اللغة في قصور الخلفاء(1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    اللغة في قصور الخلفاء(1)

    اللغة أوقعُ وسيلةٍ إعلامية تصنع الخبر وتثقف أعواده، وتهذب أغصانه، فتزيل شوكه وتقيم عوجه، وإن شئت فقل، مثل الأم تلد الطفل ثم هي بعد ذلك محضَنه ومغذاه ومرباه، تلازمه ملازمة الظل للأصل حتى يبلغ أشده، وقد استخدم الساسةُ ذلك المحضن لصناعة الأخبار منذ أن عُرِف ساسةٌ ومسوسون، وليس بغريب إذا اصطكت بتلك الآلة الإعلامية آلةٌ أخرى ونازعتها في تلك الحُظوة أن تظهر السياسة لترجح جانبها، ضرورة أنها لسان حالها ومرآتها.
    وفي بهو اليوم جرت مساجلة بين رئيسي تحرير أشهر جريدتين في عصر الملك الرشيد الخليفة هارون، أولهما: الأصمعي؛ وكان بمثابة رئيس تحرير الجريدة القومية البصرية الكبرى الناطقة بلسان حال الدولة..وكان منقطع النظير في الشعر وأخباره مقدَّمًا في بلاط الرشيد، ذا قريحة مُسعِفةٍ بالمعاني الشعرية والحجة القوية، وثانيهما : الكسائي؛ وكان رئيسًا لكتلة المعارضة الكوفية وعمود صحيفتها، وزعيم المناهضين لدولة النحو البصرية، وكان نحويًّا مكينًا لكنه كان ينازع الأصمعي في هوايته ومرتبته، وفي أُبَّهة بلاط الرشيد سأل الأصمعي الكسائي عن معنى قول القائل:
    قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا... ودعا فلم أر مثله مخذولا
    فانبرى الكسائي وقال متعجِّلًا بحَمِيَّةِ النحوي: كان محرمًا بالحج. فالتقطها الأصمعي وأطلقها قذيفة بزناد حافظته العاتية قائلًا: فقول الشاعر:
    قتلوا كسرى بليلٍ محرمًا ... فتولى لم يُمتَّعْ بكفنْ
    هل كان كسرى محرمًا بالحج؟ !
    وهنا انعقد لسان الكسائي؛ إذ لا قِبل له بردِّ حُجَّة الأصمعي، فالكسائي من هو في النحو إلا أن دُربته في صناعة الألفاظ قد صرفت قريحته للحظة عن المعنى الذي يملك الأصمعي زمامه بآلاف الشواهد التي حوتها مكتبته الفيلمية الذهنية...! وثَمَّةَ تدخَّلَ هارون وقال للكسائي: يا علي! إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي. قوله محرمًا كان في حرمة الإسلام.
    نعم، متى أسلم كسرى حتى يُحرم بحجٍّ؟!
    هنا فصلت السياسة الحكيمة بين القبيلين، وحكمت بين الحزبين بمنطقٍ رشيدٍ، ووضعت لكل من الرجلين الحدود الفاصلة كلٌّ في خبرته وملكته وتخصصه، فضرب الرشيد مثلًا فريدًا في الفصل بين السلطات، والتكامل بين الملكات،...ويبقى الأصمعي أعجوبة في لحن القول وبراعة الحجة، وكيف لا وقد شهد له شهود عصره في إحدى مناظراته لسيبويه بأن الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه...وهو ما تصنعه الآلة الإعلامية المستعبدة الآن....تغلب والحق مع غيرها.
    د.مصطفى شعبان
يعمل...