الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

هجرة النصوص بين التناص والترجمة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د سعيد العوادي
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 266

    #1

    هجرة النصوص بين التناص والترجمة

    النصوص مثل أسراب الطيور تهاجر من مكان إلى مكان وفق قوانين ذاتية وموضوعية. وإذا تقصّدت هجرة الطيور التوازن الطبيعي، فإن هجرة النصوص تستهدف التوازن الثقافي.
    وكل نص لا يرحل في الزمان والمكان والأذواق غير جدير بصفته النصية. بيد أننا يجب أن نلمع، ابتداء، إلى أن النصوص تسلك في هجرتها أحد الطريقين: طريق التناص حيث تعاشر كيانات نصية أخرى وتبني معها علاقات مختلفة، حسب ما فصلت فيه الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا. وطريق الترجمة حيث تنتقل من كيان ثقافي تحمله لغة- مصدر إلى كيان ثقافي مغاير تحمله لغة- هدف.
    والذي يهمنا في هذا السياق هو طريق الترجمة ؛ وهو طريق له أصول قديمة في حضارتنا العربية، وقد تكون الإشارة إلى حلم المأمون ذات دلالة عميقة، بغض النظر عن صدق الحادثة أو تلفيقها، في تأصيل الفعل الترجمي عندنا، حينما ذكر ابن النديم في "الفهرست" أن المأمون حلم بأرسطو طاليس وأجابه عن أسئلة حضارية كبرى، بدا من خلالها معترفا بحقيقة الشريعة وموفقا بين العقل والنقل، بل كأنه همس، في تلك الليلة، إلى المأمون بإسلامه.
    ولئن حقق المأمون حلمه في إنشاء مؤسسة "بيت الحكمة" التي ترجمت فيها أخلاط من كتب الإغريق، فإن الثقافة العربية أبت إلا أن تمعن في تحقيق حلم هذا الخليفة العباسي عندما انخرطت في ترجمة كتب الأدب كذلك في جميع مراحلها التاريخية. فلا يزال بيت الحكمة يقوم بمهامه أكثر مما مضى، حيث عمد المترجمون في العالم العربي إلى نقل الدواوين الشعرية والروايات والقصص لكبار أدباء الغرب. وعلى الرغم مما يقال عن خيانة الترجمة، فهي خيانة بيضاء أسهمت في تعريف القارئ العربي ذي اللغة الواحدة بأفانين أدب الآخر، بل واكبت التطور الأدبي عند أدبائنا وقدمت إليه سندا نصيا من هذا الآخر الحداثي، وكثيرا ما أشعلت فتيل حركات إبداعية جديدة.
    ومعلوم أن الترجمة الأدبية عندنا ذات طبيعة متدابرة، فيها ما يتجه من الآخر إلى الأنا وما يتجه من الأنا إلى الآخر. وفي الاتجاه الثاني كان للترجمة دور حضاري كبير، تمثل في تعريف الأديب والقارئ الغربي بأدبنا، والعمل على تحويل متخيلهما، المشكل بوساطة المرحلة الكولينيالية وعوالم ألف ليلة وليلة، من متخيل طقوسي خارج حركة التاريخ إلى متخيل واقعي له ما له وعليه ما عليه.
يعمل...