المتنبي بين الإباء والاستسلام.. قراءة في قصيدة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    المتنبي بين الإباء والاستسلام.. قراءة في قصيدة

    "الشاعر بين أَلم المرض وأَلم الاغْتِرَاب" لأبي الطيِّبِ المُتَنَبِّي


    لقد عُرف أبو الطيِّب المتَنَبِّي بالجانب الذاتيّ في شِعره، وكذلك بتعبيره عن الإباء العربيّ، وعدم الخضوع والاستسلام للآلام والخطوب مَهْما عَظُمَتْ وكَبُرَتْ؛ فلقد عبَّر المتنبِّي في شِعره عن فِكْرِهِ وفَلْسَفَةِ ذاته؛ وهو ما يوحي بِمَدَى التطوُّر الذي وصل إليه الشِّعرُ العربيُّ في العصر العباسي، حيث وجد الشعراء مَن يحترم كلامهم، ويُقَدِّرُ إبداعَهم، بخلاف عصرنا الذي نحن فيه، فلقد جَنَتِ المَدَنِيَّة على الشِّعر العربيّ، وأفقدته جمهوره ومَلَكَتَهُ النَّقْدِيَّة المُعَبِّرَة والمُشَجِّعَة؛ وهو ما أدَّى إلى انْحِدار مُسْتواهُ، وانْحِسار مساحة قُرَّائِهِ، على خِلاف ما كان عليه قديمًا.

    وقدِ انْمَازَتْ فلسفةُ الشخصية العربية في الشِّعْر العَرَبِي بِالشهامة والمروءة، وعدم التَّكاسُلِ والقناعةِ بِالقليل؛ بل لا بد من السَّعْيِ والاجتهادِ؛ لتحقيق الأمجاد والبُطولات، مَهْمَا كَلَّفَ ذلك من جُهد ومن تَعَب، يقول أبو الطيِّب:
    وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إِلَى المَعَالِي فَلا يَذَرِ المَطِيَّ بِلا سَنَامِ
    وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا كَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

    ويقول أبو تَمَّام مُخاطِبًا الخليفةَ المُعْتَصِم بِاللَّه:
    بَصُرْتَ بِالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلَمْ تَرَهَا تُنَالُ إِلاَّ عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ

    ومناجاة الخليلين كانت أسلوبًا متَّبَعًا في الشعر العربي، وها نحن نرى أبا الطيب المتنبي

    يبدأ قصيدته تلك "الشاعر بين ألم المرض وألم الاغتراب":

    مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عَنِ المَلامِ وَوَقْعُ فَعَالِهِ فَوْقَ الكَلامِ

    وهذه القصيدة عبرت بعاطفةٍ صادقةٍ عمَّا يدور في وِجدان الشاعر، حيث أقام في مصر، وفرض عليه كافور الإخشيديُّ قيودًا حدَّتْ من رغباته وتطلُّعاتِه، ومِمَّا زادَ الطِّينَ بِلَّةً أنْ مَرِضَ المتنبِّي بالحُمَّى، وتنازعته آلام المرض، وآلام الغُرْبَة، وآلام الحَيْلُولَةِ دون تحقيق المُرام.

    فإن المتنبِّي ذهب إلى مصر رغبةً في تحقيق مَجْد ومَنْصِب، ونَيْل مكانةٍ لدى كافور - بعد ما حدث بينَهُ وبين سيف الدولة الحَمَدَانِيِّ من وِشَايَةٍ - فأتتِ الرياحُ بما لا تَشْتَهِي السُّفنُ؛ فبعد أنِ امتدح كافورًا قائلاً:
    أَبَا المِسْكِ أَرْجُو مِنْكَ نَصْرًا عَلَى العِدَا وَآمُلُ عِزًّا يَخْضِبُ البِيضَ بِالدَّمِ

    وذلك كي ينال رضاه، ويَنْعَمَ بقُرْبِهِ، ويُحَصِّلَ إِمارَةً لديه:
    أَبَا المِسْكِ هَلْ فِي الكَأْسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ فَإِنِّي أُغَنِّي مُنْذُ حِينٍ وَتَشْرَبُ

    فإذا بكافور قد خيَّب ظنَّه؛ فهَجَاهُ المتنبي، مُعَبِّرًا عن رأيه في سُلُوْكَاتِ هذا الأمير الزِّنْجِيِّ، قائلاً:
    وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا

    وقال أيضًا هاجيًا العبيد:
    لا تَشْتَرِ العَبْدَ إِلاَّ وَالعَصَا مَعَهُ إِنَّ العَبِيدَ لأَنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ

    وفي هذه القصيدة عبَّر الشاعر عن أبعاد الشخصية العربية بأنَّها شخصية شُجاعة، لا تعبأ بالصعاب في مقابل أن تحقق ما تطمح إليه من أمجاد ومفاخر، وذكر الشاعر مدى حُبِّه لمواجهة الشدائد والصِّعاب مهما كانت المشاقُّ المترتبة على ذلك فيقول:
    ذَرَانِي وَالْفَلاةَ بِلا دَلِيل وَوَجْهِيَ وَالْهَجِيرَ بِلا لِثَامِ
    فَإِنِّي أَسْتَرِيحُ بِذِي وَهَذَا وَأَتْعَبُ بِالإِنَاخَةِ وَالْمُقَامِ

    فهو يسير في البَيْداء وَحْدَهُ بلا دليل يَدُلُّه على خبايا الطريق، وهو يواجه هجير الشمس ولهيبها دون لِثام.

    وفي هذه القصيدة أيضًا تَحدَّث الشاعر عن مبادئ ذاتِيَّته وفخرِهِ؛ بأنه لا يَفْخَر بأبيه ولا جَدِّه، بل يَفْخَرُ بما حَقَّقَه بنفسِهِ من مآثِرَ وأمجاد، وبأنه يَنْفِر من كلِّ قريب له إذا لم يَنْهَج نَهْج الكِرام، فيقول:
    وَآنَفُ مِنْ أَخِي لأَبِي وَأُمِّي إِذَا مَا لَمْ أََجِدْهُ مِنَ الكِرَامِ
    أَرَى الأَجْدَادَ تَغْلِبُهَا كَثِيرًا عَلَى الأَوْلادِ أَخْلاقُ اللِّئَامِ
    وَلَسْتُ بِقَانِعٍ مِنْ كُلِّ فَضْل بِأَنْ أُعْزَى إِلَى جَدٍّ هُمَامِ

    وكذلك بَرَعَ المتنَبِّي في حديثه عن الحُمَّى، وكيف أنها كانت تأتيه ليلاً، فرَسَمَ لها صورةَ زائرةٍ ليليَّةٍ تأتي إليه في الظلام على استحياء:
    وَزَائِرَتِي كَأَنَّ بِهَا حَيَاءً فَلَيْسَ تَزُورُ إِلاَّ فِي الظَّلاَمِ
    بَذَلْتُ لَهَا المَطَارِفَ وَالْحَشَايَا فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ فِي عِظَامِي
    يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسِي وَعَنْهَا فَتُوسِعُهُ بِأَنْوَاعِ السِّقَامِ
    كَأَنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُهَا فَتَجْرِي مَدَامِعُهَا بِأَرْبَعةٍ سِجَامِ
    أُرَاقِبُ وَقْتَهَا مِنْ غَيْرِ شَوْق مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
    وَيَصْدُقُ وَعْدُهَا وَالصِّدْقُ شَرٌّ إِذَا القَاكَ فِي الكُرَبِ العِظَامِ
    أَبِنْتَ الدَّهْرِ عِنْدِي كُلُّ بِنْت فَكَيْفَ وَصَلْتِ أَنْتِ مِنَ الزِّحَامِ
    جَرَحْتِ مُجَرَّحًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَكَانٌ لِلسُّيُوفِ وَلا السِّهَامِ

    كذلك عندما جاؤوا له بالطبيب فقال لهم: إنَّ مَرَضَه ليس عُضْوِيًّا؛ بل هو مرض من نوع خاصّ؛ إنه مرض الحيلولة دون تحقيق الأهداف، إنه كالجواد الذي تعوَّد الكَرَّ والفرَّ فحِيلَ بينه وبين ما تَعَوَّد عليه:
    يَقُولُ لِيَ الطَّبِيبُ أَكَلْتَ شَيْئًا وَدَاؤُكَ فِي شَرَابِكَ وَالطَّعَامِ
    وَمَا فِي طِبِّهِ أَنِّي جَوَادٌ أَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
    تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبِّرَ فِي السَّرَايَا وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ فِي قَتَامِ
    فَأُمْسِكَ لا يُطَالُ لَهُ فَيَرْعَى وَلا هُوَ فِي العَلِيقِ وَلا اللِّجَامِ

    ثم يختم الشاعِرُ قصيدته بالحِكَم؛ كعادته في شعره:
    فَإِنْ أَمْرَضْ فَمَا مَرِضَ اصْطِبَارِي وَإِنْ أُحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعْتِزَامِي
    وَإِنْ أَسْلَمْ فَمَا أَبْقَى وَلَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمَامِ إِلَى الحِمَامِ
    تَمَتَّعْ مِنْ سُهَادٍ أَوْ رُقَادِ وَلا تَأْمُلْ كَرًى تَحْتَ الرِّجَامِ
    فَإِنَّ لِثَالِثِ الحَالَيْنِ مَعْنًى سِوَى مَعْنَى انْتِبَاهِكَ وَالْمَنَامِ

    هكذا نرى الشاعر العربيَّ يوصل إلينا رسالة سامية، لقد كان الشِّعر ديوانَ العرب، وكانت له رسالة ساميةٌ، ومكانَةٌ عالية فيهم، وصَدَقَ رسولُنا الكريم – صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((إن منَ الشِّعر لَحِكْمَةً، وإن منَ البيان لَسِحْرًا".


    د. جمال عبد الناصر
يعمل...