجيل جديد

عفواً ، التسجيل مغلق الآن يرجى المحاولة في وقت لآحق .

دخول الأعضاء

اسم المستخدم

كلمة المرور

فقدت كلمة المرور

الرجاء إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني. سيتم إرسال رابط إلى بريدك الإلكتروني تستطيع من خلاله إنشاء كلمة مرور جديدة.

    |   مارس 14, 2015 , 10:48 ص
> مقالات > سيارتي الشبح، لا ردها الله! – أ.د. محمد جمال صقر
مارس 14, 2015   10:48 ص

سيارتي الشبح، لا ردها الله! – أ.د. محمد جمال صقر

+ = -
0 8351

سيارتي الشبح، لا ردها الله!

لا -والله- ما أردتها، ولا سعيت إليها، ولكنها سلطت علي عشر سنوات وعلى بني، فصبرت عليها خطأ مثلما يصبر المريض على مرض عضال بغيض الداء مخوف الدواء؛ فسوأت خلقي، ولوحت لوحي، وتجبرت حتى أعانني عليها حينها الحائن؛ فاطرحتها عني مثلما أطرح حذاء متهرئا مؤذيا، غير مبال بما جره علي بخسي ثمنها، من أهلي الذين جعلوني مجنونا، ومن أهلها الذين جعلوني سارقا، ولو اطلعوا على سيرتها لجعلوني حكيما كريما!
لقد كنت المبتلى بمثلها في جامعة القاهرة، لا أكاد أبدو بها لحراس الأبواب حتى يعتدلوا ويسلموا تسليما، ولا الطلاب حتى ينبه عليها بعضهم بعضا، ولا الموظفين حتى يأتوني إليها مذعنين، غير عجوز بعيدة العقل أقبلت تعبر أحد طرق الجامعة فرأتها من بعيد تنهب الأرض تسد الأفق؛ فأشارت بيسراها متكئة على عصاها بيمناها مثلما تذب ذبابا أو تحقر شبابا وكانت أبعد من أن يخشى عليها، فلما مررت بها قبل أن تتحرك صاحت: يا خنزير! فرجعتها إليها، وفتحت نافذتها غضبان: تقولين لي هذا وأنا أستاذ بالجامعة! فقالت: ظز! تدوسني وتقول أستاذ بالجامعة! فعرفت قيمتي وذهبت!- ولا زملائي حتى ينفضوا مني أيديهم، ولا أساتذتي حتى يقيسوا إليها ويحتج بها بعضهم على بعض!
وكنت المخدوع بها في كل طريق مفتوح سريع، أحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، لا يمنعها مانع، ولا يبخعها باخع، غير سفرة ساحلية كئيبة، اضطر الشرط فيها إلى اعتراضها ذهابا وإيابا آسفين؛ فأما في الذهاب فأخذوا رخصتي، وأما في الإياب فأخذوا رخصتها؛ فقال أحد من كلمني من أصهاري قبل وصولي، يطمئن علي: إذا اعترضوها ثالثة فأعطهم عيلا من العيال!

حكى لي أحد زملائي ولم نكن عندئذ جميعا من ذوي السيارات، أن ابن ثري مصري تكبر بسيارته على الناس في شوارع القاهرة وتجبر وطغى وبغى، حتى أحدث فيهم وأفسد؛ فأمسكوا به؛ فهاتف أباه؛ فأتاه من فوره، ولم يكد يراه في أيديهم حتى صرخ فيه يسبه ويلعنه ويضربه؛ فرحمه الناس وحالوا دونه، ثم قال له: والله -يا ابن الكلب- لئن لم تعتدل لآخذن منك الشبح، ولأعطينك الفيات، ولأجعلنك مثل أولاد الشوارع!
قلت: يا خيبة أمل المصابين المساكين الذين رحموه، ثم يا لأمثالنا -عندئذ- الذين لم يدركوا القيام في مقام ذوي الفيات من أولاد الشوارع!
ثم ضرب الدهر ضربانه، وسافرت عن الشبح -بعدئذ- معتقلة بمأواها؛ فتوصل إليها براء وكان المقدم على أقرانه في تخصصه الجامعي، وسولت له نفسه أن ركوبها إلى كليته أسهل من أن يبحث عمن يقله فيفوته الوقت؛ فلما أشرف بها على حراس باب الجامعة الأكبر استصغروا حجمه وسنه وزيه -وإن أربكتهم البطاقة على يمين زجاجها- وتوقفوا في شأنه حتى يستأذنوا قائدهم، فطلبه، فجاءه، فعاتبه، فأحسن إعتابه، فنصحه، فذكر له أنه رأي أبيه أيضا، فأثنى له على أبيه ليقنعه بمراده، ثم اضطر بما وجد من حضور جوابه أن يسمح له، على ألا يعود! ولم يكن يريد أن يعود فقد رآه بها من أراد أن يراه، ثم حمل عليها في إيابه من أراد أن يحمل، وقضى الأمر، واستوت بمأواها، ولكن بعد أن هبطت بمرتبته في تخصصه عما كانت قبلئذ، ولات ساعة مندم!
يا للمسكين!
أغره منها أن لم يحتج في اختبار القيادة إلا إليها؛ إذ اقتحم بها مضمار الاختبار الضيق؛ فلم يكلفه الشرطي غير أن يدور فيه قليلا، ثم جاءه يتودد إليه بالنجاح، وقد أبى أبوه إلا أن يتعلمها في مدرسة الوزارة على كثرة طلابها؛ فرزقه الله الأستاذ صفوت المعلم المخلص الكريم العطوف، الذي كان يعلمه ثم يوصله إلى قريب من بيته!
ويغضب المصريون حين ترد عليهم خارج مصر رخص قيادتهم، بما فاح من عطن فسادها الآسن. ويقول قائلهم: يرفضون تبديل رخصتي، وقد ذهبت فيها إلى الشرطي بمكتبه، فأجلسني، وأضافني، فلم أكد أكمل قهوتي حتى جهزها لي معاونوه! يرفضون تبديل رخصتي أنا!
ألا عجبا أي عجب!

ومن خصائصها المقيتة أنها كانت لا تصبر على شيء يصيبها، مهما كان هينا؛ فلابد أن تظل بريئة من كل سوء -وهي السوء نفسه- فإذا صبرت سائر السيارات على الكسور والشقور والبقور، وتبلغت برقع الألوان حتى يتيسر طلاؤها- لم تصبر هي ولا على البثور حتى تعالج منها في وقتها، وتطلى طلاء لتبهى بهاء، وهو خطب مهم مدلهم، لأن أكثر الطرق التي كانت تمر بها لا يتسع لها ولا يعبأ بها.
مرت بي في شارع التحرير من حي الدقي بالقاهرة وكانت حديثة التجهيز، فإذا سيارة ريجاتا مسنونة الجانب تقف فجأة من غير تنبيه، وتطعن كشافها بسن جانبها، ويخرج سائقها، فينادي سائق تاكسي أمامه: تعال؛ أين تذهب! يريد أن يقنعني بأنه بريء مما فعلته بها سيارته، وأنه ذنب سائق التاكسي الذي ركن إلى اليمين ينزل ركابا ويحمل غيرهم ثم انعطف فجأة إلى اليسار. وهو صادق، ولكنه مقصر بإهمال إصلاح كشافات سيارته الخلفية.
نزلت -وما كان أحراني ألا أنزل- فقد سدت الطريق، وعطلت الناس، ولم نجد من الشرطة من يفصل في الأمر، إلا أحد المتطوعين من المارة بكلمة من الحكمة العملية العالية: أنا رجل كفتجي (متواضع المستوى)، أرى أن تستعيض ربنا وتتوكل عليه، لأنك على حسب الظاهر صادم لا مصدوم! وتطوع آخر بعدما اجتمع علينا شعب المكان: أنت -ما شاء الله!- رجل أعمال، لن يؤثر فيك ثمن كشاف! وتطوع أحد ركاب التاكسي نفسه بعدما ضجر لتأخره عن عمله: لقد كنت مسرعا، والسرعة هنا عشرة كيلوات في الساعة! فاضطررت أن أسامح سائق التاكسي الذي لم يصدق حتى أكدت له، ومضيت!
ومرت بي في طريق القاهرة الحر إلى الإسكندرية تنهب الأرض، فانتهت ولم تشبع، فإذا طريق مكروب بشاحنة ضخمة من عن يسارها، وبسكة القطار من عن يمينها، وبحواجز إسمنتية ضخمة مفاجئة من أمامها، ضيقت بها الشرطة الطريق لتضطر السيارات إلى الإبطاء أمام كمينها غير الكمين -وكانت معي أسرتي كلها- فاجتهدت عبثا أن أخفف من سرعتها؛ فقد كان الطريق متربا، يزحلقها، مهما تمسكت به. وفكرت في الإفلات يمينا؛ فخفت الانقلاب عن مرتفع سكة القطار! ثم في الإفلات يسارا أسبق من الشاحنة؛ فخفت أن تدركني قبل حواجز الشرطة فأضيع بينهما! ولم أجد خيرا من أن أصدم الحواجز! نعم؛ فأقبلت عليها مثلما يقبل الاستشهاديون دون أن يعرف شيئا أحد من أسرتي المشغولة داخلها بنفسها! قالت أم براء لنفسها: لماذا توقفت؟ ولم تدر أنها أطاحت بأحد حواجز الشرطة مثلما تنقله شواحن حمله الضخمة من مكان إلى مكان، وفتحت لنفسها منفذا، ثم توقفت!
قيل: أصدمت الحاجز حقا! وقيل: لو كانت غيرها لوجدت حاجز الشرطة على مقعدها الخلفي! وقيل: احمد الله على نجاتك أنت وأسرتك! وقيل: لهذا يصر بعض رجال الأعمال الجوالين على ألا يركب غيرها! وقيل، وقيل، وقيل،…، ولكنها لم تستمع لما قيل، وأطالت مكوثها عند معالجيها! فإن تكن حقرت إلي الأموال الكثيرة، وجرأتني على بذلها -وهذه منقبتها اليتيمة- لقد عودتني على فراقها، حتى فارقتها غير مشتاق إليها، ولا متمسك بها، ولا نادم عليها!
فلا ردها الله، أية شيطانة كانت!

سيارتي الشبح، لا ردها الله! – أ.د. محمد جمال صقر

مقالات

وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/9819.html

المحتوى السابق المحتوى التالي
سيارتي الشبح، لا ردها الله! – أ.د. محمد جمال صقر
" تحرير مصطلحات القرآن والسّنة " محاضرة لـ أ.د. الشاهد البوشيخي بمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
سيارتي الشبح، لا ردها الله! – أ.د. محمد جمال صقر
غياب الفاعل الحقيقي - أ.د. إبراهيم الشمسان

للمشاركة والمتابعة

محتويات مشابهة

فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
البَلاغَةُ المُدَّعَاةُ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
البَلاغَةُ المُدَّعَاةُ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
ويَبْقَى الأثَرُ بعد ذَهابِ العَيْن – أ.د. عبدالرحمن بودرع
ويَبْقَى الأثَرُ بعد ذَهابِ العَيْن – أ.د. عبدالرحمن بودرع
الحِثْل والحِذْل في لهجة الباحة والفصحى – أ.د. سعد حمدان الغامدي
الحِثْل والحِذْل في لهجة الباحة والفصحى – أ.د. سعد حمدان الغامدي
  • التعليقات
  • تعليقات الفيس بوك

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2026 www.m-a-arabia.com All Rights Reserved.

Powered by Tarana Press Version 3.3.1
برمجة وتصميم ترانا لتقنية المعلومات | ترانا بريس