اسم الفعل (هَلُمَّ) لغاتُ العرب فيه وتركيبه

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    اسم الفعل (هَلُمَّ) لغاتُ العرب فيه وتركيبه

    ((هَلُمَّ)) كلمة استعملتها العرب عند الدعاء إلى الشيء ، كما يقال في : تعال، تقول : هَلُمَّ يا رجل ، أي تعال .
    قال أبو البقاء العكبري: ((للعرب فيها لغتان : إحداهما – وهي لغة الحجاز: تكون بلفظ واحد في الواحد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث ، فعلى هذا هي اسم للفعل ، وبُنيت لوقوعها موقع الأمر المبني ، واللغة الثانية – وهي لغة بني تميم -: تختلف فتقول : هَلُمَّا ، وهلموا ،وهلمي ،وهلممن ، فعلى هذا هي فعل)).
    إذًا فـ ((هلم)) عند الحجازيين اسم فعل أمر يستوي في لفظها الواحد والجمع، تقول : هلم يا رجل ، وهلم يا رجلان ، وهلم يا رجال ، وهلم يا امرأة، وهلم يا امرأتان ، وهلم يا نسوة.
    قال الموفق بن يعيش : ((وهو القياس ،وبه ورد التنزيل.. وإنما كان هذا هو القياس؛ لأنه قد قامت الدلالة على أنه اسم، وليس القياس في الأسماء أن تتصل بها علامة الضمير المرفوع إنما ذلك للأفعال ، والذي يدل على خروجه عندهم عن حكم الأفعال مخالفتهم مجراه في لغتهم ، لأن لغتهم أن يقولوا للواحد: الْـمُمْ بإظهار التضعيف نحو : اردد واشدد ، فلما ركبوه مع غيره ،وسموا به خرج عن حكم الفعل فلم يظهر فيه علامة تثنية ولا جمع)) .
    وقال الرازي: ((ومذهب البصريين هو الأفصح)) .
    أما بنو تميم فـ (هلم) عندهم فعل صحيح يعتبرون فيه لفظ (لُمّ) ويجعلون الهاء زائدة ، ويغلبون جانب الفعلية فيه فيثنون ويجمعون فيقولون : هلم يا رجل ، وهلما يا رجلان ، وهلموا يا رجال ، وهلمي يا امرأة ، وهلمُمْنَ يا نسوة.
    ويقول الرضي : ((وبنو تميم يُصَرِّفونه نظرًا إلى أصله وليست بالفصيحة)) .
    والعلامة ابن مالك يلحق ((هَلُمَّ)) بـ ((هات وتعال)) في الفعلية مؤيدًا لغة بني تميم، فيقول : ((فإن بعض النحويين غلط فعدهما – أي (هات وتعال)- من أسماء الأفعال ، وليسا منها ، بل هما فعلان غير متصرفين ، لوجوب اتصال ضمير الرفع البارز بهما .. وهكذا حكم هلم عند بني تميم ، فإنهم يقولون : هلم، هلمي ، هلما، هلموا ، هلممن، فهي عندهم فعل لا اسم فعل ، ويدل على ذلك أنهم يؤكدونه بالنون نحو هلُمنَّ)) .
    وبنو تميم وإن كانوا يجرونها مجرى الفعل في اتصال الضمير بها لشدة شبهها بالفعل ، وإفادتها فائدة الفعل ، فهي عندهم أيضًا اسم للفعل ،وليست مبقاة على أصلها من الفعلية قبل التركيب والضم ، والذي يدل على ذلك أن بني تميم يختلفون في آخر الأمر المضاعف، فمنهم من يتبع فيقول : رُدُّ بالضم ، وفِرِّ بالكسر ، وعَضَّ بالفتح ، ومنهم من يكسر على كل حال ، فيقول : رُِدِّ ، وفِرِّ ، وعَضِّ، ومنهم من يفتح على كل حال ، ثم رأيناهم كلهم مجمعين على فتح الميم في ((هلم)) ليس أحد يكسرها ولا يضمها ، فدل ذلك على أنها خرجت عن طريق الفعلية ، وأخلصت اسمًا للفعل.
    وقال الرضي في تحقيق معنى (هَلُمَّ) : ((أي أجمع نفسك إلينا في اللازم، وأجمع غيرك في المتعدي ، ولما غير معناه عند التركيب ، لأنه صار بمعنى أقبل أو أحضر بعد ما كان بمعنى ((أجمع)) ، صار كسائر أسماء الأفعال المنقولة عن أصولها، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز ، مع أن أصله التصرف ، ولم يقولوا فيه (المم) كما هو القياس عندهم في (اردد) ، ولم يقولوا (هلمَّا وهلمُّوا) كما يجوز ذلك في مد كل ذلك لثقل التركيب ، قال تعالى : (( هلم شهداءكم ))، ولم يقل : هلموا)).
    واسم الفعل ((هلُمَّ)) :مبني لوقوعه موقع الفعل المبني وهو (فعل الأمر)، وقيل لمشابهته الحروف وأشبهها من حيث دلالته على غيره ، وأصله أن يكون ساكنًا على أصل البناء ، وإنما حُرك آخره لالتقاء الساكنين، وهما الميمان في آخره، وفُتح طلبًا للخفة لثقل التضعيف، ولم يجز فيه الضم ولا الكسر لطول الكلمة بوصل (ها) ، لأنها لا تستعمل إلا معها ، وقيل لم يجز فيها البناء على الضم ولا الكسر، لأنها لا تتصرف، وقيل الفتح من أجل التركيب كما فتحت خمسة عشرَ وبابها، وهو مركب استعمل استعمال البسيط.
    وتأتي (هَلُمَّ) متعدية ولازمة وتجري مجرى الأفعال التي تستعمل لازمة ومتعدية ، فالمتعدية قد تتعدى بنفسها نحو : ((هلم شهداءكم)) أي أحضروهم أو هاتوهم ، فتكون كهات ، ونحو: ((هلُمَّ الثريدَ)) ، أي ائت الثريد أو أحضره، أو قربه .
    وقد تتعدى بالحرف نحو : ((هلُمَّ إلينا)) أي : أقبل إلينا ، أو ائت إلينا، وائت يتعدى بإلى كما يتعدى بنفسه ، واسم الفعل المتعدي بحرف يتعدى بذلك الحرف مثل فعله، وقد تتعدى باللام نحو : ((هلُم للثريد)) وهي لغة الحجازيين.
    واللازمة نحو : ((هلُمَّ يا زيدُ)) أي : اقرب وايت.
    أما عن تركيب ((هَلُمَّ)) فيكاد النحاة يجمعون على أنها مركبة إلا أن خلافهم في أصل هذا التركيب وكيفيته ، وفيه مذهبان :
    الأول : مذهب البصريين والخليل : أن أصل تركيبها : (هالُـمَّ) من (ها) التي للتنبيه ، و (لُـمَّ) الذي هو فعل أمر بمعنى (اجمع) من قولهم : ((لمم الله شعث فلان))، أي : جمعه، وكأن المنادي أراد بها : لُـمَّ نفسك إلينا أو: لُمَّ بِنَا، ثم حذفت ألف (ها) التنبيه تخفيفًا لكثرة الاستعمال ؛ ولأن اللام بعدها وإن كانت متحركة في حكم الساكن وحذفت لها ألف (ها) كما تحذف لالتقاء الساكنين ، وجعلا اسمًا واحدًا ، واستعملت استعمال البسيطة.
    وقال العكبري: ((قال البصريون: أصلها : ها المم ، أي: اقصد، فأدغمت الميم في الميم ، وتحركت اللام فاستغنى عن همزة الوصل ، فبقي (لمَّ) حذفت ألف (ها) التي للتنبيه ؛ لأن اللام في (لمَّ) في تقدير الساكنة إذ كانت حركتها عارضة ، ولحق حرف التنبيه)).
    وقال أبو حيان : ((قال الزمخشري : وهلموا إلينا ، أي قربوا أنفسكم إلينا ، قال: وهو صوت سمي به فعل متعدٍّ مثل : احضر وقرب انتهى .
    والذي عليه النحويون أن (هلمَّ) ليس صوتًا ، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه ، فقيل : هو مركب من (ها) التي للتنبيه ، و(لُـمَّ) ، وهو مذهب البصريين ، وقيل : من هَلْ وأَمَّ ..)).
    وقال السيوطي: ((قال الخليل: رُكِّبا قبل الإدغام فحذفت الهمزة للدَّرج ، إذ كانت همزة وصل ، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، ثم نُقلت حركة الميم الأولى إلى اللام( )، وقال أيضًا : ((قال ابن مالك في ((شرح الكافية)) : وقول البصريين أقرب إلى الصواب ، قال في البسيط : ويدل على صحته أنهم نطقوا به فقالوا : ((هالُـمَّ)).
    المذهب الثاني: مذهب الفراء : أن أصله : ((هَلْ أُمَّ)) (هل) التي للزجر، و(أم) بمعنى (اقْصُدْ) فخففت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن قبلها وحُذفت فصار: (هلم) فجعلت كلمة واحدة للدعاء.
    قال أبو البقاء العكبري – يرد مذهب الفراء - : ((وهذا بعيد ؛ لأن لفظه أمر، و(هل) إن كانت استفهامًا فلا معنى لدخوله على الأمر ، وإن كانت بمعنى (قد) فلا تدخل على الأمر ، وإن كانت (هل) اسمًا لزجر فتلك مبنية على الفتح ، ثم لا معنى لها ها هنا)).
    وقال موفق الدين بن يعيش في معرض الرَّد أيضًا : ((وقد أنكر بعضهم ذلك، وقال : إنه ضعيف من جهة المعنى، إذا كانت هل للاستفهام، ولا مدخل للاستفهام هنا ، والقول أن (هل) التي ركبت مع (أم) ليست للاستفهام ، وإنما هي التي للزجر والحث..)).
    وقد نقل الرضي الاسترآباذي عن الكوفيين أن أصل (هَلْ أُمَّ) هو (هَلا أم) وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغُير إلى (هل) لتخفيف التركيب ، ونقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس في نحو ((قد أفلح))، إلا أنه ألزم هذا التخفيف هنا لثقل التركيب.
    كما رجح ابن يعيش أن (هل) التي ركبها الكوفيون مع (أم) ليست التي للاستفهام وإنما هي التي للزجر والحث.
    والحق أن ابن يعيش والرضي لم يكونا أوَّل من صَحَّح مذهب الفراء وأول (هل) على معنى الزجر والحث أو السرعة والاستعجال وليس الاستفهام ، بل كان ابن جني – في حد علمي – أول من قرر ذلك في معرض مناقشته شيخه أبا علي الفارسي الذي أنكر على الفراء مذهبه وقال : لا مدخل هنا للاستفهام ، قال أبو علي : ((زعم بعض النحويين أن ((هلم)) إنما هو : (هل أم) ، وليس يخلو قوله الذي قدر فيه (هل) من أن يكون (هل) التي هي للاستفهام ، أو (هل) التي بمعنى (قد) أو يكون (هل) التي تستعمل للتعجيل...))
    ثم قال بعد رده للأوجه الثلاثة: ((إذا لم يكن إياها ثبت أنها (ها) التي لتنبيه لحق فعل المأمور)).
    فقال ابن جني :
    ((وهذا عندي لا يلزم الفراء ؛ لأنه لم يدَّع أن (هل) هنا حرف استفهام، وإنما هي عنده زجر وحث)).
    وكلام ابن جني يشعر أنه يحتج لمذهب الفراء.
    وعليه فلا مانع من إجازة القول بتركيب (هلُمَّ) من (هل) التي للإسراع والاستعجال والحث ، أو الزجر كما قيل، و (أُمَّ) الذي ضَمَّنَتْهُ (هل) معناها من السرعة في الإحضار أو الإقبال ، وهو من صلب المعاني التي استعملت لها (هلم) في اللسان العربي .
يعمل...