إشكالية غموض المصطلح
علاء التميمي
• الغموض: علاء التميمي
الغموض في المصطلح يكون في ثلاثة معان:
1. عدم دلالة المصطلح على مفهوم محدد وواضح ودقيق: ومن ذلك (اسم الفاعل) عند سيبويه في قوله: «الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد»(1 )، فهو هنا يشير إلى الاسم الذي يرتفع بعد دخول كان وأخواتها عليه باسم الفاعل، وهو مصطلح غير دقيق؛ لأن المصطلح يستعمله سيبويه للدلالة على معانٍ أخرى( 2).
2. دلالة المصطلح على مفهومات متعددة: نحو (شبه المفعول) عند الكوفيين: مصطلح يطلقه الكوفيون على «المفعول المطلق، والمفعول فيه، والمفعول لأجله، والمفعول معه»(3 ).
3. دلالة مصطلحات متعددة على مفهوم واحد: ويتضح ذلك من المثالين الآتيين:
أ- مصطلحات (التمييز والتبيين والتفسير والمميز والمفسر):تعددت للدلالة على مفهوم واحد، يقول السيوطي: «التمييز ويقال له: المميز، والتبيين والمبين والتفسير والمفسر»(4 )، وهذا التعدد في المصطلح أدى إلى تداخل واضطراب، فنجد أن مصطلح التبيين اختلط مع مصطلح البدل(5 ).
ب- مصطلحات (الحلف واليمين والقسم) عند سيبويه ويقصد بها القسم المعروف فتكرر في الكتاب مصطلح الحلف والمحلوف به والمحلوف عليه واليمين والقسم والمقسم به والمقسم عليه ، ولكن الأكثر القسم والمقسم به والمقسم عليه ، وكأن الحلف واليمين عنده تفسير للقسم( 6)، يقول: «اعلم أن القسم توكيدٌ لكلامك فإذا حلفت على فعل غير منفي»(7 ).
• أسباب غموض المصطلح:
1. التعدد والتداخل: ويقصد بالتعدد ما يعترض المصطلحات من تعدد، سواء كان ذلك التعدد في دلالة اللفظ الواحد على مصطلحات متعددة (الاشتراك)، أو تعدد الألفاظ الدالة على مفهوم واحد.(8 ) (الترادف)؛ مما ينشئ تداخلا في المصطلحات ومدلولاتها.
ويعود هذا التعدد إلى روافد منها( 9):
ïپ¶ استبدال مصطلح حديث بآخرَ قديمٍ ثم استمرار القديم في بعض المؤلفات.
ïپ¶ الخلاف في المصطلح بين أصحاب المذاهب النحوية - وعلى نحو خاص بين البصريين والكوفيين - بوصفه ضربا من ضروب الخلاف العلمي بينهم.
ïپ¶ تعدد تعبيرات النحاة عن حقائق متحدة وتنوعها بما يمهد لتعدد المصطلحات المأخوذة من هذه التعبيرات.
ومن هذا التعدد تنشأ ظاهرتان في المصطلح:
ظاهرة الترادف: وهي إطلاق أكثر من لفظ أو تركيب على الموضوع أو الحقيقة الواحدة.
ظاهرة الاشتراك: وهي أن يكون للفظ الواحد أو الرمز الواحد أكثر من مدلول أو مفهوم.
وعليه يكون استقرار المصطلح ووضوحه مرهون بالتخلص من هاتين الظاهرتين(10 ).
2. عدم الشهرة: فقد انفرد الكوفيون ببعض المصطلحات التي لم تلقَ رواجا بين النحاة؛ وبقيت غامضة في دلالاتها لعدم شهرتها؛ فضلا عن انفراد عالم أو عالمين بمصطلحات دون أن يستعملها غيرهم من النحاة فاكتنفها الغموض مع مرور الزمن.
3. عدم دقة دلالة المصطلح على مفهومه: لا بد من مراعاة قدرة الألفاظ التي يختارها المصطلِحون على حمل المفاهيم التي يريدونها والتمكن من أدائها بصورة مناسبة، ويتطلب ذلك دقة هذه الألفاظ؛ إذ يمكن أن نختار لفظة ما للتعبير عن مفهوم، ثم نكتشف أن هذه اللفظة لا تمتلك صفة الدقة في التعبير عن مفهومها؛ بل ربما كانت هذه اللفظة أنسب في التعبير عن مفاهيم أخرى تشترك مع هذا المفهوم في الموضوع الذي تنتمي إليه فينصرف ذهن الباحث أو المتلقي إلى المفهوم الآخر وينتج عن ذلك غموض أو إلباس، كان من الممكن تجاوزه بمزيد من البحث في العلاقات التي تربط اللفظ بالمفهوم الذي يشير إليه(11 ).
4. التغير الدلالي للمصطلح: يشكل التغير الدلالي للمصطلح عبر مراحل تطوره نقطة لغموض المصطلح تتطلب إزالتها بالدراسة، وتعد المصطلحات الكوفية معنية بالدرجة الأولى في هذا التغير؛ حيث وجدت مصطلحات كوفية نشأت واستعملت في مراحل النحو الأولى ومن ثم اعتراها قدر من التغير الدلالي في تلك الفترة الباكرة المزدهرة الغنية بالإبداع والإثراء والخلاف والمليئة بالحيوية العلمية الدافقة، وهذا التغير السريع في مدلول المصطلح يجلب الغموض إن لم يُكشف ويُوضَّح(12 ).
5. الخلاف بين واضعي المصطلح: أوجد الخلاف المصطلحي بين البصـريين والكوفيين ميدانًا لظهور مصطلحات فيها قدر من الغموض، وكانت نتيجة تلك الخصومة المصطلحية(13 ):
ïپ¶ ظهور مصطلح كوفي له دلالته الخاصة وتفسيره في مقابل المصطلح البصري.
ïپ¶ رفض الكوفيين لبعض المصطلحات البصـرية وإقامة مصطلحات جديدة مكانها.
ïپ¶ رفض البصريين لبعض ما جاء به الكوفيون من مصطلحات.
وظهر إثر ذلك نوعٌ من الخلط وعدمُ استقرار بعض المصطلحات، وجمودُ بعضها.
• آثار غموض المصطلح:
1. عدم فهم العلم ومشقة تعلُّمِه: ونكتفي هنا بما ذكره ابن خلدون في هذا الشأن؛ فمنذ نهاية القرن الثامن للهجرة أحسَّ ابن خلدون (808 هـ) أثر اختلاف الاصطلاحات في التعليم، فقد عرض في الباب السادس من مقدمته لتاريخ العلوم والفنون المعروفة في عصره، وعالج تاريخ التربية والتعليم في المشرق والمغرب؛ مُنَبِّهاً إلى الطرق التي ينبغي اتباعُها في تلقي العلم، وقد لاحظ أن مما أضر بالتعليم في زمانه اختلاف الاصطلاحات.
يقول ابن خلدون في (فصل في أن كثرة التأليف في العلوم عائقة على التحصيل): «اعلمْ أنه مما أضرّ بالناس في تحصيل العلوم والوقوف على غاياته كثرةُ التأليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك (...)، ولا يَفي عمرُه بما كُتب في صناعة واحدة إذا تَجرَّدَ لها»(14 ).
ويكشف ابن خلدون عن خطورة اختلاف الاصطلاحات في العلم ويدعو إلى اعتبارها آليات تُصطنعُ لتحقيق الغايات المرجوة من المعارف، فلكل علمٍ اصطلاحاتُه، النابعةُ من طبيعته، وباختلاف العلوم والصناعات تختلف الاصطلاحات، والمصطلحات - في رأي ابن خلدون – ليستْ من العلم، إنما هي أدوات لتقريب العلم وتوصيله، ويرى أن المتعلم يتغلب على المصطلحات بالأخذ عن عدد وافر من المشايخ حتى يتمكن من ضبط هذه المصطلحات.
يقول ابن خلدون: «والاصطلاحات في تعليم العلوم مُخلَّطَةٌ على المتعلم، حتى لقد يظن المتعلم منهم أنها جزءٌ من العلم(...). فلِقاء أهل العلوم، وتعدّدُ المشايخ؛ يُفيدُ تمييزَ الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيُجَرَّد العلم منها، ويعلم أنها تعليمٌ وطرُقٌ وتوصيلٌ (...)، ويُصحح معارفه ويميزها عن سواها»(15 ).
2. وقوع المعاصرين في حيرة ومحاولة البحث عن مصطلح جديد بعيدا عن التراث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
( 1) كتاب سيبويه، سيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1988م، ج1، ص45.
( 2) من قضايا المصطلح اللغوي، د. مصطفى الحيادرة، ص85.
( 3) المصطلح النحوي، د. عوض القوزي، ص162.
(4 ) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق: عبد العال سالم مكرم ،دار البحوث العلمية ، بيروت ، د.ط، د.ت.1/250.
(5 ) تعدد المصطلح وتداخله، د.خالد بسندي، ص9.
(6 ) نفسه ، ص5.
(7 ) كتاب سيبويه ،ج3 ، 104.
( 8) من قضايا المصطلح اللغوي العربي، د.مصطفى طاهرالحيادرة، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2003م ـ 1424هـ، ص89.
( 9) المصطلح النحوي وإشكالات العلاقة بين الدال والمدلول ،تامر عبد الحميد ، مجلة كلية دار العلوم العدد 52 سنة 2009م.، ص 294.
( 10) مصطلحات النحو الكوفي دراستها وتحديد مدلولاتها، د.عبدالله بن حمد الخثران، هجر للطباعة والنشر، ط1، 1990م، 1411هـ، ص 7، 8.
( 11) إشكالية المصطلح اللغوي ( منهجيات وتطلعات)، د. مصطفى طاهر الحيادرة، إربد للبحوث والدراسات، المجلد 14، العدد 2، 2011م، ص 301.
(12 ) مصطلحات النحو الكوفي، د. عبد الله الخثران، ص 9.
(13 ) ينظر: المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري، د. عوض حمد القوزي، عمادة شؤون المكتبات ، جامعة الرياض، 1401هـ، ص162.
(14 ) مقدمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار النهضة، ط3 ، القاهرة، 1979م، 3/1240.
(15 ) نفسه:3/1255.

تعليق