التأويل البياني للنقد 2/ 2

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء التميمي
    عضو نشيط
    • Oct 2014
    • 725

    #1

    التأويل البياني للنقد 2/ 2

    ناصر السيد النور
    ومن جانب آخر فإن الممارسة البلاغية لا تعّد نقداً بالمعنى الاصطلاحي للنقد، فإن النصَّ في اللغة أي المنتج اللغوي يكون قابلاً للتأويل بحسب اختلاف اتجاهات الفكر الإنساني وأبعاده المعرفية الأخرى، فالبلاغة في كشفها وإيضاحها مستخدمة أدواتها في التشبيه والمجاز والاستعارة مضفيةً بعداً إنسانياً مخاطبة الواقع الوجودي غير الناطق بإضافة التصورات اللغوية إلى موجودات تحيط بواقع الإنسان غير اللغوي، الواقع المادي المجرد.

    بينما التأويل فيعمد إلى إعادة صياغة نص أو نصوص أخرى بتعريف السيميائي الإيطالي "أمبرتو إيكو" في كتابه ذائع الصيت حدود التأويل، بعكس ما درجت عليه الآراء وليست الدراسات بنسبة التأويل إلى التقول على النصوص وتحميلها بأكثر مما تحتمل، فالتأويل هو استعادة مستمرة لنسق الفكر مبنياً على التقابل اللغوي، فإذا كان التأويل هو علم التفسير الذي يتخلف بدوره عن التفسير أو الإيضاح بحسب التعريفات المعجمية القاصرة على إيضاح المفردة اصطلاحاً وتأصيلاً تقصياً لتطورها التأريخي، وهذا التطور التاريخي هو ما رحّل التأويل من مجال تأويل النصوص الدينية إلى حقل الدراسات اللسانية والتطبيقية في مجالي الأدب واللغة.

    فالحاجة للبيان والتأويل لمعالجة الظاهرة اللغوية توجد في كل اللغات المكتوبة فنحن أمام ظاهرة متحققة الوجود وممارسة لغوية تستدعي أدواتها المستقلة عن مصادر النصوص بمعنى من المعاني فإن التأويل محاولة تخطي حدود فعل النصوص وما تحدثه من أثر في المتلقي، ومن هنا يتاخم التأويل النقد أو يكون مكون من مكوناته الجوهرية في معالجة النصوص مما يوسع من دائرة التناول النقدي، فتأويل النصوص الدينية، أو تحديدا تفسير النصوص ومنها آي القرآن الكريم الذي وردت ضمن سوره مفردة التأويل في أكثر من سياق بمعاني متتابعة في الإشارة إلى تفسير القول، والرؤيا، والأحاديث، أي الكلام وبيان القول، فها هو المفسر البارز "ابن جرير الطبري" في تفسيره الضخم يربط بين التأويل والبيان.

    يتداخل كل من التأويل والبيان في سياق الفعل النقدي ضمن الخطاب اللغوي وما تحمله دلالاته ورموزه المتمثلة في مخرجات النصّ وحدود بيانه ربطاً بموضوعه، فإذا كان التأويل ذا بعد "فومنولوجي" ووجودي، فإنّ النقد هو النتيجة المنطقية لتحقق النصوص من خلاله وجوداً فاعلاً في حيز الفكري الإنساني، وبما أن النقد لم يعد حصراً على معالجة النصوص الأدبية والبلاغية؛ بل قراءة شاملة لظاهرة الفكر البشري ونتاجاته العقلانية، فمنذ أن انفصلت العلوم عن هيمنة التفسير اللاهوتي أصحبت مهمة النقد أكثر عقلانية تتجه نحو فهم وتفسير العقل بالنقد الذي يحتل حيزاً كبيراً في حقول متعددة أبرزها الفلسفة، فكان نقد العقل ميراثاً أزاح ما تراكم على العقل البشري من رؤى "ميتافيزيقيه" أسرت الفكري الفلسفي لقرون، وهذا التطور في مسيرة النقد تلازم مع اتساع دائرة النصوص التي لم تعد نصوصاً في الأدب، بل تحوّل الوجود إلى نصّ قابل للقراءة والتأويل في حزمة سردية، لها جذورها في البيان المنطقي للغة؛ مما يسمح لها بأن تكون لها قابلية النقد ليست كنصوص في المخيلة الجمالية.

    ولكن نصوصاً تطبق عليها أدوات مستحدثة تأخذ بنتائج العلوم اللسانية والإنسانيات ذات الأبعاد التاريخية، ولم تعد اللغة موضوعاً محايداً أو داخلا في اللغة فحسب داخل إطار "فيلولوجي" مستقلاً عن مؤثرات الاستخدام التداولي، وهكذا أخذت الحداثة بأهمية النظرية النقدية لما لها من تأصيل نقدي يمكن التوصل من خلاله إلى تبيان العلاقات الجدلية الناظمة لمفهوم النص اللغوي أو العوامل التي أسهمت في تكوينه، فنظريات التناص والخطاب ودراسات "الأنثروبولوجيا" اللغوية وفلسفة العلوم الاتجاهات "البنيوية" و"السيمولوجيا" التي ارتكزت على الميراث "الفيلولوجي" والنقدي أفضت مجتمعة إلى تأويل المعرفة الإنسانية كقيمة وجودية.
    http://www.alriyadh.com/1133138
يعمل...