الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

العطر والتطيب في التراث العربي - أ.د. رياض الخوام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إدارة المجمع
    مشرف عام
    • Feb 2012
    • 2874

    #1

    العطر والتطيب في التراث العربي - أ.د. رياض الخوام



    العطر والتطيب في التراث العربي
    بقلم: أ.د. رياض الخوام
    استخدم العرب العطر بأنواعه للتطيب ،فالفطرة الإنسانية تكره الرائحة الكريهة، وتسعد بالرائحة الجميلة الطيبة , ولأنهم أدركوا أيضا آثار الرائحة الطيبة على المرء معنوياً وحسياً فضلاً عن آثارها الاجتماعية , لقد وصف القرآن الكريم الجنة بقوله تعالى " ويدخلهم الجنة عرّفها لهم " قال بعض اللغويين :عرّفها لهم أي طيّبها لهم , ومن أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا مرَّ في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب، وقالوا :مرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الطريق وتطيب ، وكانت ريح أبي بكر رضي الله عنه أطيب من ريح المسك ،

    أما ابن مسعود رضي الله عنه فكان إذا خرج من بيته إلى المسجد عرفَ جيران الطريق أنه مرَّ من طيب ريحِه, وحُكي عن ابن عباس أيضا أنه كان يَطلي جسده بالطيب ،فإذا مرَّ بالطريق قال الناس: أمرَّ ابن عباس أم مرّ الطيبُ ؟ , وكان الإمام مالك رضي الله عنه إذا أراد أن يجلس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، اغتسل وتبخّر وتطيب، وحكي عن بعض المشايخ أنه كان يأمر طلابه بتعطير ثيابهم وأبدانهم.

    وسار الخلفاء والولاة على هذا النهج، فكان المتوكل يلبس أيام الورد الثيابَ الموردة، ويفرشُ الورد في مجلسه، ويطيبُ جميعَ آلاته بالورد, وقالوا: كانت ملوك الفرس تأمر برفع الطيب أيام الورد.. وفي الحق أنه قلَّ أن تجد أمة من الأمم لم تهتم بالتطيب
    لأن الرائحة الطيبة – كما قال الشعبي- تزيد في العقل، وشمُّ رائحة المسك يحيي القلب كما قال الأحنف ،ومن طاب ريحه زاد عقله كما قال مكحول الدمشقي، أما سيدنا علي كرم الله وجهه فقال: تشمموا النرجس ولو في العام مرة، فإن في قلب الإنسان حالة لا يزيلها إلا النرجس ، ونُقل عن الطبيب جالينوس قوله : المسك يقوي القلب والعنبر يقوي الدماغ ،والكافور يقوي الرئة، والعود يقوي المعدة والغالية تحلُّ الزكام ،والصندل يحلُّ الأورام .

    ولأهمية التطيب في حياة الناس ألف بعض العلماء كتباً تتناول العطر منها: كتاب العطر وكتاب كيمياء العطر للكندي، وكتاب العطر لحبيب العطار، وكتاب العطر وأجناسه للمفضل بن سلمة، وكتاب العطر لإبراهيم بن العباس وثمة كتاب ألفه صاحبه بناء على طلب يحيى بن خالد ذكره ابن النديم من غير أن يذكر اسم المؤلف.

    والظاهر أن النساء حرصن على التطيب أكثر من الرجال، لذا كنَّ يصنعن أنواع الطيب، ويجعلنه من خواصهنَّ لا يُطلعنَ أحداً على مكوناته وهو مايسمى الآن "سر الصنعة " لقد شمَّ مالك بن سليمان بن خارجة من أخته هند بنت أسماء رائحة " الغالية " - وهي نوع من أنواع الطيب - فقال: علّميني كيف تصنعين طيبك , فقالت :لا أفعل تريد أن تعلمه جواريك ،هو لك مني كلما أردته , ثم قالت :والله إني ماتعلمته إلا من شعرك حيث تقول:

    أطيبُ الطيب عَرفٌ أم أبان *** فأرُ مسكٍ بعنبرٍ مسحوقِ

    فكأن هنداً خلطت أنواع الطيب التي ذكرها بالبيت، وقدَّمتْ نتائجها إلى مالك أخيها، وتحدثت كتب التراث اللغوي عن أنواع العطر وأجناسه، منه :

    1- المسك : وهو أطيبُ الطيب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم, قالوا من فوائده , مقو للقلب مشجع للسوداويين, نافع للخفقان والرياح الغليظة في الأمعاء والسموم .

    2- العنبر : قالوا: هو روث دابة بحرية، حُكي أن العنبر يأتي على سطح الماء لا يدري أحد معدنه فلا يأكله شيء إلا مات، ولا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه، ولايقع عليه حيوان إلا علقت أظفاره فيه , قال الزمخشري: سمعت ناساً من أهل مكة يقولون: هو من زبد بحر سرنديب, والعنبر أصناف أجوده الأشهب ثم الأزرق ثم الأسود.

    3- العود: وأجوده المندلي وهو منسوب إلى مندل وهي قرية من قرى الهند، وأجوده أصلبه، وامتحان رطبه أن تطبع فيه نقش الخاتم فإن انطبع فهو رطب , ومن خصائصه أن رائحته تُطبَعُ في الثوب أسبوعاً.

    4- الكافور: قيل: هو ماء شجر بجزيرة الكافور, يحزونه بالحديد فإذا خرج ظاهراً وضربه الهواء انعقد كالصموغ الجامدة على الأشجار.

    5- الندُّ : وهو العود المُستقطَرُ مع العنبر واللِّبان فهو مصنوع قال الشاعر:
    لو كنت أحمل جمراً حين زرتكم *** لم ينكرِ الكلبُ أني صاحب الدار
    لكنْ أتيتُ وريحُ المسك يقدمني *** والعنبر الند مشبوب على النار

    6- فأرة مسك: وهي دويبّة تصاد لسرَّتها فإذا صادها الصياد يربط السرة بعصابة شديدة, فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها ثم يأخذ السُّرَّةَ فيدفنها في الشعير حتى يستحيل الدم المجتمع فيها مسكاً ذكياً بعد أن كان لا يرام نتناً.

    7- الغالية : وسبب تسمية هذا النوع من الطيب بالغالية أن عبد الله بن جعفر أهدى منها قارورة لمعاوية , فسأله معاوية :كم أنفق عليها ؟, فذكر مالاً جزيلاً , فقال :هذه غالية فسُميت بذلك, والظاهر أنها مصنوعة من عدة أنواع , جاء ذكرها في بيت مالك بن سليمان الذي أنشدته أخته وذكرناه من قبل،

    ومما ذكرته كتب التراث تلك الخلطات التي ينتج عنها طيب له خصائص خاصة , قال الحسن بن سهل: أمهات الرياحين تقوى بأمهات الطيب ،فالنرجس يقوى بالورد, والورد يقوى بالمسك , والبنفسج يقوى بالعنبر, والريحان يقوى بالكافور, والنسرين بالعود , وقد ربط بعض الأذكياء الطيب بالعطاء والجود والخير , فقد ناول المتوكل فتًى فأرة مسك فقال :
    لئن كان هذا طيبنا وهو طيبٌ*** لقد طيبته من يديك الأنامل
    وقال سلمة لابن عباس وعنده جعفر بن سليمان: ماشمّتْ أنفي من ريح مسكٍ شممته من الناس إلا ريح كفك أطيبُ، فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسكٍ، ومائة مثقال عنبرٍ.

    وأخيراً قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرغباً بهذه الصنعة: لو كنت تاجراً ما اخترت على العطر، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه، وفي الحديث "من تطيب لله جاء يوم القيامة ، وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة ، وريحه أنتن من الجيفة " ليت كل المسلمين يتطيبون حين يدخلون بيوت الله، وأجدر بنشر ثقافة التطيب.
    __________________________________
    المصادر :
    إحياء علوم الدين للغزالي – تاريخ الخلفاء للسيوطي -
    الفهرست لابن النديم -
    المعاجم اللغوية

    التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع; الساعة 11-18-2015, 08:16 PM.
يعمل...