الفتوى (165): كيف نَصِفُ الخالق بـ (علاّم)، بينما نَصِفُ المخلوق بـ (علاّمة)؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أبو طارق زياد خياط.
    عضو جديد
    • Mar 2013
    • 1

    #1

    الفتوى (165): كيف نَصِفُ الخالق بـ (علاّم)، بينما نَصِفُ المخلوق بـ (علاّمة)؟

    فضيلةَ الشيخ الدكتور العلامة المحقق المدقق: عبد العزيز بن علي الحربي .. رفع الله قدره ونشر ذكره ..
    السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، وأسأل الله لكم دوامَ التوفيقِ والمعونةِ على كل خيرٍ، أما بعدُ:
    فإنّ لفضيلتكم عليّ أفضالا سابغة، ومننًا سابلة، سأبثها تفصيلا في مقام آخر إن شاء الله تعالى.
    وأما هذا المقامُ، فهو مقامُ سؤالٍ واستفتاء، وفحوى سؤالي:
    ما لنا نقولُ في وصف المخلوق الذي بلغ من العلم شأوًا قصيًّا: فلانٌ علّامةٌ ، ونقول في خالقه الذي أحاط بكل شيء علما: علّام؟ ومعلومٌ أنّ لفظة (العلّامة) أصلها (العلّام) وزيدت إليها الهاء للمبالغة؛ فصارت لفظة (العلّامة) أعظم دلالة على اتساع العلم من (العلّام)، فكيف يكون ما هو للمخلوق أوسع مما هو للخالق؟
    هذا إشكالٌ غريبٌ، مع أن اللفظة مما تلقته الأمة جمعاء بالقبول، ولكني ألتمس منكم تجلية إشكالها، وحل معضلها.
    أعظم الله لكم الأجر، وأجزل لكم المثوبة؛ بمنه وكرمه؛ إنه أكرم مسؤول، وخير مأمول.

    محبكم وابنكم: أبو طارق زياد خياط.
    التعديل الأخير تم بواسطة شمس; الساعة 06-09-2015, 08:01 PM.
  • د. عبدالعزيز بن علي الحربي
    مؤسس المجمع
    • Feb 2012
    • 278

    #2
    الإجابة:

    هذا سؤال دقيق يلمح إلى فطنة السّائل ، وأسأل الله أن يهديني إلى سبيل الجواب ، على ما هو موافق للصّواب.
    إن كلاًّ من لفظي "علاّم" و "علاّمة" يدلاّن على المبالغة ، والأصل في ذلك علاَّم ، على وزن "فعّال " وبين علماء اللّغة اختلاف في سبب دلالته على المبالغة ، فمنهم من يقول : لأنه كُرَّر فعله ، فمن تكرر منه العلم كثيرا قيل له : علاَّم ، ومنهم من يقول : لأنه صار له كالحرفة ، كما يقال لمحترف النجارة : نجار ، وللحدادة : حداد ، والظاهر : أن السببين متلازمان ، فالحرفة لا تكون إلا عن تكرار ، وأضرب لذلك مثلا بحديث الحث على الصدق المخرَّج في الصحيح ، وفيه : "وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " أي : لم يزل يكرر الكذب حتى صار صفة له وحرفة.
    وهذه المبالغة التي نطلقها في هذا الوزن وغيره من أوزان المبالغة هي غير المبالغة المعروفة في البلاغة التي يكون فيها شيء من التَّزيّد.
    ولما كثر من يوصف بالعلم وأطلق عليه ذلك الوصف أراد العرب أن يميزوا من بلغ النهاية في العلم فزادوا هاء التأنيث فقالوا : علاّمة ، كما قالوا : فهّامة ونسَّابة ،فاجتمع فيه مبالغتان ، صيغة "فعّال " والهاء التي لحقته للتأنيث، وكالحافظة ، والرواية، والنابغة ، هاء التأنيث فيه للمبالغة ، ولكن يشتمل على مبالغة واحدة "وعلاّمة " فيه مبالغتان ، وعلى هذا بني سؤالك عن إطلاق "علاّم" على الله دون "علاّمة" وهو أقوى منه دلالة.
    وقد بحثت فوجدت أبا الهلال العسكري يقول في كتابه الفروق اللّغوية : " الْفرق بَين علاّم وعلاّمة أَن الصّفة بعلام صفة مُبَالغَة وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ على فعال ،وعلاَّمة وَإِن كان للْمُبَالَغَة فَإِنَّ مَعْنَاهُ وَمعنى دُخُول الْهَاء فِيهِ أَنه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء ،فَدخلت الْهَاء فِيهِ لتأنيث الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهُ وَلِهَذَا يُقَال الله علام وَلَا يُقَال لَهُ عَلامَة كَمَا يُقَال إِنَّه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء، فَأَما قَول من قَالَ إِن الْهَاء دخلت فِي ذَلِك على معنى الداهية فَإِن ابْن درستوية ردَّه وَاحْتج فِيهِ بِأَن الداهية لم تُوضَع للمدح خَاصَّة وَلَكِن يُقَال فِي الذَّم والمدح وَفِي الْمَكْرُوه والمحبوب قَالَ وَفِي الْقُرْآن (والساعة أدهى وَأمر) وَقَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل (لكل أخي عَيْش وَإِن طَال عمره ... دُوَيْهَّيةٌ تصفرّ مِنْهَا الأنامل)
    يَعْنِي الْمَوْت ،وَلَو كَانَت الداهية صفة مدح خَاصَّة لَكَانَ مَا قَالَه مُسْتَقِيمًا وَكَذَلِكَ قَوْله لحانة شبهوه بالبهيمة غلط ، لأن الْبَهِيمَة لَا تلحن وَإِنَّما يلحن من يتَكَلَّم ،والداهية اسْم من أَسمَاء الفاعلين الْجَارِيَة على الْفِعْل، يُقَال :دهى فَهُوَ داه وللأنثى داهية، ثمَّ يلْحقهَا التَّأْنِيث على مَا يُرَاد بِهِ للْمُبَالَغَة فيستوي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى مثل الرِّوَايَة ،وَيجوز أَن يُقَال: إِن الرجل سمي داهية كَأَنَّهُ يقوم مقَام جمَاعَة دَهاة، وَرِوَايَة كَأَنَّهُ يقوم مقام جمَاعَة رُوَاة على مَا ذكر قبل وَهُوَ قَول الْمبرد".
    هذا ما قاله أبو هلال ونقله ، ولم يكن ما نقله ببالي ، وأذكر لك ما وصل إليه تأملي قبل الاطلاع على هذا الكلام ، فقد توارد على ذهني أجوبة ، منها : أنّ الموصوف "فعال" يحتمل أنه بلغ الغاية فيما وصف به ويحتمل أنه لم يبلغ ،فاحتاجوا أن يميزوا من بلغ الغاية بهاء التأنيث ، وعلاَّم الغيب الذي أحاط بكل شيء علما لا يحتاج فيه إلى ذلك ،وعلمه بكل شيء سابق ، ويقوى ذلك ، أن الهاء لا تدخل على صفة من صفات المولى سبحانه.
    وتمثّل في خَلَدي وجه أخر أعمق دلالة ،وهو أنهم أرادوا بإدخال هاء التأنيث التي للمبالغة بيان أن الموصوف بذلك بلغ النهاية في العلم وقعد له قعود الواحدة من القواعد ، وهكذا كل الأوصاف المختومة بالتاء ، وليس له ما يشغل غيره من الرجال من القتل والقتال والصّفق بالأسواق ،ولا عليك أن لا تركن إلى جوابي وتأخذ بما قاله الأولون ، فإنما قلته أشبه بالخاطرة، واعلم أنه لم يرد في القرآن لفظ " علاَّم " إخبارا عن الله تعالى إلا مقرونا بالغيوب أو الغيب، في بعض القراءات المتواترة .

    والسؤال منبعث من قاعدة معروفة جرى عليها السلف والأئمة ، وهي أن كلَّ كمال يُثنى به على المخلوق فالخالق أولى به ، انطلاقا من قول الله سبحانه " ولله المثل الأعلى " غير أن الألفاظ التي يثنى بها على الخالق منها ما هو أسماء ، وهذه مبنية على التوقيف ، فما ورد في الكتاب والسنة أثبتناه ، ومنها ما هو وصف ، وهذا أيضا يكون بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبما دلت عليه أسماؤه ، تعالى ذكره ، فنقول في وصفه: هو ستّار وساتر ولا نطلقه اسما ، لأن الوارد في ذلك " ستّير " وحسب ، ومنها ما هو إخبار بمقتضى أسمائه وصفاته . وغير خاف على السائل وغيره من أولي الألباب ، أنّ " علاّمة " لا يصح إطلاقه اسماً ، لأنه لم يرد ، ولا يصح وصفا ، لما ذكره المبرَّد وغيره ، ولأنّ هاء التأنيث لا تدخل على أسمائه سبحانه، والله أعلم .
    التعديل الأخير تم بواسطة شمس; الساعة 06-09-2015, 08:01 PM.
    .
    د . عبدالعزيز بن علي الحربي
    azz19a@hotmail.com
    0505780842

    .

    تعليق

    • مسلم
      عضو جديد
      • Jan 2013
      • 43

      #3
      شكر الله لكم سماحة الدكتور عبدالعزيز بن علي الحربي

      تعليق

      يعمل...