كتبه الاستاذ الودغيري محمد
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
تمهيد
أطرح هذا الموضوع الذي هو مصطلح في علم الاصوات التشكيلي الوظيفي ( الفونولوجيا ) , أقصد ( ألاولفون ) , ولقد بحثت بشكل شخصي في المراجع والمصادر والمعاجم عن هذا المصطلح وخصوصا في لغته الانجليزية الاصل وفي اللغة الفرنسية , وذلك لاني لم أكن مقتنعا بالمضمون العلمي للادبيات المسطرة من طرف علماء ودكاترة و أقلام عربية كتبت حول هذا المصطلح لاسباب متعددة ,منها مشكل المنهج والحقل العلمي , فلا أحد في العالم العربي تناول هذا المصطلح بشكل علمي, وسأقدم نماذج على ذلك , لقد وجدت المصطلح ( الأولفون ) فعلا يدخل ضمن علم الاصوات الفونولوجي , ولا يدخل ضمن علم الاصوات الفونيتيكي . وهناك بون شاسع بين العلمين ( الفونيتيك # الفونولوجيا ) , رغم ان الموضوع أو الظاهرة الصوتية الواحدة قد تكون حقلا للدراسة العلمية من داخلهما معا , الا أن المنهج والرؤية تختلف في المقاربة من علم لاخر . كما أن المقاربات لم تنطلق من حقل علمي لساني مضبوط , وهذان المشكلان من أخطر المشاكل التي اعترضت وتعترض الدراسات العلمية في مجال اللسانيات والمصطلحات اللسانية المرتبطة بها في العالم العربي ومنها بالضبط اللسانيات الحاسوبية العربية .
1- الحقل المعرفي وضرورة التمييز بين علمي الفونيتيك والفونولوجيا في العالم العربي ,
اما ما يخص حقلي الفونيتيك والفونولوجيا , فالتمييز بينهما غير واضح ولا هو موضوع اهتمام علماء الاصوات في الغرب بأجنحته السلافية والانجلوساكسونية , والفرنكوفونية و في العالم العربي أيضا . وقبل القول في هذا لابد من الاشارة المنهجية الى أن علم الاصوات العام ينقسم الى علمين منفصلين من جهة المنهج ومترابطين معا من جهة بعض الموضوعات المشتركة , وهما علم الفونيتيكا وعلم الفونولوجيا . و يعود السبب في ظهور مشاكل الفصل المنهجي بينهما -الى ظهور مشاكل اخرى سنذكرها في أوانها - الى أول مؤتمر لعلم الاصوات بمدينة لاهاي بهولندا ولا أتذكر التاريخ بالضبط ( اما 1928 أو 1932 ) , سندقق النظر في هذا التاريخ فيما بعد. في ذلك المؤتمر قام رومان جاكبسون من حلقة براغ آنذاك- والذي ستتحول اللسانيات البنيوية عنده الى بنيوية وظيفية فيما بعد بالاشتراك مع أندريه مارتنيه - باقصاء علم الاصوات الفونيتيكي, هذا العلم الاصيل الذي نشأ ونما في القرنين ( 18 و19 ) على اسس المنهج التجريبي ومن داخل المختبرات , واستفادت منه علوم اخرى تشترك مع اللسانيات في المادة اي اللغة الانسانية, وتختلف في الاهداف مثل علم الاصوات النطقي العصبي وعلم الاصوات السمعي العصبي , وعلم الموسيقى وعلم النفس العصبي Neuopsychology , وعلم النفس المعرفي وعلم الاناسة وعلم النفس الاكلينيكي , وغيره كثير . وهذا معناه أن رومان جاكبسون أعاد اللسانيات الى المربع الاول وهدم كل ما بناه سوسور طيلة حياته العلمية و هدم كلما قدمته العلوم التجريبية واللغوية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشرة في أوروبا وهو الفصل بين علم اللسان اي اللسانيات وباقي العلوم التي تشترك أو لا تشترك مع اللسانيات في المادة اللغوية , تطورت العلوم الاخرى في معارفها وفي منجزاتها و في أدواتها المادية التكنولوجية , وتوقفت اللسانيات السوسورية عن أن تكون علما قائما بذاته منذ وفاته , ورغم احتفاء بلومفيلد في امريكا بنظرية سوسور منذ سنة 1914 أي بعد وفاة سوسور بسنة واحدة, ورغم اعتراف معظم العلماء في الغرب باهمية النظرية اللسانية في الجانب التأصيلي منها وفي الجانب العلمي النظري , ورغم الاستفادة القصوى من نظريته ومن مصطلحاته في الكثير من العلوم في الغرب حتى علوم الفيزياء والرياضيات استفادت من مصطلحات سوسور , فان اهمال نظرية سوسور بدأ مع جاكبسون في ذلك المؤتمر بالذات وذلك باخراج الفونيتيك من دائرة اللسانيات السوسورية بشكل مطلق , وتعرضت نظرية سوسور مرة اخرى الى ضربة قاسية على يد كل من رومان جاكبسون نفسه وصديقه تشومسكي في بداية الخمسينات من القرن السالف ’ وهو بالضبط الزمن الذي تحققت في نبوءة سوسور مع ظهور السيميولوجيا كعلم على يد رولان بارث وفيما بعد كريماس وتدوروف وجوليا كريستيفا وامبرطو ايكو وغيرهم كثير ,تلك النظرية التي وعد سوسور بظهورها قبل خمسين سنة , ولو لم تكن نظرية سوسور صحيحة علميا , وأصيلة معرفيا لما ظهر علم يهتم بانساق وحياة العلامات ضمن الحياة الاجتماعية كما تنبأ له سوسور في كتابه المحاضرات , وهذا له دلالة اخرى وهي ان نظرية سوسور صحيحة علميا باعتبار اللسان نسق سميولوجي- الى جانب الانساق الاخرى - يدرس حياة العلامات ايضا ضمن الحياة الاجتماعية , وقولنا اجتماعية لا يعني أن اللسانيات جزء من علم الاجتماع ولا يعني ان علم الاجتماع جزء من الللسانيات , وسنشرح هذا في فصل خاص قائم بذاته و موضوعه ( اللساني وغير اللساني ).
2- المنهج والرؤية وضرورة ولادة ونشأة علم أصوات فونيتيكي عربي.
ان اقصاء علم الفونيتيك من طرف جاكوبسون , والاحتفاظ بعلم الفونولوجيا واعتماد علم الاصوات في الغرب على تصورات ارسطو , خصوصا في تعريفه للغة وللصوت اللغوي والحركات والتخلي عن نظرية اللسان عند سوسور , سيؤدي الى فشل عميق وعضوي وبنيوي في علم الاصوات الغربي, تظهر علاماته في النتائج غير الصحيحة وغير العلمية لهذا العلم الذي قام على مقاييس غير علمية , ومنها اساسا مقاييس النظام الفونولوجي , ونتائجه المضطربة الصائبة أحيانا والخاطئة في احايين كثيرة ,سنقدم مثالا حيا على ذلك , دراسة تطبيقية مفصلة ومطولة من داخل علم الاصوات العربي الحديث , مثال سيبرز بجلاء التأثير السلبي لعلم الاصوات الغربي على علم الاصوات العربي وسنحلل نماذج اخرى لاتباث هذا التأثير السلبي علميا انشاء الله *. ذلك ان علم الفونيتيك التجريبي المحض المخصي من طرف جاكبسون هو علم تجريبي خالص يقوم من حيث المنهج على نظرية اللسان عند سوسور , وهذا يعني مباشرة الغاء مفاهيم مهمة عند سوسور , مفهوم اللسان Langue ومفهوم النظام System ومفهوم المنهج الستاتيكي Static ( المنهج السكوني ) , ومفهوم المنهج التزامني Synchronic ومفهوم الوصف. هذه المفاهيم والمصطلحات هي الارض الصلبة التي تجمع لسانيات اللسان عند سوسور وعلم الفونيتك في اطار علمي واحد يكون هدفه الوصول الى النظام الصوتي العلمي التابث غير المتغيراو المتحرك داخل اي لغة , و لا يتحقق ذلك النظام الا بالوصول الى قواعد و قوانين تابثة لاتتغير من داخل المختبر , تصبح هي نفسها تلك المقاييس والمصادر الثابثة العلمية التي يقوم عليها أي عمل آخر لساني كلامي أي من داخل لسانيات الكلام , يعتمد عليها في استقراء واستنباط قوانين اخرى من درجة ثانية ,قد تكون ثابتة او متغيرة تصف النظام الفونولوجي لكلام لغة ما , فمثلما عندنا لسانيات اللسان كذلك عندنا لسانيات الكلام , فعلم الفونيتيك يبني القواعد والقوانين الثابتة من داخل لسانيات اللسان وهذه القواعد الثابتة تصبح مرجعا صلبا لاستنباط قوانين اخرى عن طريق الدراسة الصوتية للسانيات الكلام على المستوى الفونولوجي والصرفي والنحوي والخطي الى اخر, ونتائج هذه الدراسة الفونولوجية قد تكشف لنا عن الانظمة المتغيرة للاصوات الكلامية . وبالغاء كل هذا يسقط علم الاصوات الغربي في فونولوجيا الكلام وهي فونولوجيا متغيرة , وقوانينها وقواعدها متغيرة من نظام لساني كلامي للغة ما الى نظام لساني كلامي للغة اخرى . و تبعه في ذلك السقوط علم الاصوات العربي الحديث , الذي كانت له أسبابه الذاتية والتاريخية التي تؤهله لهذا السقوط , هذا فضلا عن سبب عضوي معروف وهو التبعية العلمية والثقافية العمياء , فأغلب الاساتذة والشيوخ والدكاترة وعلماء الاصوات في العالم العربي لم يكلفوا أنفسهم مراجعة النظريات اللسانية الغربية ولا علم الاصوات الغربي القديم , ولم يكلفوا أنفسهم مراجعة علم الاصوات العربي القديم , فجاء المحصول مشوها كما سنرى علميا مثل الغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحمامة , فأفقده ذلك ذاكرة مشيته الاصلية ففقدهما معا.
ان جل المقاربات الصوتية في العالم العربي أو حتى التي أنجزها علماء ومستشرقو الغرب, كلها جاءت من داخل لسانيات الكلام ومن داخل الفونولوجيا وبالطبع لم تأتي من داخل لسانيات اللسان او من داخل الفونيتيك , علم الفونيتيك تم تغييبه تماما والتمييز بين لسانيات اللسان ولسانيات الكلام حتى مع أشهر اللسانيين في الغرب الذي اعترف كتابة في اول بحث علمي له بنظرية الاصول عند سوسور , لكنه لم يحترمها بل وظفها واستفاد من مصطلحاتها وغير في المصطلحات السوسورية معتقدا أن الصياغة اللفظية المختلفة ستخفي ذلك الاخذ المباشر من سوسور وهي ليست عملية سرقة واضحة وانما عملية أدلجة ذاتية واضحة للفكر العلمي الراقي عند سوسور , وهو ما سنخصص له مقالا مستقلا, أتعلمون من هو هذا اللساني انه نعوم تشومسكي الذي طالما رفض الاشراف على اطروحات الباحثين العرب بحجة غياب المعرفة بعلم الرياضيات وكأن الباحث اللغوي العربي سيشتغل ببحثه في مختبرات الناسا, والحقيقة أن أقصى متطلبات المعرفة الرياضياتية في مجال اللسانيات هي المعرفة التامة بمحورين في علم الرياضيات هما مبحث الاشتقاق Derivation ومبحث الاحتمال Probability وهذا يمكن ادراكه واستدراكه في ظرف زمني دراسي يبلغ ستة أشهر , والحاجة اليهما تحصل فقط من داخل اللسانيات الحاسوبية او عند بناء المعاجم واشتقاقتها الصرفية والصوتية او عند بناء الاحتمالات النحوية وهذا العمل تجده عند الخليل ابن احمد في معجم العين واضحا و تجده عنده في تصوره للنظام الصوتي او عند سيبويه في تعدد الاحتمالات النحوية القابعة خلف نموذج نحوي واحد , بمعنى اخر ان لسانيات تشومسكي التوليدية والتحويلية لم تقدم جديدا للفكر اللغوي واللساني العربي بل هي في الاصل انطلقت منه , هذا العطاء الباهت لتشومسكي جاء نتيجة لسببين , اتفاقه مع جاكبسون في بداية الخمسينيات في نيويوك على توزيع المهام فلجاكبسون البحث في الكليات الصوتية ولتشومسكي البحث في الكليات النحوية , فلا الاول وصل الى الكليات الصوتية ولا الثاني وصل للكليات النحوية , واسباب الفشل في ذلك متعددة ومتداخلة , ذكرنا بعضها هنا وسنذكر البعض الاخر في مقال مستقل , والسبب الجامع بينها جميعا هو الايديولوجيا الذاتية . وهذا بمجمله ما أدى الى نتائج غير علمية , و غير صحيحة على الاطلاق عند أغلب العلماء الذي اتبعوا لسانيات تشومسكي . وبنفس القدر لم يكن علم الاصوات العربي القديم * أكثر حظا من علم أصوات العربي الحديث , ولكنه كان على علاته أفضل من أخيه في العصر الحديث , يشفع له غياب التكنولوجيا الحديثة , و انطلاقه من بيئته وسياق خاص به , و في ارتباطه بالتوجه العام أي بالنص القراني واللهجات العربية وعربية الشعر والنثر في العصر الجاهلي و الاربعة القرون الاولى بعد الهجرة .
واذا كان علم الفونيتيك بمفاهيم سوسور العلمية التي ذكرناها هو مربع العمليات الاول أي الحقل العلمي المحض الذي يتأسس عليه علم الاصوات التشكيلي الوظيفي ( الفونولوجيا ) ونتائجه العلمية , فانه بعد اقصاء علم الفونيتيك واقصاء النظرية اللسانيات عند سوسور , يكون كل ما ابدع من نظريات لسانية او صوتية لحد الان يدخل ضمن لسانيات الكلام هذا اذا صح اعتباره لسانيات علمية , ان المعيار الحقيقي لكل لسانيات تدعي الصفة العلمية هو المستوى الصوتى , وهو بالضبط ما هرب منه نعوم تشومسكي , بل هو السر في كتاباته الصوتية القليلة مع هالي التي لا ترقي الى مستوى النظرية التوليدية التحويلية عنده التي كان أساسها العلمي هو التأويل من داخل المنطق الصوري طبعا, ان كل نظرية تدعي العلمية باطلا ,ستتشظى وتنفجر من ذاتها بمجرد الاقتراب من عتبات الاصوات والحركات اي من علم الفونيتيك او حتى من علم الفونولوجيا لان المستوى الصوتي هو المستوى الوحيد الذي لا يقبل التقدير أو التأويل اطلاقا, لانه مستوى جلي ومشع ومحسوس وصاحب جرس .
أخيرا سنقدم بعض النماذج التي تعكس الاضراب والخلل في التصور اللساني عند بعض الباحثين العرب من خلال مفهوم الاولفون . وسنقدم نماذج متنوعة حتى لا يعتقد أحد أننا نقصد شخصا بعينه , لان الذي يهمنا هو الفكر اللساني العلمي وليس الشخص الذي أنتجه . وسنغير بعد ذلك ونأخذ قضايا ونماذج أخرى مختلفة . نتبث من خلالها فساد العين وفساد الرؤية وندعو من خلالها جميعا الى التغيير والاعتماد على الذات واستعمال العقل والابداع الذاتي .
واليكم النماذج أولا
يتبع .
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
تمهيد
أطرح هذا الموضوع الذي هو مصطلح في علم الاصوات التشكيلي الوظيفي ( الفونولوجيا ) , أقصد ( ألاولفون ) , ولقد بحثت بشكل شخصي في المراجع والمصادر والمعاجم عن هذا المصطلح وخصوصا في لغته الانجليزية الاصل وفي اللغة الفرنسية , وذلك لاني لم أكن مقتنعا بالمضمون العلمي للادبيات المسطرة من طرف علماء ودكاترة و أقلام عربية كتبت حول هذا المصطلح لاسباب متعددة ,منها مشكل المنهج والحقل العلمي , فلا أحد في العالم العربي تناول هذا المصطلح بشكل علمي, وسأقدم نماذج على ذلك , لقد وجدت المصطلح ( الأولفون ) فعلا يدخل ضمن علم الاصوات الفونولوجي , ولا يدخل ضمن علم الاصوات الفونيتيكي . وهناك بون شاسع بين العلمين ( الفونيتيك # الفونولوجيا ) , رغم ان الموضوع أو الظاهرة الصوتية الواحدة قد تكون حقلا للدراسة العلمية من داخلهما معا , الا أن المنهج والرؤية تختلف في المقاربة من علم لاخر . كما أن المقاربات لم تنطلق من حقل علمي لساني مضبوط , وهذان المشكلان من أخطر المشاكل التي اعترضت وتعترض الدراسات العلمية في مجال اللسانيات والمصطلحات اللسانية المرتبطة بها في العالم العربي ومنها بالضبط اللسانيات الحاسوبية العربية .
1- الحقل المعرفي وضرورة التمييز بين علمي الفونيتيك والفونولوجيا في العالم العربي ,
اما ما يخص حقلي الفونيتيك والفونولوجيا , فالتمييز بينهما غير واضح ولا هو موضوع اهتمام علماء الاصوات في الغرب بأجنحته السلافية والانجلوساكسونية , والفرنكوفونية و في العالم العربي أيضا . وقبل القول في هذا لابد من الاشارة المنهجية الى أن علم الاصوات العام ينقسم الى علمين منفصلين من جهة المنهج ومترابطين معا من جهة بعض الموضوعات المشتركة , وهما علم الفونيتيكا وعلم الفونولوجيا . و يعود السبب في ظهور مشاكل الفصل المنهجي بينهما -الى ظهور مشاكل اخرى سنذكرها في أوانها - الى أول مؤتمر لعلم الاصوات بمدينة لاهاي بهولندا ولا أتذكر التاريخ بالضبط ( اما 1928 أو 1932 ) , سندقق النظر في هذا التاريخ فيما بعد. في ذلك المؤتمر قام رومان جاكبسون من حلقة براغ آنذاك- والذي ستتحول اللسانيات البنيوية عنده الى بنيوية وظيفية فيما بعد بالاشتراك مع أندريه مارتنيه - باقصاء علم الاصوات الفونيتيكي, هذا العلم الاصيل الذي نشأ ونما في القرنين ( 18 و19 ) على اسس المنهج التجريبي ومن داخل المختبرات , واستفادت منه علوم اخرى تشترك مع اللسانيات في المادة اي اللغة الانسانية, وتختلف في الاهداف مثل علم الاصوات النطقي العصبي وعلم الاصوات السمعي العصبي , وعلم الموسيقى وعلم النفس العصبي Neuopsychology , وعلم النفس المعرفي وعلم الاناسة وعلم النفس الاكلينيكي , وغيره كثير . وهذا معناه أن رومان جاكبسون أعاد اللسانيات الى المربع الاول وهدم كل ما بناه سوسور طيلة حياته العلمية و هدم كلما قدمته العلوم التجريبية واللغوية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشرة في أوروبا وهو الفصل بين علم اللسان اي اللسانيات وباقي العلوم التي تشترك أو لا تشترك مع اللسانيات في المادة اللغوية , تطورت العلوم الاخرى في معارفها وفي منجزاتها و في أدواتها المادية التكنولوجية , وتوقفت اللسانيات السوسورية عن أن تكون علما قائما بذاته منذ وفاته , ورغم احتفاء بلومفيلد في امريكا بنظرية سوسور منذ سنة 1914 أي بعد وفاة سوسور بسنة واحدة, ورغم اعتراف معظم العلماء في الغرب باهمية النظرية اللسانية في الجانب التأصيلي منها وفي الجانب العلمي النظري , ورغم الاستفادة القصوى من نظريته ومن مصطلحاته في الكثير من العلوم في الغرب حتى علوم الفيزياء والرياضيات استفادت من مصطلحات سوسور , فان اهمال نظرية سوسور بدأ مع جاكبسون في ذلك المؤتمر بالذات وذلك باخراج الفونيتيك من دائرة اللسانيات السوسورية بشكل مطلق , وتعرضت نظرية سوسور مرة اخرى الى ضربة قاسية على يد كل من رومان جاكبسون نفسه وصديقه تشومسكي في بداية الخمسينات من القرن السالف ’ وهو بالضبط الزمن الذي تحققت في نبوءة سوسور مع ظهور السيميولوجيا كعلم على يد رولان بارث وفيما بعد كريماس وتدوروف وجوليا كريستيفا وامبرطو ايكو وغيرهم كثير ,تلك النظرية التي وعد سوسور بظهورها قبل خمسين سنة , ولو لم تكن نظرية سوسور صحيحة علميا , وأصيلة معرفيا لما ظهر علم يهتم بانساق وحياة العلامات ضمن الحياة الاجتماعية كما تنبأ له سوسور في كتابه المحاضرات , وهذا له دلالة اخرى وهي ان نظرية سوسور صحيحة علميا باعتبار اللسان نسق سميولوجي- الى جانب الانساق الاخرى - يدرس حياة العلامات ايضا ضمن الحياة الاجتماعية , وقولنا اجتماعية لا يعني أن اللسانيات جزء من علم الاجتماع ولا يعني ان علم الاجتماع جزء من الللسانيات , وسنشرح هذا في فصل خاص قائم بذاته و موضوعه ( اللساني وغير اللساني ).
2- المنهج والرؤية وضرورة ولادة ونشأة علم أصوات فونيتيكي عربي.
ان اقصاء علم الفونيتيك من طرف جاكوبسون , والاحتفاظ بعلم الفونولوجيا واعتماد علم الاصوات في الغرب على تصورات ارسطو , خصوصا في تعريفه للغة وللصوت اللغوي والحركات والتخلي عن نظرية اللسان عند سوسور , سيؤدي الى فشل عميق وعضوي وبنيوي في علم الاصوات الغربي, تظهر علاماته في النتائج غير الصحيحة وغير العلمية لهذا العلم الذي قام على مقاييس غير علمية , ومنها اساسا مقاييس النظام الفونولوجي , ونتائجه المضطربة الصائبة أحيانا والخاطئة في احايين كثيرة ,سنقدم مثالا حيا على ذلك , دراسة تطبيقية مفصلة ومطولة من داخل علم الاصوات العربي الحديث , مثال سيبرز بجلاء التأثير السلبي لعلم الاصوات الغربي على علم الاصوات العربي وسنحلل نماذج اخرى لاتباث هذا التأثير السلبي علميا انشاء الله *. ذلك ان علم الفونيتيك التجريبي المحض المخصي من طرف جاكبسون هو علم تجريبي خالص يقوم من حيث المنهج على نظرية اللسان عند سوسور , وهذا يعني مباشرة الغاء مفاهيم مهمة عند سوسور , مفهوم اللسان Langue ومفهوم النظام System ومفهوم المنهج الستاتيكي Static ( المنهج السكوني ) , ومفهوم المنهج التزامني Synchronic ومفهوم الوصف. هذه المفاهيم والمصطلحات هي الارض الصلبة التي تجمع لسانيات اللسان عند سوسور وعلم الفونيتك في اطار علمي واحد يكون هدفه الوصول الى النظام الصوتي العلمي التابث غير المتغيراو المتحرك داخل اي لغة , و لا يتحقق ذلك النظام الا بالوصول الى قواعد و قوانين تابثة لاتتغير من داخل المختبر , تصبح هي نفسها تلك المقاييس والمصادر الثابثة العلمية التي يقوم عليها أي عمل آخر لساني كلامي أي من داخل لسانيات الكلام , يعتمد عليها في استقراء واستنباط قوانين اخرى من درجة ثانية ,قد تكون ثابتة او متغيرة تصف النظام الفونولوجي لكلام لغة ما , فمثلما عندنا لسانيات اللسان كذلك عندنا لسانيات الكلام , فعلم الفونيتيك يبني القواعد والقوانين الثابتة من داخل لسانيات اللسان وهذه القواعد الثابتة تصبح مرجعا صلبا لاستنباط قوانين اخرى عن طريق الدراسة الصوتية للسانيات الكلام على المستوى الفونولوجي والصرفي والنحوي والخطي الى اخر, ونتائج هذه الدراسة الفونولوجية قد تكشف لنا عن الانظمة المتغيرة للاصوات الكلامية . وبالغاء كل هذا يسقط علم الاصوات الغربي في فونولوجيا الكلام وهي فونولوجيا متغيرة , وقوانينها وقواعدها متغيرة من نظام لساني كلامي للغة ما الى نظام لساني كلامي للغة اخرى . و تبعه في ذلك السقوط علم الاصوات العربي الحديث , الذي كانت له أسبابه الذاتية والتاريخية التي تؤهله لهذا السقوط , هذا فضلا عن سبب عضوي معروف وهو التبعية العلمية والثقافية العمياء , فأغلب الاساتذة والشيوخ والدكاترة وعلماء الاصوات في العالم العربي لم يكلفوا أنفسهم مراجعة النظريات اللسانية الغربية ولا علم الاصوات الغربي القديم , ولم يكلفوا أنفسهم مراجعة علم الاصوات العربي القديم , فجاء المحصول مشوها كما سنرى علميا مثل الغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحمامة , فأفقده ذلك ذاكرة مشيته الاصلية ففقدهما معا.
ان جل المقاربات الصوتية في العالم العربي أو حتى التي أنجزها علماء ومستشرقو الغرب, كلها جاءت من داخل لسانيات الكلام ومن داخل الفونولوجيا وبالطبع لم تأتي من داخل لسانيات اللسان او من داخل الفونيتيك , علم الفونيتيك تم تغييبه تماما والتمييز بين لسانيات اللسان ولسانيات الكلام حتى مع أشهر اللسانيين في الغرب الذي اعترف كتابة في اول بحث علمي له بنظرية الاصول عند سوسور , لكنه لم يحترمها بل وظفها واستفاد من مصطلحاتها وغير في المصطلحات السوسورية معتقدا أن الصياغة اللفظية المختلفة ستخفي ذلك الاخذ المباشر من سوسور وهي ليست عملية سرقة واضحة وانما عملية أدلجة ذاتية واضحة للفكر العلمي الراقي عند سوسور , وهو ما سنخصص له مقالا مستقلا, أتعلمون من هو هذا اللساني انه نعوم تشومسكي الذي طالما رفض الاشراف على اطروحات الباحثين العرب بحجة غياب المعرفة بعلم الرياضيات وكأن الباحث اللغوي العربي سيشتغل ببحثه في مختبرات الناسا, والحقيقة أن أقصى متطلبات المعرفة الرياضياتية في مجال اللسانيات هي المعرفة التامة بمحورين في علم الرياضيات هما مبحث الاشتقاق Derivation ومبحث الاحتمال Probability وهذا يمكن ادراكه واستدراكه في ظرف زمني دراسي يبلغ ستة أشهر , والحاجة اليهما تحصل فقط من داخل اللسانيات الحاسوبية او عند بناء المعاجم واشتقاقتها الصرفية والصوتية او عند بناء الاحتمالات النحوية وهذا العمل تجده عند الخليل ابن احمد في معجم العين واضحا و تجده عنده في تصوره للنظام الصوتي او عند سيبويه في تعدد الاحتمالات النحوية القابعة خلف نموذج نحوي واحد , بمعنى اخر ان لسانيات تشومسكي التوليدية والتحويلية لم تقدم جديدا للفكر اللغوي واللساني العربي بل هي في الاصل انطلقت منه , هذا العطاء الباهت لتشومسكي جاء نتيجة لسببين , اتفاقه مع جاكبسون في بداية الخمسينيات في نيويوك على توزيع المهام فلجاكبسون البحث في الكليات الصوتية ولتشومسكي البحث في الكليات النحوية , فلا الاول وصل الى الكليات الصوتية ولا الثاني وصل للكليات النحوية , واسباب الفشل في ذلك متعددة ومتداخلة , ذكرنا بعضها هنا وسنذكر البعض الاخر في مقال مستقل , والسبب الجامع بينها جميعا هو الايديولوجيا الذاتية . وهذا بمجمله ما أدى الى نتائج غير علمية , و غير صحيحة على الاطلاق عند أغلب العلماء الذي اتبعوا لسانيات تشومسكي . وبنفس القدر لم يكن علم الاصوات العربي القديم * أكثر حظا من علم أصوات العربي الحديث , ولكنه كان على علاته أفضل من أخيه في العصر الحديث , يشفع له غياب التكنولوجيا الحديثة , و انطلاقه من بيئته وسياق خاص به , و في ارتباطه بالتوجه العام أي بالنص القراني واللهجات العربية وعربية الشعر والنثر في العصر الجاهلي و الاربعة القرون الاولى بعد الهجرة .
واذا كان علم الفونيتيك بمفاهيم سوسور العلمية التي ذكرناها هو مربع العمليات الاول أي الحقل العلمي المحض الذي يتأسس عليه علم الاصوات التشكيلي الوظيفي ( الفونولوجيا ) ونتائجه العلمية , فانه بعد اقصاء علم الفونيتيك واقصاء النظرية اللسانيات عند سوسور , يكون كل ما ابدع من نظريات لسانية او صوتية لحد الان يدخل ضمن لسانيات الكلام هذا اذا صح اعتباره لسانيات علمية , ان المعيار الحقيقي لكل لسانيات تدعي الصفة العلمية هو المستوى الصوتى , وهو بالضبط ما هرب منه نعوم تشومسكي , بل هو السر في كتاباته الصوتية القليلة مع هالي التي لا ترقي الى مستوى النظرية التوليدية التحويلية عنده التي كان أساسها العلمي هو التأويل من داخل المنطق الصوري طبعا, ان كل نظرية تدعي العلمية باطلا ,ستتشظى وتنفجر من ذاتها بمجرد الاقتراب من عتبات الاصوات والحركات اي من علم الفونيتيك او حتى من علم الفونولوجيا لان المستوى الصوتي هو المستوى الوحيد الذي لا يقبل التقدير أو التأويل اطلاقا, لانه مستوى جلي ومشع ومحسوس وصاحب جرس .
أخيرا سنقدم بعض النماذج التي تعكس الاضراب والخلل في التصور اللساني عند بعض الباحثين العرب من خلال مفهوم الاولفون . وسنقدم نماذج متنوعة حتى لا يعتقد أحد أننا نقصد شخصا بعينه , لان الذي يهمنا هو الفكر اللساني العلمي وليس الشخص الذي أنتجه . وسنغير بعد ذلك ونأخذ قضايا ونماذج أخرى مختلفة . نتبث من خلالها فساد العين وفساد الرؤية وندعو من خلالها جميعا الى التغيير والاعتماد على الذات واستعمال العقل والابداع الذاتي .
واليكم النماذج أولا
يتبع .

تعليق