كان الدكتور كمال محمد بشر من أساتذة دار العلوم فلم أتشرف بلقائه مبكرًا؛ فدار العلوم لما تنتقل إلى حرم جامعة القاهرة، ولكني أذكر أنني وزميلي فهد عمر سنبل ذهبنا إليه في بيته ولست أعلم سبب تلك الزيارة؛ ولكني رأيت هذا الرجل النحيل بصوته الواضح الجهير، وسألَنا عن أمر كان حديث الساعة في بلادنا، فتكلمت وتكلم فهد، ولما عدت إلى الكلام أسكتني طالبًا من فهد معاودة الحديث؛ إذ أعجبه كلامه وطريقته في تحليل المسألة، ثمّ منّ الله علي بلقائه في جامعة الكويت حين جاء أستاذًا زائرًا، فاستمعت إلى محاضرته في قسم اللغة العربية عن علامات الترقيم في لغة التراث وكانت محاولة للإجابة عن سؤال: أكان إهمالهم إيّاها لاستغنائهم بقرائن لغوية وهي ما اعتمد عليه علماء الوقف والابتداء في المصحف، وكانت محاضرة مهمة؛ ولكن أستاذنا أطال في سرد معلومات معروفة، وهو ما أخذته عليه في تعقيبي، وحضرت محاضرته في رابطة الأدباء في منطقة العديلية (الكويت) ولما انتهت المحاضرة وخرج أستاذنا رأيت د. محمد حماسة عبداللطيف يلقاه ويعانقه ويقول له مداعبًا ضاحكًا: كيف تقول (هازا) والفصيحة (هذا).
جاء إلى الرياض في مهمة علمية فانتهزت الفرصة فدعوته لمنزلي فلبى دعوتي، وكنت أحدّثه، ونحن في طريقنا إلى منزلي، عن عزمي على إجراء ندوة مكتوبة لنشرها في ملحق العقيق الذي يصدره النادي الأدبي في المدينة المنورة، وكان ذلك باقتراح من أخي الدكتور محمد الرويثي رئيس النادي رحمه الله، وكان عنوانها (عالمية اللغة العربية)، فوافق وقال لي أعطني الأسئلة وسأبعث لك بالجواب، ولكن لم أتسلم منه شيئًا بعد ذلك، وكان لي شرف مشاركته المؤتمر الذي عقدته جامعة الإمارات في مدينة العين في 18-20ابريل 1992م. وعنوانه "تعليم اللغة العربية في المستوى الجامعي". وقد شاركت ببحث عنوانه "أخطاء الطلاب والاستفادة منها في التعليم الجامعي"، وأذكر أني وقفت أعلق على إحدى المحاضرات فذكرت أثر انتقال الصغار من بيئة لغوية إلى أخرى في تغير عاداتهم النطقية، ومثلت بنطق (بريق) أي إبريق، فبعض أطفال القصيم حين انتقلوا إلى الرياض صاروا ينطقون القاف طبقيّة مجهورة كالجيم المصرية مخالفين بهذا نطقهم المحلي وهو نطق القاف (مدزدزة) فكلمة (بريق) في القصيم تنطق (بريدْز)؛ ولكن هؤلاء الأطفال في الرياض تحولوا إلى نطق لهجي أعمّ، فلما قلت ما قلت رأيت أستاذنا ينهض واقفًا ويبادر بالقول إن هذه القاف أي الطبقية هي القاف الفصيحة القديمة فكيف تقول عنها لهجية، فقلت له صدقت أستاذنا؛ ولكن الذي على ألسنة العامة اليوم هذه القاف، وأما المسموع في قراءة القرآن واللغة الرسمية الفصيحة فالقاف اللهوية. وكانت آخر مرة لقيته فيها في الدورة الثامنة لمؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشعري وهي دورة علي بن المقرب العيوني، التي عقدت في المنامة - البحرين 1 - 3 أكتوبر 2002م. رأيته وهو يوزع نسخًا قليلة من طبعة كتاب الأصوات الجديدة بغلاف أزرق.
حصل أستاذنا الدكتور كمال محمد علي بشر، الذي ولد في محافظة كفر الشيخ عام 1921م، على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في علم اللغة والأصوات 1956م. ومنذ ذلك الوقت قضى حياته في خدمة العربية وطلابها تأليفًا وتعليمًا وإشرافًا على طلاب الدراسات العليا وتقويم بحوث الترقيات، واستمر أستاذًا غير متفرغ حتى وافاه الأجل يوم الجمعة 07-08-2015م.
أثرى أستاذنا المكتبة العربية بعدد من الكتب العلمية المهمة منها (قضايا لغوية، 1962م). (علم الأصوات، أعيد تنقيحه وطبعه 1999م). (دراسات في علم اللغة، أعيد نشره في1996م. ترجمة كتاب (دور الكلمة في اللغة، لستيفن ألمان، وقد نشر أول مرة سنة 1962م). (علم اللغة الاجتماعي، نشر أول مرة سنة 1992م). (خاطرات مؤتلفات في اللغة والثقافة، 1995م). (اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم، نشر سنة 2000م). (فن الكلام، 2003م). (صفحات من كتاب اللغة، 2004م). (مجمعيات، 2004م). (إذاعيات لغوية، 2005م). (التفكير اللغوي بين القديم والجديد، 2005م). (مجمعيات ج2، 2010م) وله عدد من البحوث العميقة الجادة في الدوريات العلمية المختلفة وكتب المهرجانات. رحم الله أستاذنا رحمة واسعة وجزاه عن العربية وطلابها خير الجزاء.
