وقفات في كتاب (تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك) لجلال السيوطي
من دلالات الحروف
أو:
حرفُ عطفٍ يأتي لمعاني كثيرةٍ في العربيةِ، فهو يأتي للشكِّ، وللتخييرِ، وللإباحةِ، وللتنوعِ، والتناوبِ مع الواوِ، وغيرِ ذلك من المعاني، بحيثُ وصلت معانيها إِلى اثني عشر()1.
وقد وقفَ السيوطيُّ على بعضٍ من معانيه، كما سيأتي. فحين وقفَ على الحديثِ النبويِّ الذي نصُّه: « عَنْ مَالِكٍ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، أَنَّ يُحَنَّسَ، مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلاَةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: اقْعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ( يَقُولُ: لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ »()2.
قالَ السيوطيُّ معلِّقاً: (( (إلا كنتُ له شفيعاً أَو شهيداً يومَ القيامة) قال القاضي عياض()3:... قالَ بعضُ شيوخِنا (أَو) هنا للشكِّ، والأَظهرُ عندنا أَنَّها ليست للشكِّ؛ لأَنَّ هذا الحديثَ رواه جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وسعدُ بنُ أَبي وقاصٍ، وابنُ عمرَ، وأَبو سعيدٍ، وأَبو هريرةَ، وأَسماءُ بنتُ عُميسَ، وصفيةُ بنتُ أَبي عبيدٍ عن النبيِّ ( بهذا اللفظِ، ويبعدُ اتفاقُ جميعِهم أَو رواتِهم على الشكِّ، وتطابقِهم فيه على صيغةٍ واحدةٍ، بل الأَظهرُ أَنَّه قالَ ( هكذا، فإِمَّا أَنْ يكونَ أَعلمَ بهذه الجملةِ هكذا، وإِمَّا أَنْ تكونَ (أو) للتقسيم، ويكونَ شهيداً لبعضِ أَهلِ المدينةِ، وشفيعاً لباقِيهم، إِمَّا شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإِمَّا شهيداً لمن مات في حياتِه وشفيعاً لمن مات بعدُ()4، وغيرُ ذلك،... قالَ: وقد تكونُ (أَو) بمعنى الواو فيكونُ لأَهلِ المدينةِ شفيعاً وشهيداً،...))()5.
فنقلَ كلامَ القاضي عياضٍ في أَنَّ (أَو) ههنا ليست للشكِّ، وأنَّها قد تكونُ للتقسيمِ، أَو أَنَّها بمعنى الواو، وقد استدلَّ النوويُّ بكلامِ القاضي عياضٍ نفسِه في هذا الموضعِ()6.
ومن معانيها في اللغةِ أَنَّها تأتي بمعنى الواو، قالَ ابنُ هشامٍ في بيان معانيها: ((...والخامسُ الجمعُ المطلقُ كالواو... وقولُ النابغةِ()7:
قَالَتْ أَلا ليتَما هذا الحمامَ لنا
إِلى حمامتِنا أَو نصفَه فَقَدِ ))()8.
وقد فسَّرَ ملا علي القاري هذه الجملةَ من الحديثِ بقولِه: (( (إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا)، قِيلَ: أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَوْهُ كَذَلِكَ، وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الشَّكِّ، وَقِيلَ: تَقْسِيمٌ أَيْ: شَفِيعًا لِلْعَاصِي شَهِيدًا لِلْمُطِيعِ، أَوْ شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي زَمَانِهِ شَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ))()9.
والذي يترجَّحُ عندي أَنَّها بمعنى الواو؛ لأَنَّ الأَجورَ من عندِ الله ( معروفٌ فيها السعةُ، والشمولُ، والكثرةُ، وليس التقسيمَ، فيكونُ الرسولُ ( شفيعاً لأَهلِ المدينةِ وشهيداً لهم.
والذي يسندُ قولي ما رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وفيه أَنَّ الحديثَ جاءَ بالواوِ بدلاً من (أَو)، فجاء: «...وصلاة في مسجدي هذا كألف صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إلاَّ الْمَسْجِدَ الحرام، أَحسَبُهُ قال: ولاَ يصبر على لأوائها وشدتها أحد - يعني المدينة - إلاَّ كنت له شَفِيعًا وشهيدا يوم القيامة»()10.
--------------------------------------
(1) ينظر: مغني اللبيب: 87، والصاحبي: 88، والجنى الداني: 227، وجهود ابن حجر اللغوية في كتابه فتح الباري: 287.
(2) الموطأ: 2/462، كتاب الجامع، ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها، حديث رقم: 2592، وينظر: صحيح مسلم: 2/1004، كتاب الحج، باب الترغيب في سكن المدينة والصبر على لأوائها، حديث رقم: 1377، وينظر: سنن الترمذي: 6/202، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل المدينة، حديث رقم: 3918.
(3) إكمال المعلم: 4/482 – 483.
(4) الذي في إكمال المعلم: (بعده) : 4/483.
(5) تنوير الحوالك: 2/403 -404، كتاب الجامع، باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها.
(6) شرح النووي على مسلم: 9/136 – 137.
(7) ديوانه: 14، وقد ذكر البيت بالواو: ((إِلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدِ)) وبرفعِ (نصفه)، وينظر: شرح المعلقات التسع، منسوب لأبي عمرو الشيباني: 92، فقد روي البيت فيه بـ(أو)، فلعلَّ ابن هشام ذكر هذه الرواية.
(8) مغني اللبيب: 88 - 89، والجنى الداني: 229 – 230.
(9) مرقاة المفاتيح: 5/1873.
(10) مسند البزار: 15/59، حديث رقم: 8277.
من دلالات الحروف
أو:
حرفُ عطفٍ يأتي لمعاني كثيرةٍ في العربيةِ، فهو يأتي للشكِّ، وللتخييرِ، وللإباحةِ، وللتنوعِ، والتناوبِ مع الواوِ، وغيرِ ذلك من المعاني، بحيثُ وصلت معانيها إِلى اثني عشر()1.
وقد وقفَ السيوطيُّ على بعضٍ من معانيه، كما سيأتي. فحين وقفَ على الحديثِ النبويِّ الذي نصُّه: « عَنْ مَالِكٍ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، أَنَّ يُحَنَّسَ، مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلاَةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: اقْعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ( يَقُولُ: لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ »()2.
قالَ السيوطيُّ معلِّقاً: (( (إلا كنتُ له شفيعاً أَو شهيداً يومَ القيامة) قال القاضي عياض()3:... قالَ بعضُ شيوخِنا (أَو) هنا للشكِّ، والأَظهرُ عندنا أَنَّها ليست للشكِّ؛ لأَنَّ هذا الحديثَ رواه جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وسعدُ بنُ أَبي وقاصٍ، وابنُ عمرَ، وأَبو سعيدٍ، وأَبو هريرةَ، وأَسماءُ بنتُ عُميسَ، وصفيةُ بنتُ أَبي عبيدٍ عن النبيِّ ( بهذا اللفظِ، ويبعدُ اتفاقُ جميعِهم أَو رواتِهم على الشكِّ، وتطابقِهم فيه على صيغةٍ واحدةٍ، بل الأَظهرُ أَنَّه قالَ ( هكذا، فإِمَّا أَنْ يكونَ أَعلمَ بهذه الجملةِ هكذا، وإِمَّا أَنْ تكونَ (أو) للتقسيم، ويكونَ شهيداً لبعضِ أَهلِ المدينةِ، وشفيعاً لباقِيهم، إِمَّا شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإِمَّا شهيداً لمن مات في حياتِه وشفيعاً لمن مات بعدُ()4، وغيرُ ذلك،... قالَ: وقد تكونُ (أَو) بمعنى الواو فيكونُ لأَهلِ المدينةِ شفيعاً وشهيداً،...))()5.
فنقلَ كلامَ القاضي عياضٍ في أَنَّ (أَو) ههنا ليست للشكِّ، وأنَّها قد تكونُ للتقسيمِ، أَو أَنَّها بمعنى الواو، وقد استدلَّ النوويُّ بكلامِ القاضي عياضٍ نفسِه في هذا الموضعِ()6.
ومن معانيها في اللغةِ أَنَّها تأتي بمعنى الواو، قالَ ابنُ هشامٍ في بيان معانيها: ((...والخامسُ الجمعُ المطلقُ كالواو... وقولُ النابغةِ()7:
قَالَتْ أَلا ليتَما هذا الحمامَ لنا
إِلى حمامتِنا أَو نصفَه فَقَدِ ))()8.
وقد فسَّرَ ملا علي القاري هذه الجملةَ من الحديثِ بقولِه: (( (إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا)، قِيلَ: أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَوْهُ كَذَلِكَ، وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الشَّكِّ، وَقِيلَ: تَقْسِيمٌ أَيْ: شَفِيعًا لِلْعَاصِي شَهِيدًا لِلْمُطِيعِ، أَوْ شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي زَمَانِهِ شَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ))()9.
والذي يترجَّحُ عندي أَنَّها بمعنى الواو؛ لأَنَّ الأَجورَ من عندِ الله ( معروفٌ فيها السعةُ، والشمولُ، والكثرةُ، وليس التقسيمَ، فيكونُ الرسولُ ( شفيعاً لأَهلِ المدينةِ وشهيداً لهم.
والذي يسندُ قولي ما رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وفيه أَنَّ الحديثَ جاءَ بالواوِ بدلاً من (أَو)، فجاء: «...وصلاة في مسجدي هذا كألف صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إلاَّ الْمَسْجِدَ الحرام، أَحسَبُهُ قال: ولاَ يصبر على لأوائها وشدتها أحد - يعني المدينة - إلاَّ كنت له شَفِيعًا وشهيدا يوم القيامة»()10.
--------------------------------------
(1) ينظر: مغني اللبيب: 87، والصاحبي: 88، والجنى الداني: 227، وجهود ابن حجر اللغوية في كتابه فتح الباري: 287.
(2) الموطأ: 2/462، كتاب الجامع، ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها، حديث رقم: 2592، وينظر: صحيح مسلم: 2/1004، كتاب الحج، باب الترغيب في سكن المدينة والصبر على لأوائها، حديث رقم: 1377، وينظر: سنن الترمذي: 6/202، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل المدينة، حديث رقم: 3918.
(3) إكمال المعلم: 4/482 – 483.
(4) الذي في إكمال المعلم: (بعده) : 4/483.
(5) تنوير الحوالك: 2/403 -404، كتاب الجامع، باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها.
(6) شرح النووي على مسلم: 9/136 – 137.
(7) ديوانه: 14، وقد ذكر البيت بالواو: ((إِلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدِ)) وبرفعِ (نصفه)، وينظر: شرح المعلقات التسع، منسوب لأبي عمرو الشيباني: 92، فقد روي البيت فيه بـ(أو)، فلعلَّ ابن هشام ذكر هذه الرواية.
(8) مغني اللبيب: 88 - 89، والجنى الداني: 229 – 230.
(9) مرقاة المفاتيح: 5/1873.
(10) مسند البزار: 15/59، حديث رقم: 8277.
